حماية المستهلك المتعاقد بشكل الإلكتروني و النزاعات المثارة بشأنه

حماية المستهلك المتعاقد بشكل الإلكتروني و النزاعات المثارة بشأنه

حماية المستهلك المتعاقد بشكل الإلكتروني أمام التقدم الهائل في عالم المعلوماتية و الإتصالات اللاسلكية وعلى رأسها الأنترنيت نجد المستهلك كشخص طبيعی عاجز عن مواجهة هذه التحديات، وفي ذات الوقت مضطر لتلبية حاجاته الشخصية، فهل تستطيع المبادئ العامة الواردة في ق ل ع حماية هذا المستهلك، أم أن الحماية المرجوة لا يمكن تفعيلها إلا باللجوء إلى القواعد الخاصة (الفترة الأولى)، و لمن ينعقد الاختصاص بخصوص النزاعات المرتبطة بهذا المستهلك؟ ( الفترة الثانية)

حماية المستهلك بين القواعد العامة والقواعد الخاصة

سنتطرق بداية إلى مدى نجاعة المبادئ العامة الواردة في ق ل ع في حماية المستهلك المتعاقد إلكترونيا (أولا)، ثم ننتقل إلى الحديث عن دور القواعد الخاصة في حماية هذا المتعاقد (ثانيا)

أولا :حماية المستهلك المتعاقد بشكل الإلكتروني وفق القواعد العامة

من المعلوم أن تمة وسائل الحماية المتعاقد عندما يكون في مواجهة متعاقد في مركز أقوى منه، وهذه الوسائل في الغالب لا تخرج عن نظرية عيوب الإرادة و مبدأ سلطان الإرادة. وإذا كانت هذه الوسائل تخدم المستهلك بصورة عامة فإن التساؤل يتار حقا عن كتابة هذه الوسائل لتحقيق حماية فعالة لمستهلاك؟

للإجابة عن هذا التساؤل، سوف نبحت في مدى فعالية مبدأ سلطان الإرادة في حماية المستهلك المتعاقد بشكل الإلكتروني ، ثم ننتقل لمدى فعالية عيوب الرضا ودورها في تحقيق تلك الحماية

1 : مدى فعالية مبدأ سلطان الإرادة في حماية المستهلك المتعاقد بالشكل الإلكتروني

لقد تكرست الأفكار الاقتصادية و الفلسفية الرامية إلى ترك الحرية للأفراد في تحديد التزاماتهم وتعهدائهم قانونا بصدور مدونة نابليون سنة 1804م، والتي تبنت مبدأ سلطان الإرادة

هذا ويسير التشريع على ذات المنوال، من خلال أخذه بهذا المبدأ في الفصل 230 من ق.ل.ع الذي نص على أن “الالتزامات المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا، أو في الحالات المنصوص عليها في القانون”، وتأسيسا على ذلك فإن الإرادة هي أساس القوة الملزمة في التعاقد، وهي التي تتحكم في تحديد مضمون العقد، و الالتزامات التي تقع على أطرافه

بيد أن السؤال المطروح هو هل يحقق هذا المبدأ حماية متوازنة للطرفي العقد المبرم يشكل إلكتروني؟

بهذا الصدد يذهب جانب من الفقه، إلى أن مبدأ الرضائية مازال يسود العقود الإلكترونية على اختلاف أنواعها، ذلك أن الموجب له لا يقتصر دوره على مجرد الموافقة على الشروط المعدة سالفا بل له كمستهلك، مطلق الحرية في التعاقد مع أي منتج أو مورد إذا لم تكن في صالحه الشروط المعروضة على شاشة الأنترنيت، ويستطيع الانتقال من موقع إلى آخر واختيار ما يشاء

إلا أنه رغم رجاحة هذا المبدأ من جانب، حينما يتعلق الأمر بسلع و خدمات متوفرة تعرف تنافسا بين الفاعلين الاقتصاديين، فإنه من جانب ثان أغفل الوجه الآخر المتعلق باحتكار السلع و الخدمات من بعض المواقع فقط

وعليه فإذا كان مبدأ سلطان الارادة ينسجم مع مبادئ الحرية العامة في بداية القرن 19، و الحرية التعاقدية منها بوجه خاص، فإن القيود بدأت تفرض على هذا المبدأ شيئا فشيئا كلما اقتضت الضرورة الأجتماعية أن تقيد الارادة، وذلك لحماية المجتمع أو عدد من أعضائه في مواجهة أخرين هم أقوى منه إرادة و مركزا قانونيا و اقتصاديا.

ولعل عقود الاستهلاك من أبرز القيود الواردة على الأرادة، والتي يصعب أن تحقق التوازن العقدي في العقود الإلكترونية، ذلك أن ظروف التعاقد وشروطه مسألة معقدة لتعلنها بسلع و خدمات ذات مواصفات فنية وتكنولوجية والتي لا تسمح للمستهلك العادي التعاقد بمحض إرادته، خاصة في عالم افتراضي لا وجود فيه للأطراف، والمبيع…

2 : مدى فعالية نظرية عيوب الرضا في حماية المستهلك

إذا كانت نظرية عيوب الرضا تلعب دورا كبيرا في إبطال مجموعة من العقود التي تكون فيها إرادة أحد أطرافها معيبة، وحماية المتعاقد بشكل عام و المستهلك بصفة خاصة، إلا أنها تبقى مع ذلك قاصرة لأن تكون الوسيلة الفعالة لخدمة قضية المستهلك وذلك لاعتبارات التالية :

1 – أصعوبة إثبات التدليس فيما يخص العقود الإلكترونية وذلك اعتبارا للطبيعة الغير مادية للمعلومات و البيانات التي يجري تقلها عبر تقنيات الاتصال الحديئة

2- إذا كان إعمال على الإكراه يشترط فيه تحقق شروط معينة 70 منصوص عليها في ق.ل.ع، إلا أن المستهلك يمكن أن يقع ضحية إكراه اقتصادي، وبالتالي فان نظرية الإكراه التقليدية لا توفر له الحماية المرجوة

3-في الكثير من الحالات لا يرغب المستهلك في التمسك بالدفع بالغلط حتى لا يحرم من السلعة أو الخدمة محل التعامل مما يستنتج معه أن نظرية الغلط تبقى قاصرة على أن تكون الوسيلة الفعالة لخدمة قضية المستهلك

مجمل القول، أنه بالرغم من خصوصية عيوب الرضا في العقد الإلكتروني، إلا أنها تبقى قاصرة لتكريس و تفعيل حماية المستهلك المتعاقد بالشكل الإلكتروني، وهذا ما سيدفعنا إلى البحث عن مدى حمايته وفق القواعد الخاصة

ثانيا: حماية المستهلك المتعاقد بشكل الإلكتروني وفق القواعد الخاصة

إن انعدام التوازن العقدي في العقد الإلكتروني ناتج بالأساس عن كون المهني يعرف طبيعة المحل وخصوصيات السلع أو الخدمات التي يعرضها في السوق الإلكترونية، بخلاف المستهلك الذي يجهل خصوصيات المنتوج، لذلك كان واجبا على المهني أو المورد أن يلتزم بالإعلام، إضافة إلى التزامه بضمان السلامة، ويخول للمستهلك حقه في الرجوع

1 : الالتزام باعلام المستهلك

لاشك أن التزام المورد بإعلام المستهلك يشكل أحد أبرز الركائز القانونية في مجال حماية المستهلك بصفة عامة، ويبنوا هذا الالتزام أكثر إلحاحا في التعاقد الذي يتم بشكل إلكتروني، سيما وأن هذا الأخير يتم دون التقاء حقيقي، بين أطراف التعاقد، ودون أن يقوم المستهلك بمعاينة الشيء المتعاقد عليه معاينة حقيقية

وإذا كان الالتزام بالإعلام يفرض على المورد إعلام المستهلك بكافة الوقائع

و المعلومات التي تكون منتجة و الازمة لتكوين رضاء مستنير، و لضمان حسن تنفيذ العقد كما أشارت إلى ذلك المادة 3 من قانون رقم 08. 31 ، فإن مقدم السلعة أو الخدمة في ضوء التعاقد الالكتروني يجب عليه أن يضمن عرضة المقدم على شاشة الأنترنيت كل خصائص هذه السلعة أو الخدمات، اضافة إلى كيفية الاستعمال و الاستفادة كما يلزم أن يكون العرض واضحا و مفهوما ومحددا بدقة، ولابد له من التأكد من ظهور كل البيانات الالزامية الخاصة للتعريف بالعرض المقدم

2: حق المستهلك في خيار الرجوع

نظرا لكون المستهلك ليس لديه الامكانية الفعلية لمعاينة المنتوج، والعلم بخصائصه قبل إبرام العقد كما أسلفنا, فإنه يجب أن يتمتع بحق العدول أو الرجوع

وفي هذا الإطار منح تقنين الاستهلاك الفرنسى والتوجيهات الأوربية حق المستهلك دون إبداء مسوغات في العدول عن الخدمة وذلك خلال مدة لا تقل عن سبعة أيام

أما على مستوى النصوص الوطنية، فقد صار المشرع على نفس المنوال بحيت خول المستهلك الحق في الرجوع وذلك طبقا للقانون رقم 31. 08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، والتي منحت نفس الإمكانية للمستهلك دون الحاجة إلى تبرير ذلك أو دفع غرامة باستثناء مصاريف الارجاع إن اقتضى الحال ذلك

3: الالتزام بضمان السلامة

 إن الالتزام بضمان السلامة – سلامة المستهلك – من الالتزامات القائمة على عاتق البائع – المورد- لصالح المستهلك المتعاقد الكترونيا، ولهذا قالالتزام بضمان السلامة هدفه الأساسي توفير الأمان، أي ضمان حصول هذا المستهلك على سلعة لا تنطوي على خطورة يمكن أن تكون مصدر ضرر بالنسبة له أو المحيطين به، وحتى يعتد بوجود هذا الالتزام الأبد أن يستجمع العقد بما فيها العقود الالكترونية تلات شروط وهي كالتالي:

الشرط الأول: وجود خطر يتهدد أحد المتعاقدين في سلامته الجسدية وهو الخطر الذي أصبح يتزايد في ظل التقدم الصناعي، وتعقد الأجهزة الحديثة، وتتزايد هذه المخاطر بالنسبة للمستهلك المتعاقد بشكل الكتروني، والذي يشتري السلعة من موقع على شبكة الأنترنيت، ولا يتلقى أي معلومات عنها من البائع سوى تلك الموجودة في نموذج الاستعمال المرفق مع السلعة

الشرط الثاني: أن يكون أمر الحفاظ على السلامة الجسدية الأحد المتعاقدين موكولا الأخر، وليس المراد من ذلك أن يكون المتعاقد في حالة خضوع کلی، بحيت يفقد سيطرته تماما على سلامته الجسدية كما هو الحال بالنسبة للمريض الذي يعهد بسلامته أثناء العملية الجراحية الطبيب، بل يراد منه الخضوع الأقتصادي، وهو الأمر الذي يتحقق في العقود الالكترونية، حيث يكون المستهلك خاضعا اقتصاديا للمورد

الشرط الثالث: أن يكون المدين بالالتزام بضمان السلامة مهنيا، وعلة هذا الشرط تكمن في أن الأفراد يقدمون على التعامل مع هذا الشخص أي المورد، دون حذر اعتمادا على ما يتوافر عليه من خبرة و دراية بأصول مهنته و حرفته

مجمل القول، إن الالتزام بضمان سلامة المستهلك من الالتزامات القائمة على عاتق البائع المحترف لصالح المستهلك المتعاقد الكترونيا، ولهذا فالالتزام بضمان السلامة هدفه الأساسي كما أسلفنا هو توفير الأمان للمستهلاك، أي ضمان حصوله على سلعة لا تنطوي على مخاطر يمكن أن تلحق به ضرر.

ثالثا: التحكيم كوسيلة للفض النزاعات المتعلقة بالعقد الالكتروني

التحكيم نظام اختياري للفصل في النزاعات خاصة التجارية منها، تنصرف إليه إرادة المتعاقدين، إما صراحة أو ضمنيا، بحيت يتفق هؤلاء على أنه عند حدوت نزاع بينهم يتم عرضه على أنظار محكمين يتم تعيينهم في العقد

وبالرجوع إلى الفصل 306 من ق. م م فإنه قد عرف التحكيم بأنه ” يراد بالتحكيم حل نزاع من لدن هيئة تحكيمية تتلقى من الاطراف مهمة الفصل في النزاع بناءا على اتفاق التحكيم”

أما اتفاق اللجوء إلى التحكيم، فيتخذ إما تشكل عقد التحكيم متى تم في شكل مستقل، أو شرط تحكيم عندما يتخذ شرطا ضمن العقد

التحكيم الالكتروني لا يختلف عن التحكيم التقليدي، فالتحكيم الالكتروني هو نظام بمقتضاه يتفق الأطراف على تولي شخص خاص أو أكتر مهمة الفصل في النزاع بحكم ملزم باستخدام شبكة الأنترنيت وهو عبارة عن اتفاق الطرفين على تسوية النزاع القائم بينهما أو محتمل قيامه بالاتجاه إلى شبكة الأنترنيت

التحكيم الالكتروني، لا يلزم انتقال الاطراف إلى مكان التحكيم و انما يتم من خلال المحادثات عبر شبكة الأنترنيت، وبالتالي يمكن الوصول إلى حكم سريع في النزاع بسرعة تقديم الأوراق و المستندات المطلوبة من خلال البريد الالكتروني، وتبادل الحديث من خلال شبكة الويب،

وقد قامت بعض المؤسسات بإنشاء محكمة التحكيم الإلكترونية بكندا بجامعة المونتریال والمحكمة الالكترونية التابعة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية و التحكيم الالكتروني، أو التحكيم على الخط الذي لا يختلف عن المفهوم المتعارف عليه بالتحكيم، كإجراء خاصة للحسم منازعات التجارة الدولية، وإن تميز بآلية التي يتم بها هذا الإجراء من بدايته إلى نهايته باستخدام الانترنيت

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!