حماية المؤمن له من الشروط التعسفية

حماية المؤمن له من الشروط التعسفية

حماية المؤمن له من الشروط التعسفية

حماية المؤمن له الطرف الأقل خبرة أو كفاءة في مواجهة الشروط المجحفة، و المؤدية إلى اختلال أو انهيار التوازن العقدي لا يمكن ضبطها بواسطة النصوص التشريعية والقواعد القانونية المكملة التي تتضمنها نظرية العقد فقط

بحيث يعتبر غياب نظرية عامة لمحاربة الشروط التعسفية في إطار القواعد العامة الواردة في قانون الالتزامات والعقود، رغم انتشار هذه الشروط في الواقع العملي مبررا جديا للتعبير عن إشكالية و أزمة نظرية العقد ،مما يستوجب إدخال إصلاحات تشريعية فعالة وملائمة ذات طابع شمولي تراعي حماية الطرف الضعيف في العقد.

ويعتبر عدم منح القاضي سلطة تقدير الطابع التعسفي للشروط النموذجية المعروضة على المستهلكين سواء في مجال التأمين أو في غيره من المجالات القانونية الأخرى ، أكبر عائق يقف في وجه حماية شاملة وفعالة للطرف الضعيف

لكن الاستقلال النسيي لقانون التأمين عن القانون المدني ساهم في بلورة منظومة قانونية حديثة تراعي البعدين الاجتماعي والاقتصادي في العملية التأمينية ، والتي كان من نتائجها تهذيب نظرية سلطان الإرادة مما علق بها من تجاوزات الفرض قواعد قانونية آمرة لمصلحة المؤمن لهم عن طريق الحظر التشريعي لمجموعة من الشروط التعسفية

وإذا كان التدخل التشريعي الأمر بمثابة آلية لمواجهة الشروط المجحفة ، فإن المشرع المغربي واقتداء منه بالنهج الذي سلكته العديد من التشريعات المقارنة، التي أيضا مقارية إدارية وقائية وأخرى علاجية الإشكالية الشروط التعسفية في عقد التأمين

المطلب الأول: الشروط المقيدة لصحة حالات السقوط وانعدام الضمان

 لما كان تحديد حالات السقوط وانعدام الضمان يتعلق بالنطاق القانوني للعقد، فإن تقييد المشرع النطاق العقد أي لمحله يستهدف جعل رضاء المؤمن له أكثر تنورا وتلصرا بمضمونه حتى يتعاقد عن علم وبينة بكافة شروط العملية التعاقدية

ولهذه الغاية استلزم المشرع لصحة هذه الحالات ضرورة وجود شرط خاص بشأنها في عقد التأمين (الفقرة الأولى)، فضلا عن وضوح هذه الاشتراطات (الفقرة الثانية)

وإذا كان الشرط الأخير يتعلق بمشروعية هذه الشروط ، فإننا سنترك الحديث عن شرط المشروعية في إطار نظام بطلان الشروط التعسفية بوجه عام.

الفقرة الأولى : ضرورة وجود شرط خاص في عقد التأمين

يستفاد هذا الشرط من نص المادة 14 من مدونة التأمينات التي تنص على أن “شروط العقد التي تنص على حالات البطلان المنصوص عليها في هذا الكتاب أو على حالات سقوط الحق أو الاستثناءات أو حالات انعدام التأمين لا تكون صحيحة إلا إذا أشير إليها بحروف جد بارزة

والقاعدة العامة أن ضمان المؤمن يتسع ليشمل جميع المخاطر المضمونة ، ما لم يكن هناك استبعاد قاطع و محدد في العقد.

وهكذا نصت المادة 17 من نفس القانون أن المؤمن يتحمل الخسائر والأضرار الناتجة عن الحادث الفجائي أو الناتجة عن خطأ المؤمن له عدا استثناء صريح ومحدد في العقد.

غير أن المؤمن لا يتحمل رغم أي اتفاق مخالف الخسائر والأضرار الناتجة عن خطأ متعمد أو تدليسى للمؤمن له، كما أنه يضمن الخسائر والأضرار التي يتسبب فيها أشخاص يكون المؤمن له مسؤولا عنهم مدنيا

بموجب الفصل 15 من قانون الالتزامات والعقود وذلك كيفما كانت طبيعة وجسامة أخطاء هؤلاء الأشخاص

فجزاء سقوط الحق هو جزاء استثنائي يفرض عن مخالفة التزام قانوني أو اتفاقی لاحق على الكارثة أو مصاحب لها، لذلك يجب التنصيص عليه في صلب العقد حتى ينتج آثاره القانونية

كما أن حالات انعدام التأمين ، والتي تعني أن الكارثة التي تحققت ليست هي التي قصد المؤمن أن يغطيها تستلزم هي الأخرى وجود استثناء صریح و محدد يلغي الضمان بشأن مخاطر معينة ، ما دام أن الأصل هو شمول الضمان لكل مخاطر نوع التأمين المتعاقد عليه

أما حالات البطلان كجزاء عن تخلف ركن من أركان العقد لعيب لحقه أثناء انعقاده أو أثناء سريانه ، فيترتب عليه زوال أو انعدام العقد و عدم ترتيبه الأثاره سواء في الماضي أو في المستقبل.

وإذا كان تطلب شرط خاص لصحة حالات السقوط وانعدام الضمان مسألة منطقية وطبيعية لارتباطها أكتر بإرادة المتعاقد ،فإن ما هو غير منطقی و غیر معقول هو ريط البطلان يوجود شرط خاص في العقد ، لتعلقه بالنظام العام لكون صحته أو يطلانه ، لا يتوقف على شرط خاص في العقد باعتباره جزاءا قانونيا لمخالفة لالتزام قانوني وليس اتفاقي

وهذا ما جعل في اعتقادنا محكمة النقض الفرنسية تعتبر عن حق أن مسألة الإشارة إلى حالات البطلان والسقوط وانعدام الضمان بحروف جد بارزة ، لا يتعلق بتلك الحالات المحددة بقوة القانون ، و إنما فقط تلك الحالات التي تكون موضوع اتفاق خاص بين المتعاقدين

الفقرة الثانية : ضرورة وضوح شروط السقوط وانعدام التأمين

لا يكفي من الناحية القانونية لصحة هذه الشروط وجود شرط خاص بشأنها في عقد التأمين وإنما يلزم كذلك أن يكون هذا الشرط واضحا ومحددا

أولا : الوضوح الموضوعي

إذا كان للمتعاقدين كأصل عام مطلق الحرية في تحديد نطاق الضمان فإن هذه الحرية لا تمتد إلى شكل هذه الاتفاقات ، فالشرط يجب أن يكون قاطعا في الدلالة على نية المؤمن في حرمان المؤمن له من الحق في الضمان، و عليه فكل شرط سقوط أو انعدام الضمان صيغ بعبارات عامة و غير محددة يكتنفه الغموض والإبهام واللبس لا يعتد به

فالغموض يجعل الشرط باطلا غير قابل للتفسير ، لأن الوضوح هنا شرط صحة لا شرط كمال، ومن ذلك الشروط العامة غير المحددة التي تنص على ضمان المؤمن للخطر إذا كان ناتجا عن مخالفة المؤمن له للقوانين والأنظمة ، أو لعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة دون بيان وجه المخالفة

ثانيا : الوضوح الشكلي

فضلا عن وضوح الشرط في دلالته ينبغي كذلك أن يبرز هذا الشرط في الوثيقة على النحو الذي يمكن القول معه لأنه لا يلبت أن يصطدم بنظر القارئ أو يقفز إلى بصره عندما يطلع على الوثيقة لأول نظرة وذلك حماية المؤمن له عن طريق توجيه نظرهم لهذه الشروط العامة التي تؤتر في حقوقهم تأثيرا كبيرا ، وذلك حيادا على قاعدة أن الشخص عليه أن يسعى لحماية نفسه بنفسه، فضلا عن ذلك فإن قرينة العلم الكامل بمضمون العقد بمجرد التوقيع تعتبر واقعيا مجانية للحقيقة لأن المؤمن غالبا ما يسعی إلى كتابة العقد بحروف صغيرة يصعب على الطرف الضعيف في العقد قراءتها ، ناهيك عن فهم مقتضياتها والإلمام بها ، مما يعرض هذا الأخير الجزاءات خطيرة ، دون علم حقيقي بها ، مما يهدد مصالحه الاقتصادية والمالية والقانونية

المطلب التاني : حماية المؤمن له الإدارية من الشروط التعسفية

خول المشرع المغربي للأجهزة الإدارية دورا مهما وفاعلا في الرقابة على الشروط النموذجية التي تعرضها مقاولات التأمين وإعادة التأمين على المكتتبين بغرض مواجهة ظاهرة انتشار الشروط التعسفية في عقود التأمين بمختلف أصنافها

الفقرة الأولى : دور الوزارة المكلفة بالمالية

تعتبر الوزارة المكلفة بالمالية هي الوزارة الوصية على قطاع التأمين بحكم اختصاصها بمنح الاعتماد المقاولات التأمين وإعادة التأمين قبل بدء عملياتها بعد التأكد من استيفائها للشروط القانونية [م. 161 من م.ت.ج] وإجراء المراقبية اللازمة فيما يخص ممارسة نشاطها [المادة 242]۔

وتمارس الرقابة المذكورة من طرف الإدارة لمصلحة المؤمن لهم والمكتتبين والمستفيدين من العقود ، والغرض منها الحرص على احترام مقاولات التأمين وإعادة التأمين الأحكام القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه (المادة 243)

ولا يمكن توسيع نطاق المراقبة لغير غرض التحقق من الوضعية المالية الحقيقية لمقاولة التأمين وإعادة التأمين التي تمت مراقبتها، وكذا احترام هذه المقاولة للالتزامات التي أبرمتها تجاه المؤمن لهم أو المستفيدين من العقود.

ويجب على مقاولات التأمين أن ترسل للإدارة نماذج عقود التأمين التي ستصدرها لأول مرة قبل إصدارها، ويمكن للإدارة أن تفرض علاوة على نماذج عقود التأمين ، إرسال جميع الوثائق ذات الطابع التعاقدي والاشهاري التي تتعلق بعملية التأمين وإعادة التأمين، وإذا تبين أن إحدى الوثائق تخالف الأحكام المنصوص عليها في هذا القانون أو في النصوص المتخذة لتطبيقه يمكن للإدارة أن تلزم المؤمنين بتغييرها أو سحبها.

ويمكن توزيع أو تسليم أو نشر الوثائق في غياب أي ملاحظة من طرف الإدارة داخل أجل تلاتين يوما ابتداء من تاريخ التوصل بها [م. 247] لأن عدم الجواب هنا يعتبر قبولا، وذلك لإلزام الإدارة أو على الأقل تحفيزها لإبداء ملاحظاتها على الوثائق في أقل الأجال لتحقيق فعالية وجدية هذا النظام الوقائي لتخليق وثائق التأمين ، ومحاربة الشروط التعسفية، وكذا الحد من الوثائق الإشهارية المضللة أو الكاذية عن طريق إلغائها أو تغييرها ،حتى تكون منسجمة مع القوانين والنصوص التنظيمية المطبقة حماية المؤمن له

وإذا لم تحترم مقاولات التأمين قرارات الإدارة بشأن إلغاء الشروط التعسفية أو تعديلها يمكن لها بعد أن تسمح لمسيريها بتقديم ملاحظاتهم أن توجه إليهم تحذيرا ويمكنها كذلك وفق نفس الشروط أن توجه للمقاولة أمرا کي تتخذ داخل أجل معين كل إجراء يهدف إلى تصحيح ممارساتها ( المادة 251 )

الفقرة الثالثة : دور جمعيات حماية المستهلك من اجل حماية المؤمن له

يعتبر من الحقوق الدولية الأساسية للمستهلك الحق في تمثيله حين اتخاذ القرارات المتعلقة به والحق في الدفاع عن مصالحه من خلال جمعيات حماية المستهلك المنشأة بوجه قانوني سليم

وتلعب جمعيات حماية المستهلك في فرنسا دورا رياديا وفاعلا في الدفاع عن مصالح جمهور المستهلكين، حيث أصبحت من جماعات الضغط الاجتماعي سواء على المشرع الذي كتيرا ما دفعه إلى تبني سياسة حمائية، كما شكلت أيضا مجموعة ضغط على المهنيين من خلال الأساليب أو الطرق التي سلكتها لحماية المصلحة الجماعية للمستهلكين ، وذلك من خلال الدعاية المضادة ضد المشروعات التي تلحق الضرر بالمستهلكين أو من خلال الامتناع عن الشراء أو مقاطعة بعض المنتوجات أو الخدمات وأخيرا من خلال الامتناع عن دفع أمن المنتوج أو الخدمة

وترجع أهمية تمثيل الجمعيات المعترف بها للمستهلكين أمام القضاء للدور الذي تلعبه هذه الأخيرة في حفظ حقوق المستهلكين الذين يفتقدون في الغالب للخبرة والتجربة والذي كثيرا ما يترددون في رفع الدعاوى في مواجهة المهنيين إما اقتناعا منهم بأن الشروط الواردة في العقد هي تنظيمية بمثابة قانون لا يمكن الطعن فيها أو لعدم جدوى اللجوء إلى القضاء

إما لتفاهة محل العقد أو لضخامة المصاريف القضائية ومصاريف الدفاع أو البطء إجراءات التقاضی كما تلعب هذه الأخيرة دورا مهما في إعلام المستهلكين بحقوقهم وتربيتهم وتوجيههم في ميدان الاستهلاك عن طريق النشرات التي تصدرها، كما يمكنها أن تشارك في إعداد وتطبيق السياسة الوطنية للاستهلاك، وتأطير الحوار بين أطراف العملية الاستهلاكية وممثلي السلطات العامة ، و أيضا إبداء الأقتراحات والأراء بخصوص مشاريع ومقترحات القوانين وكذا كل التدابير المتعلقة بضمان وتحسين حماية المستهلكين

ولقد اعتبر بعض الفقه عن حق أن العلاج الناجع لعقود الإذعان هو تقوية الجانب الضعيف حتى لا يستغله الجانب القوي، ويكون ذلك بإحدى وسيلتين أو بهما معا: الأول وسيلة اقتصادية فيجتمع المستهلكون ويتعاونون على مقاومة التعسف من جانب المحتكر، والثانية وسيلة تشريعية فيتدخل المشرع لتنظيم عقود الإذعان

وتعتبر بمثابة جمعية لحماية المستهلك كل جمعية لها استقلال عن نشاط مهني أو سياسي أو نقابي يكون هدفها ضمان أو تسهيل حماية المنخرطين والدفاع عنهم ودعم إخبار المستهلك وتربيته وتوجيهه وتمثيله وكذا احترام حقوقه

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!