مقالات

حرية العقيدة في التشريع الإسلامي

حرية العقيدة في التشريع الإسلامي

ترتبط حرية اعتناق وتغيير الدين أو المعتقد بحرّية مشاركة ونشر تلك المعتقدات مع الآخرين إلا أن هذا الحق والذي يتخلله مدى واسع من أنشطة عديدة يشملها تضمينًا الحق في الإجهار بالمعتقد يظل من أكثر حقوق الإنسان عرضة للجدل والخلاف.  وفي حين يدعو الإعلان إلى حماية حرية الاعتقاد الخاصة في المطلق ودون أدنى تحفظ، يظل حق الناس في الإفصاح وتبيان المظاهر “الخارجية” لمعتقداتهم خاضعًا للقيود.  فيسمح للحكومات بفرض القيود على هذا الحق لأسباب شتى تحت مسميات “الفضيلة”، “الحفاظ على النظام العام.  وإن كانت تلك الحدود تقع تحت دائرة اختصاص الدول إلا أنها كثيرا ما أسيء استخدامها لقمع الأقليات

المطلب الأول : حرية العقيدة في التشريع الإسلامي

من المبادئ المقررة ثبوت كافة الحقوق بمقتضى الأحكام الشرعية و الحكم الشرعي في المفهوم الاصطلاحي للأصوليين هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين طلبا او تخييرا أو وضعا وهو بهدا المعنى كالقاعدة القانونية, و قد اتجهت الشريعة الإسلامية في أحكامها إلى نواح تلات:

تهذيب الفرد ليكون مصدر خير لجماعته ولا يكون منه شر لأحد الناس, إقامة العدل داخل الجماعة الإسلامية وفيما بينها و بين غيرها من الجماعات البشرية و أخيرا تحقيق المصلحة الإسلامية و تلك غاية محققة ثابتة في مختلف الأحكام الشرعية فما من أمر شرعه الإسلام جاء في الكتاب و السنة إلا و كانت فيه مصلحة حقيقية عامة, وهي ترجع إلى الحفاظ على أمور خمسة الدين و النفس و المال و العقل و النسل ودلك لأن الدنيا التي يحيا الإنسان داخل غطائها تقوم على هده الأمور الخمسة و في مقدمتها الدين و من هنا تتعلق حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية , فالدين لابد منه للإنسان ,الدي تسمو معانيه الإنسانية عن التشبه بالمخلوقات الأخرى لأن التدين خاصة من خواصه ولا بد أن يحفظ له دينه من اي إعتداء, ولدا فقد عنيت الشريعة الإسلامية بحرية الدين أو العقيدة و المقصود من حرية العقيدة أن يكون لكل إنسان حق اختيار ما يتوصل إليه من خلال اجتهاده في الدين فلا يكون لغيره إن يكرهه على دين او معتقد معين أو على تغيير أو تبديل ما يعتقد أو يدين به بأية وسيلة من وسائل الإكراه وبمعنى آخر تعني حرية العقيدة, حرية الإنسان في اختيار العقيدة التي يؤمن بها من غير ضاغط خارجي.

لقد احترم الإسلام حرية التدين و الاعتقاد احتراما كاملا حيت منع الإكراه في الدين و كفل الأمن و الطمأنينة لأصحاب أو إتباع الديانات الأخرى

ويؤكد هدا الاحترام قوله تعالى في كتابه العزيز “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” (سورة البقرة آية 256) بما يوضح أن الاعتقاد لا يأتي بطريق الضغط أو الجبر و إنما بطريق إعمال العقل الحر المختار تم يبين سبحانه و تعالى أنه لم يشأ قهر الناس على الإيمان به و استنكار الإكراه أو القهر في كتابه الحكيم “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” (يونس : 99) و قوله “و قل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر” (الكهف : 29) وقوله : “فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر” (الغاشية : 21-22 )

توضح الأدلة السابقة جميعها حرص الشارع الحكيم على حرية العقيدة و إيصائه لرسوله الأمين بأن لا يتجاوز في الحق دائرة البيان و التبليغ و التذكير و لا يتعداها إلى القهر و السيطرة وإن لجوء الرسول عليه الصلاة و السلام للقتال لم يكن إلا اضطرارا و بعد إذن ربه للدفاع عن الدين الإسلامي .

أما بالنسبة للردة والارتداد هو الرجوع في الطريق الذي جاء منه, غير أن الردة تختص بالكفر بينما يستعمل الارتداد فيه و في غيره, قال الله تعالى في محكم آيته “إن الدين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم و أملى لهم ” (محمد : 25) وقال تعالى “ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة ” (البقرة : 217).

قد يقال أن الإسلام يعاقب المرتد عن الإسلام استنادا إلى السنة النبوية وهو ما لا يتفق مع الحق في حرية العقيدة و عدم إجبار الشخص على الاستمرار في الاعتقاد بما لم يعد مؤمنا به , نعم لقد نقل عن الرسول الله صلى الله عليه و سلم أنه أمر بقتل المرتد عن الإسلام ادا لم يرجع فقد روى الجماعة إلا مسلما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (من بدل دينه فاقتلوه) . والراجح أن النبي عليه الصلاة و السلام قد أمر بقتل المرتد بغية ردع و تخويف أولئك الدين كانوا يفتنون الناس في دينهم و يدبرون المكايد الإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه لأن مثل هده الفتن و المكايد و إن لم تؤتر في الأقوياء الدين آمنوا فإنها قد تخدع ضعاف النفوس.

كما أن الوثيقة الدولية لحقوق الإنسان و إن اعترفت لكل إنسان بالحق في حرية الدين و الاعتقاد و حرية ممارسة الشعائر الدينية و تلقى التعاليم الدينية فإنها قد أعطت لكل دولة الحق في فرض ما تراه من أنظمة و قيود على هده الحرية بغية حماية السلامة العامة و النظام العام و الآداب العامة و الصحة العامة و حقوق الآخرين و حرياتهم الأساسية بما يعني أن حرية الدين و الاعتقاد وما يتب طبهما ليست من الحريات المطلقة من أي قيد و هدا ما أخدت به مختلف الوثائق الإقليمية لحقوق الإنسان.

المطلب الثاني : حرية المعتقد بالمغرب من الناحية الدستورية

نص الفصل السادس من الدستور المغربي على أن الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية، هذا الفصل يطرح جملة من التساؤلات والإشكاليات تؤدي بالنتيجة إلى بلورة جملة من التفسيرات والتأويلات المتباينة إلى حد التعارض أحيانا. 
وهذا ما يدفعنا ابتداء, إلى التساؤل حول معنى الاعتراف بالإسلام كدين للدولة؟ وهل المقصود أن الإسلام هو الدين الوحيد المسموح به؟ وإذا كان الأمر غير ذلك، فما هو مضمون حرية ممارسة الشعائر الدينية كما هو معترف به دستوريا وما هي حدود هذه الحرية؟ ثم ألا يعتبر التنصيص على أن الإسلام دين الدولة بمثابة عرقلة أمام الحريات الدينية، على اعتبار أن فرض دين رسمي للدولة قد يؤدي من جهة إلى الحد من الحرية الدينية للأفراد، ومن جهة أخرى إلى تكريس عدم المساواة بين الأديان الموجودة؟.

لأول وهلة يبدو أن التنصيص على أن الإسلام دين الدولة، هو بمثابة تحصيل حاصل، بالنظر إلى أن شعب هذه الدولة، هو شعب مسلم دينه الإسلام، فما الجدوى إذن من هذا التنصيص؟ وهل عبثا نص المشرع على مثل هكذا نص؟

تجدر الإشارة في البداية إلى أن العديد من دساتير الدول العربية تنص على أن الإسلام دين الدولة، بل يكاد يكون هذا النص الأكثر حضورا في مختلف الدساتير العربية والإسلامية، والمغرب باعتباره بلدا إسلاميا لا يشكل استثناء عن باقي الدول العربية والإسلامية في هذا الصدد، حيث أصبح الإسلام دين الدولة الرسمي منذ القانون الأساسي للمملكة. ثم بمقتضى باقي الدساتير المغربية المتعاقبة.

ومن ثم فإن الحرص على دسترة الإسلام كدين للدولة كان يهدف إلى تحقيق هدفين على الأقل من جهة إثبات أن الدولة المغربية ليست علمانية، ومن جهة أخرى، التأكيد على أن الدين المرجعي للدولة هو الإسلام، وليس هو الدين الوحيد المسموح به، فإذا كانت الدولة تعترف بالإسلام كدين رسمي لها، فان الإسلام يعترف بباقي الأديان السماوية ولا ينكرها، لذلك يمكن القول أن الفصل السادس من الدستور لا يقوم إلا بتجسيد واقع تاريخي بالنسبة للدولة المغربية، والمتمثل أساسا في الدور الديني لهذه الأخيرة، على اعتبار أن رئيس الدولة الذي يعتبر أيضا زعيما دينيا من مهامه الحرص على حماية الإسلام، ولذلك تم التنصيص على أن الإسلام هو دين الدولة.

غير أن هذا النص الدستوري يثير تساؤلا آخر يتمحور حول السبب في عدم اكتفاء القاعدة الدستورية في هذا النص بعبارة الإسلام دين الدولة دون إضافة أن الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية؟

إن السبب في إضافة هذه العبارة يعود برأينا إلى وجود أقليات دينية فوق التراب المغربي، وهو ما دفع المشرع إلى ضمان حرياتها الدينية من خلال النص الدستوري، من أجل إرساء دعائم الاستقرار الديني والعقائدي للنظام المغربي، وذلك من خلال تحميل الدولة مسؤولية ضمان ممارسة الشؤون الدينية الفردية للمواطنين, والحرية الدينية المعترف بها من خلال هذا النص تكريس لتقليد عريق لا ينفصل عن روح الإسلام ذاته،كما أن احترام باقي الأديان فوق التراب المغربي لم يكن أبدا محل تساؤل حتى في أحلك الفترات التاريخية، لذلك يمكن القول أن دسترة عبارة: “..والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”، تجد تفسيرها في ذلك الالتزام التاريخي لأمير المؤمنين بضمان الحماية لأهل الكتاب.. وبالنظر إلى أن الملك أمير المؤمنين هو “حامي حمى الدين” فإن وظيفته على هذا المستوى تتحدد في حماية “عقائد” مواطني الدولة سواء كانوا مسلمين أو يهود أو مسيحيين.

لكن ألا يشكل هذا التنصيص الدستوري على أن الإسلام هو دين الدولة، عقبة في طريق الحياد اللازم لضمان حرية الأديان الأخرى؟

يبدو أن هذا المشكل غير مطروح لسببين على الأقل:

 -من جهة، لأن الدولة في المغرب تعبير عن الأمة المسلمة، وأساس وجودها هو السماح للمؤمنين بممارسة شعائرهم بكل طمأنينة، وذلك من خلال ضمان حرية العبادة لباقي الأديان، فإن حياد الدولة الديني غالبا ما يسفر عن مواقف قد تبدو معادية للدين، لكن النظام المغربي، يبدو أنه قد عرف كيف يضمن حرية الأديان والمعتقدات الأخرى من خلال النص الدستوري، كما أنه لم يتردد في زجر كل سلوك ينحو نحو التشويش على المواطنين غير المسلمين وإقلاق راحتهم من خلال مجموعة من فصول القانون الجنائي.

لذلك رغم التنصيص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، فان هذا لا يؤثر على حق باقي الأديان في ممارسة شعائرها بكل حرية، شريطة أن تكون هذه الممارسة داخل المؤسسات الدينية ودون إخلال بمقتضيات الحفاظ على النظام العام.

وفي المقابل ثمة تأويل آخر واسع وغير خاضع لأية قيود، يتم إضفاؤه على الفصل السادس من الدستور، مؤداه أن الأمر يتعلق بكافة الأديان والمعتقدات، السماوية وغير السماوية، خصوصا وأن النص يتحدث عن ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية لكل واحد دون حصر أو تحديد؟
من خلال منطوق الفصل السادس من الدستور، يمكن القول أن مسألة الحرية في المجال الديني غير مطروحة قانونيا، وبالاستناد إلى النص التشريعي فهي مكفولة دستوريا. لاسيما وأن الفصل السادس من الدستور لا يحدد المعتقدات المقصودة، وهو ما يسمح بالافتراض أن الدولة تضمن حرية ممارسة كافة المعتقدات، لكن إلى أي حد يعتبر هذا الافتراض صحيحا؟

إن حرية العبادة تدخل في إطار حرية المعتقد، غير أن هذه الحرية لا يمكن أن تفهم بشكل مطلق في إطار دولة تعتبر الإسلام دينها الرسمي. أي أن مسألة ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية ليس معناه أن الدستور يضمن حرية العبادة بمفهومها العام والشامل كما يبدو لأول وهلة، بل إن الأمر يتعلق فقط “بأهل الكتاب”، أي اليهود والمسيحيين هم المشمولون فقط بهذه الحماية الدستورية في ممارسة شؤونهم الدينية، أي أن اعتبار الإسلام دين الدولة، يعني أن هذه الأخيرة تضمن فقط حرية ممارسة العقائد التي يعترف بها الدين الإسلامي. أما ما سواها من المعتقدات الدينية والمذهبية، فغير معترف بها وغير مسموح بها أيضا.

انطلاقا من هذه القراءة الأولية لمنطوق الفصل السادس من الدستور المغربي، ووفق التحليل المشار إليه أعلاه، يجوز القول- من باب إبداء الرأي في التفسير والتأويل- أن حرية المعتقد في أوسع معانيها وأبعد حدودها كما هو منصوص عليها دستوريا، يجب أن تظل في إطار احترام كون الإسلام دين الدولة

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

تحميل المقال:







Leave a Comment

error: Content is protected !!