حجية الكتابة في الإثبات

حجية الكتابة في الإثبات

حجية الكتابة في الإثبات

تختلف حجية الكتابة عند فقهاء الشريعة عن حجيتها في القانون الوضعي المغربي وهو ما سنتناوله فيما يلي:

1 – حجية الكتابة عند فقهاء الشريعة

الكتابة عند فقهاء الشريعة الإسلامية لا بد أن تقترن بها الشهادة ، فالحق عندهم يثبت بهذه الشهادة الموثقة ، أو

المدلى بها في صورة الكتابة ؛ وعليه فإن الفقهاء وإن نصوا على أهمية الكتابة – كما مر معنا- ، لم يصلوا إلى مرتبة أن

يجعلوا الكتابة شرطا في بعض القضايا لا يجوز إثباتها إلا بها- حتى من اعتبرها منهم فرضا واجبا- ، كما يرى ذلك رجال القانون الوضعي.

وقد كان إعطاء الأسبقية للشهادة على الكتابة عند فقهاء الشريعة يرجع إلى أسباب “منها أن الشهادة هي المقصودة بالكتابة ، لسهولتها ووقوعها من كل الناس عكس الكتابة ، ومنها التخوف من الضرب والتزوير في الكتابة”

وتأسيسا على ما يراه فقهاء الشريعة من أهمية الكتابة إلى درجة أن منهم من ذهب للقول بوجوبها ، وعلى ما يرونه أيضا من وجوب اقتران الكتابة بالشهادة ، نرى أن الكتابة التي استندت إلى الشهادة أرجح -في نظرنا- في الحجية والإثبات من الشهادة المجردة عن الكتابة ، ومن الكتابة المجردة عن الشهادة ولو كانت كتابة رسمية.

غير أن فقهاء الشريعة اختلفوا – مع ذلك- في مسألة الكتابة من وجهين ؛ يرجع الوجه الأول إلى اختلافهم في

مسألة الكاتب هل ينبغي أن يكون هو نفسه الشاهد؟ أم أن الكاتب مستقل عن الشاهد؟ وهذا الاختلاف هو الذي

أدى إلى ظهور نظامين مختلفين للتوثيق ، نظام الكاتب مع الشاهدين في المشرق ، ونظام العدلين الكاتبين الشاهدين معا في آن واحد في المغرب.

ويرجع الوجه الثاني من اختلاف الفقهاء حول الكتابة إلى ما يعرف بالكتابة المجردة عن الشهادة ابتداء ، أي إلى ما يعرف اليوم بالوثائق العرفية ، وهي تلك الوثائق التي يضمنها أصحابها إقرارات بدون أن يشهدوا عليها أحدا ، فهل ينبغي الحكم عليهم بموجب ما كتبوه إن هم أنكروه ونفوا نسبة ما ضمن به من إقرار بالحقوق إليهم؟

لقد تطرق العلماء إلى هذه المسألة فيما يعرف بالشهادة على خط المقر ، وفي ذلك “ذهب الحنفية والشافعية إلى عدم حجية الشهادة على الخط ، وعللوا ذلك بأن الخطوط قابلة للمشابهة والمحاكاة ، ومع قيام هذا الاحتمال لا يجوز الاحتجاج بالشهادة على الخط لجواز التزوير والتشابه بين خطوط أخرى أما المالكية فالمستفاد من أقوالهم في مسألة الوثيقة التي كتبت بداية بدون إشهاد عليها أن الشهادة على خط المقر جائزة ولا اختلاف في ذلك

2- حجية الكتابة في التقنين الوضعي المغربي

إن نظام الإثبات في قانون الالتزامات والعقود يقوم على اعتبار الكتابة وسيلة إثبات ذات قوة مطلقة تصلح لإثبات جميع الوقائع والتصرفات القانونية أيا كانت قيمة الحق المراد إثباته ، خلافا للشهادة التي تعتبر طريقة ذات قوة محدودة لا تصلح لإثبات التصرفات القانونية إذا زادت قيمتها  (على عشرة آلاف درهم) إلا في حالات استثنائية معينة ، في حين يقوم نظام الإثبات في الفقه الإسلامي على اعتبار شهادة الشهود أهم وسيلة للإثبات

وبالرجوع إل مقتضيات الفصل 417 من ق.ل.ع فإن الأوراق التي تصلح أن تكون دليلا كتابيا تنقسم إلى أوراق رسمية وأوراق عرفية.

والملاحظ أن التقنين المغربي يسير نحو فرض الرسمية في كل التصرفات العقارية ، مع إعطاء حيز لكتابة الأوراق العرفية من طرف بعض المهنيين ، وهم حاليا ينحصرون في المحامين المقبولين لدى المجلس الأعلى ، في انتظار أن يصدر قانون يحدد باقي فئات المهنيين المقبولين لتوثيق العقود والإقرارات العرفية

ونظرا لأن الوثائق العدلية تدخل في باب الوثائق الرسمية ، فإننا سنؤجل الحديث عن الورقة الرسمية إلى المحل الذي خصصناه لها من هذا البحث. ولذلك فإننا سنتحدث هنا عن الوثائق العرفية باعتبارها الصورة البارزة للكتابة المجردة عن الإشهاد ابتداء وانتهاء، والتي لا يرى رجال القانون مانعا من كونها تثبت جميع الحقوق إلا ما قرر فيه المشرع الرسمية ،

وهي – شأنها شأن الورقة الرسمية- تأتي في المرتبة الثانية بعد الإقرار من حيث ترتيب وسائل الإثبات.

ولما كانت الورقة العرفية تثير عدة مشاكل من حيث كتابتها من غير المختصين ، فقد بدأ المشرع يتجه إلى إسناد كتابتها في مجال التصرفات العقارية خاصة إلى مهنيين مختصين ، يسمون بوكلاء الأعمال.

ولقد رأينا عكس هذا الاتجاه عند فقهاء المالكية الذين لا يثبت عندهم الإقرار بالكتابة المجردة إلا أن يشهد عليها الشهود ، أي على نسبة الخط لصاحبه.

والذي نراه في مسألة الوثائق العرفية العادية أنه ينبغي أن لا تنجز ا العقود أو الإقرارات التبرعية لأنها تتطلب الإشهاد، وكذلك لا ينبغي أن تنجز ا العقود والإقرارات المتعلقة بالأحوال الشخصية. أما فيما سوى ذلك فيمكن كتابة سائر الاتفاقات والإقرارت ولو في العقارات إذا ما ضبطت الأمور بالحلول التي سنقدمها في مجال الوثائق العرفية التي يتوقع أن تسند كتابتها إلى المهنيين المعروفين بوكلاء الأعمال.

وقبل إيراد هذه الحل ول ، نرى الحديث أولا عن الإشكال المتعلق بفئة المهنيين الذين يحق لهم كتابة الوثائق العرفية في التصرفات العقارية إلى جانب العدول والموثقين والمحامين المقبولين لدى محكمة النقض ، الذين لهم الاختصاص الحصري في كتابة هذه التصرفات بموجب المادة الرابعة من م.ح.ع.

فقد جاء في آخر هذه المادة ما يفيد أن هذا الاختصاص الحصري لهذه الفئات الثلاث يظل كذلك ما لم ينص قانون خاص بخلافه.

ووجه الإشكال أن هذا القانون المخالف متوقع الصدور إذا ما تمت الموافقة والمصادقة على مشروع قانون يتعلق بتنظيم مهنة وكلاء الأعمال محرري العقود الثابثة التاريخ

والملاحظ من خلال قراءة مسودة المشروع المذكور أن وزارة العدل – منجزة المشروع – فرضت شروطا على من يريد التقييد في جدول وكلاء الأعمال ، أهمها أن يكون المرشح قد مارس بصفة اعتيادية مهنة وكيل أعمال مكلف بتحرير العقود وفقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل الأول من ظهير 12 يناير 1945 المتعلق بمهنة وكيل الأعمال ، كما أن المشروع جعل من مهنة الكاتب العمومي مهنة ظرفية مصيرها الزوال، بحيث أنه لم يتحدث عن شروط ولوج المهنة في المستقبل .

ولا يزال المشروع لحد الآن قيد البحث والدراسة والمناقشة ، بسبب ما أثاره من استياء كبير واحتجاجات متواصلة  من طرف فئات العدول والموثقين والمحامين المقبولين لدى محكمة النقض ، ويطالب هؤلاء بأن يبقى تحرير العقود المنصبة على الحقوق العينية حكرا عليهم وحدهم ، وأن لا يكون لما يسمى بمهن وكلاء الأعمال نصيب في تحرير هذه العقود. بينما تتمسك الوزارة بأن المادة 4 من م.ح.ع مقيدة بما إذا لم يصدر قانون يضيف فئات أخرى على الفئات الثلاثة المذكورة ، ويعتبر الكتاب العموميون وكل الفئات التي تعد نفسها ضمن وكلاء الأعمال بأن تنظيمهم المهني يرجع إلى سنة 1945

وكيفما كانت الحالة والمضمون اللذين سيصدر وفقهما قانون وكلاء الأعمال – إن صدر- فإننا نرى بخصوص هذه المعضلة، أنه لا ينبغي إلغاء مهنة الكاتب العمومي ولا وكلاء الأعمال ، سواء على المدى القريب أو البعيد؛ بل نحن مع أن تستقطب المهن الحرة مزيدا من المعطلين شريطة ضبط الحدود بين العاملين في كل قطاع.

المراجع :

محمد الكويط : موقع التصرفات العقارية في الوثائق العدلية

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

تحميل المقال:









اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!