الدفع بحجية الأمر المقضي أو الدفع بسبقية الحكم في الموضوع

حجية الأمر المقضي وقوة الأمر المقضي

الدفع بحجية الأمر المقضي أو الدفع بسبقية الحكم في الموضوع

حجية الأمر المقضي تكتسي أهمية بالغة وموضوعا ما فتئ يستأثر باهتمام الباحثين في المجالين الحقوقي والقانوني، وهي فكرة عرفت في وقت مبكر، ففي القانون الروماني نشأت في أولى مراحله نشأة دينية وثنية دالة على عدم إغضاب الألهة/الأصنام/القضاة إلى أن تخلصت من صبغتها الدينية وعرفت تطورا ملحوظا، لكنها بقيت عبر العصور وحتى الآن “مشكال” القانون، على اعتبار أن “الحجية” من القواعد الإجرائية التي تثير خلافا واسعا لم ينحصر في تطبيقاتها وإنما امتد إلى تأصيلها وأساسياتها النظرية فضلا عن اكتسائها بغموض مفاهيمي، بحيث أن أي كاتب فيها، ينشئ نسقا تفسيريا خاصا به، مما يثير صعوبة في متناولها. إلا أنه بإمكاننا استخلاص خط عام وواضح ومجمع عليه مفاده : أن الطلب القضائي المقضي في موضوعه، لا يجوز رفعه أو الفصل “ذاته” مجددا.

فلو تصورنا منظومة قانونية تبيح لأحد طرفي طلب قضائي سبق الفصل في موضوعه، إمكانية العودة إلى رفع نفس الطلب عودا مکررا ومتسلسلا إلى غاية أن يصادق مضمون حكم يصدر لصالحها فيقوم خصمه بالمحاولة ذاتها… وهكذا أكيد أنه سيلازم ذلك تسلسلا لا متناهي للمنازعات وغزارة في الأحكام القضائية مع تعذر تنفيذها وبالتالي شل النشاط القضائي عن تحقيق غايته وعرقلة تطبيق القانون يتم بإجراء بسيط يقوم به أي شخص و هو رفع طلب قضائي ولو كان مجردا عن أي إثبات.

وقد لحق فكرة حجية الأمر المقضي تاريخيا، تطورا هاما وازاه اختلافا واسعا في تحديد واضح لمفهومها وتطور في طرق الطعن في الأحكام القضائية وكذا في تصنيف هذه الأخيرة، مما ترتب عنه خلط في المصطلح مع باقي المفاهيم المشابهة لها، الأمر الذي دفعنا إلى إيراد معنی واضح ودقيق للفكرة مع إبراز أهم الأدوار المنوطة بها (مطلب أول) على أن نتطرق لمسألة حجية الأمر المقضي وعدم قابليتها للطعن (مطلب ثاني).

المطلب الأول : تحديد مفهوم حجية الأمر المقضي

إن وضع تعريف شامل لجميع المراد من حجية الأمر المقضي، يبقى مسألة ليست بالهين وأمرا تمردا عن إجماع الآراء بشأنها، اعتبارا لكون أن المعرفين يسيطر على أذهانهم إبراز أساس الفكرة أو طبيعتها بدلا عن إيضاح الدور الذي تترجمه في الحياة العملية والذي ما وجدت إلا لأدائه

وتأسيسا على ما سبق، يمكن أن نسوق عينة من التعريفات وفقا للتصنيف الآتي :

أولا : تعريف حجية الأمر المقضي انطلاقا من طبيعتها

 باستقرائنا لنصوص القانون المدني الفرنسي (الفصل 30/1350 ) يتبن أنه اكتفى بإيراد تحت باب القرائن القانونية :”الحجية” التي يسندها القانون إلى الأمر المقضي, من غير ذكره تعريفا لهذه الحجية وترك أمر ذلك لبعض الفقه الذي يصاغ تعريفا مبناه : ” أننا نطلق حجية الأمر المقضي على قرينة قاطعة دالة على الحقيقة، بموجبها تكون الوقائع المتحققة والحقوق المؤكدة، بمنأى عن أية منازعة مجددة، سواء أمام المحكمة التي أصدرت الحكم أو أمام قضاء آخرا

يبدو أن هذا التعريف يرتكن إلى تأسيس فني مفاده أن المشرع يفرض أو يفترض بما لا يقبل العكس أن الحكم القضائي بالضمانات المحيطة بإصداره يعبر على الحقيقة التي لا تقبل الجدل، بل هو الحقيقة الواقعية ذاتها، وهكذا تكون “الحجية” قرينة قاطعة على أن الأمر المقضي (الحقيقة القضائية) هو ذات واقع ونفس الأمر (الحقيقة الواقعية)، وبما أن القرينة وسيلة إثبات، فإن الحجية، وفق هذا التصور لا يسعها إلا أن تأخذ منها هذه الطبيعة.

وبذلك يكون الفقه الفرنسي الكلاسيكي حاول إقامة تفرقة بين القرينة القانونية القاطعة المرتبطة بالنظام العام ومنها حجية الأمر المقضي التي لا تقبل أي دليل يخالفها وبين القرينة التي تتعلق بالمصالح الخاصة للأفراد والتي تقبل ذلك. كما عرف المشرع اللبناني في مادته 444 من أصول المرافعات المدنية اللبنانية فكرة حجية الأمر المقضي بما يلي : ” الحيلولة دون تجديد المناقشة في الفقرة الحكمية من القرار القضائي…” وكثير من الفقه يعرف “الحجية” ببساطة ووضوح بارزين بأنها : ” استحالة أو منع معاودة بحث المسألة التي بث فيها القضاء” وأن الأمر المدعى لا يكون مقضيا إلا مرة واحدة”. هكذا إذن، يتضح لنا الخط العام الجامع للفكرة، ويبقى أن نلتمس كيف يرتسم عمليا.

ثانيا : تحديد حجية الأمر المقضي انطلاقا من وظيفتها

إن النقطة التي يصل إليها الجميع وإن لم ينطلق منها، أن حجية الأمر المقضي ليست فكرة تراد لذاتها وإنما باعتبارها ذات مبتغي يتمثل في كونها وظيفة ووسيلة إجرائية أصدرت لتحقيق غاية محددة وهي : تفادي مفسدة تنال من هيبة القضاء و عدم إمكانية قبول التجديد اللامتناهي للمنازعات وتسلسلها وما يترتب على ذلك من تناقض في الأحكام القضائية.

هذه الفلسفة البسيطة والسند الوظيفي تقتضي ضبط الروابط الاجتماعية وخاصة المتنازع فيها والحيلولة دون بحث طلب قضائي مجدد بعد الفصل في موضوعه

إذن، فقاعدة “الحجية” لا تستمد وجودها من برهنة منطقية وإنما من ضرورتها العملية المتمثلة في الاستجابة للدواعي الاجتماعية الآمرة وفي إعطائها للحكم قيمته الكاملة حتى يساهم في أمن واستقرار المعاملات داخل المجتمع، وهي الغاية التي تبرر حجية الأمر المقضي والوظيفة التي تنهض بها عبر الاعتراف لها بأدوار عملية تروم امتناع قبول طلب قضائي بعد الفصل في نظير له (الدور المانع) والتسليم بنتيجة هذا الفصل في أي تطلب آخر يقوم بين نفس الأطراف (الدور المقيد) ولو كان الحكم الفاصل معيبا (الدور التحصيني).

وتجدر الإشارة إلى أن تحديد مجال تطبيق “الحجية” في جميع صورها والمتعلقة بحكم قضائي كوعاء للأمر المقضي يتطلب قيام حكم ينبغي أن يكون :

– ذا طبيعة قضائية بحتة يتولى تقرير وجود أو عدم وجود حق أو مركز قانوني أو بفض المنازعة بشأنه

– قطعيا يكشف عن جزم المحكمة بإبداء رأي محدد في شأن موضوع الطلب القضائي أو إجراءات الخصومة

– موضوعيا يجيب بتأييد محتوى الإدعاء أو برفضه كليا أو جزئيا وذلك استبعادا للأحكام الوسيلية الصادرة قبل الفصل في الموضوع ولو كانت منهية للخصومة. كما أنه ينبغي للتمسك بالأدوار الثلاث للفكرة يجب أن يكون بين الطلب المرفوع مجددا والطلب المقضي فيه اتحاد في عناصرهما الثلاث (اتحاد الموضوع، اتحاد السبب، واتحاد الأطراف) بحيث أنه بتوفر هذا الاتحاد الثلاثي يتم وضع عائق إجرائي يصطلح عليه بالدفع بالأمر المقضي ويسميه القضاء المغربي أحيانا “الدفع بسبقية الحكم في الموضوع” يحول دون فحص القاضي للطلب القضائي ومن ثم دون التصدي لموضوعه والحكم فيه مجددا، وهو ما يعني معه أن الخصم لا يمكنه أن يعيد مسألة صحة الإجراءات التي صدر وفقها الحكم السابق الصدور، لأنها قرينة على الصحة

 بقي أن نشير أيضا، إلى أن الجامع المشترك للحجية في أدوارها هو أنها نسبية فلا يضار أو يستفيد من الأمر المقضى إلا أطرافه، كما أن المحكوم له أو عليه سواء.

المطلب الثاني : حجية الأمر المقضي وعدم القابلية للطعن

إن الحكم القضائي يصدر عن قاض غير معصوم من الخطأ والسهو وبين خصوم قد يعجزون عن إثبات ادعاءاتهم. ولإشباع غزيرة العدالة في أنفس هؤلاء، أتاح لهم القانون وسيلة اختيارية للحصول على فحص جديد لقضيتهم أي طرق الطعن في الحكم، وحتى تقف المنازعات عند نهاية حتمية تم حد هذه الطرق بحصر زمني ونوعي، بحيث تتدرج مع استنادها حصانة الحكم من الطعن.

وفي هذا الصدد، میز الفقه المقارن بين طرق الطعن العادية التي إذا تحصن معها الحكم وصف بأنه حائز لقوة الشيء المقضي به وطرق الطعن غير العادية التي إذا تحصن معها الحكم وصف بأنه بات، هاتان الدرجتان ينبغي ألا تختلطا بفكرة الحجية وألا تعدا شرطا لاكتمالها.

فقد ساد عند بعض الفقه والتشريع والقضاء بعض خلط فيما بين حجية الأمر المقضي وقوة الأمر المقضي وفيما بين الحجية والبتية

أولا : عرض الخلط بين حجية الأمر المقضي وقوة الأمر المقضي

 1- يقول بعض الفقه : حينما يسلك طريق طعن عادي، فإن حجية الأمر المقضي تكون معلقة أو أنها تكون قائمة لكنها تتوقف على شرط واقف هو تأييد الحكم المطعون فيه أو إنها لا توجد أصلا طالما كان الحكم قابلا للطعن فيه بطرق الطعن العادية

2 – بعض التشريعات العربية لا تميز على مستوى الإصلاح بين الحجية و”القوة” (النص العربي للفصل 451 ق.ل.ع، الفصل 338 قانون مدني جزائري) والمشرع المصري تجاوز ذلك إلى المفهوم، حيث اشترطت م 405 الملغاة من القانون المدني المصري، لكي يجوز الحكم حجية الأمر المقضي أن يكون حائزا لقوة الأمر المقضي

3 – أما القضاء، فنستطيع أن نرصد شيوع استخدام المجلس الأعلى المغربي مثلا الاصطلاح قوة الأمر المقضي أو حجية الأمر المقضي كمترادفين للدلالة على “الحجية” وهو ما يلاحظ حتى داخل صياغة القرار الواحد.

ثانيا : عرض الخلط بين حجية الأمر المقضي والبتية

قد ساد عند بعض الفقه الذي يرى بأن حجية الأمر المقضي لا تكتسب كامل فاعليتها بشكل فوري وفي حيز زمني واحد، بل تتدرج ولا تكتمل إلا ابتداء من اللحظة التي يتحصن فيها الحكم من أي طريق طعن عادي كان أم غير عادي. وخلال ممارسة هذه الطعون تمر “الحجية” بمرحلة انتقالية تكون خلالها مؤقتة أو معلقة ولا تستقر إلا بصيرورة الحكم باتا بمعنى آخر حسب هذا الرأي، أن حجية الأمر المقضي لا توجد طالما لم يصل الحكم إلى درجة “البتية”.

إن الربط بين الحجية والبتية مجرد خلط تسرب من قانون الإجراءات الرومانية الكنسية والتي كانت تصف البتية بأنها الدرجة العليا التي يصل إليها الحكم وأنها صفة في الحكم القضائي ذاته، أما الحجية فهي صفة في المحتوى الداخلي لهذا الحكم. وبناء على ذلك فإن البتية يتحدد مجال إعمالها داخل الخصومة التي صدر أثناءها الحكم وتمنع الاستمرار فيها بأي طعن، أما الحجية فتجد موقع إعمالها خارج الخصومة

في القانون المغربي وعلى غرار قوانين عديدة، يظل الحكم الذي لا يقبل الطعن بالتعرض والاستئناف معرضا للطعن بإعادة النظر، بحيث لا يبدأ ميعاده في حالات محددة إلا من يوم الاعتراف بعيب معين في الحكم أو اکتشاف مستندات جديدة، كما قد يتم بعد زمن طويل. وإذا ما سلمنا بالتصور الذي يربط وجود حجية الأمر المقضي بتية الحكم لافتقدنا هذه الحجية في معظم الأحكام القضائية أي التي لم يطعن فيها بإعادة النظر ولو كانت صادرة عن المجلس الأعلى

أمام هذه العوائق النظرية والتطبيقية لم يكن أمام الفقه لإزالتها إلا الاعتراف بحجية الأمر المقضي بغض النظر عن قابلية الحكم للطعن فيه واعتماد قاعدة :” ثبوت الحجية للحكم الموضوعي بمجرد صدوره ” وهو ما تم الحسم فيه على أن للحكم بمجرد النطق به، حجية الأمر المقضي بخصوص المنازعة التي حسم فيها، وبالتالي أمكننا القول بأن الحجية لا تتوقف عن البتية

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!