جريمة التسميم تعريفها و أركانها

جريمة التسميم تعريفها و أركانها

تعريف جريمة التسميم

إن التسميم جريمة دنيئة وتنطوي على غدر، في دنيئة لأنها ترتكب من قبل شخص قريب إلى الضحية، وتنطوي على غدر لاختفاء الفاعل وراء القرابة والصداقة عند ارتكابه لفعله، محاولا تضليل العدالة حتى لا يكشف أمره. وكانت هذه الجريمة قديمة، وكان الملك الفرنسي لويس الرابع عشر يحكم على مرتكبي التسميم بالموت حرقا طبقا للمرسوم الصادر سنة 1682.

ويعتبر التشريع المغربي من القوانين التي نصت على جريمة التسميم بنص مستقل”، إذ نص عليه وعلى عقوبته في الفصل 398 من م.ق. ج. الذي ورد فيه ما يلي: ” من اعتدى على حياة شخص بواسطة مواد من شأنها أن تسبب الموت عاجلا أو آجلا أيا كانت الطريقة التي استعملت أو أعطيت بها تلك المواد وأيا كانت النتيجة، يعد مرتكبا لجريمة التسميم ويعاقب بالإعدام.”

وتتحقق جريمة التسميم بإعطاء كل مادة من شأنها أن تقضي على حياة الإنسان عاجلا أم آجلا سواء كانت سامة بطبيعتها أم لا، لأن العلة في تشديد عقوبة التسميم هو ما يكشف عنه ارتكاب هذه الجريمة من خطورة الجاني.

ويتعين أن يكون الاعتداء على حياة شخص، أما الاعتداء على حيوان بواسطة السم فيعتبر جريمة مستقلة نص عليها الفصل 601 من م. ق. ج. الذي جاء فيه ما يلي: ” من سمم دابة من دواب الركوب أو الحمل أو الجر، أو من البقر أو الأغنام أو الماعز أو غيرها من أنواع الماشية، أو كلب حراسة، أو أسماكا في مستنقع أو ترعة أو حوض مملوكة لغيره يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم.”

وإذا ارتكبت الجريمة ليلا أو انتقاما من موظف عمومي بسبب وظيفته فإن الجاني يعاقب بأقصى بالعقوبة المقررة في الفصل الذي يعاقب على الجريمة (الفصل من م.ق. ج 604).

أركان جريمة التسميم

واعتمادا على الفصل 398 من م.ق. ج فإن أركان جريمة التسميم هي: الركن المادي والقصد الجنائي.

أولا : العنصر المادي

إن العنصر المادي في جريمة التسمم هو الاعتداء على حياة إنسان بمواد من شأنها أن تسبب الموت”. ولقد كانت المادة الرئيسية التي تستخدم في التسميم هي الزرنيخ، إلا أنه مع تطور العلم تطورت المواد السامة، التي يمكن أن تكون على شكل مواد غذائية أو طبية أو نباتية أو معدنية. أما إذا كان الاعتداء بوسيلة أو أداة فإننا لا نكون بصدد تسميم.

وإذا أعطي شخص مواد لا تكون من شانها إحداث الموت، ولكن بسبب الظروف التي أعطيت فيها للضحية تكون قادرة على القضاء عليه، فإن الفصل 398 من م. ق. ج. لا يطبق كما إذا أعطي شخص أجريت له عملية جراحية مواد غذائية قبل أن تتنفس أمعاؤه مما أدى إلى وفاته، لأنه يشترط أن تكون المواد “من شأنها أن تسبب الموت عاجلا أو آجلا” وهذه المواد ليست كذلك ، لأنها لو أعطيت لشخص صحيح لما أثرت فيه.

وإذا تعلق الأمر بمواد تضر بالصحة لا بالحياة، فإنه إذا قدمت بدون قصد القتل فإن الفصل 413 من م.ق. ج هو الذي يطبق إذا نجم عن ذلك مرض الضحية أو عجز أو عاهة أو موت، وإذا قدمت بنية القتل عوقب الفاعل على القتل حدث الموت أو على محاولته أن لم يمت الضحية

وبخصوص وسيلة استعمال أو إعطاء المواد، فإن الفصل 398 قد استعمل شاملة، وهي أيا كانت الطريقة التي استعملت أو أعطيت بها تلك المواد. ويمكن أن تعطى هذه المواد في الطعام أو الشراب أو الدواء أو في العطور سواء كان ذلك عن طريق الفم أو الأنف أو الشريان أو المصران الغليظ، كما يستوي أن تناول هذه المواد مباشرة للضحية أو بواسطة شخص آخر ساهم في الجريمة أم لم يساهم فيها. ويطبق الفصل 398 سواء كانت آثار هذه المواد عاجلة أم آجلة، فالسم غالبا ما يعطى بكمية قليلة وعلى فترات لكي لا تفتضح هذه الجريمة.

وتتحقق جريمة التسميم بمجرد إعطاء هذه المواد وبصرف النظر عن النتيجة الحاصلة، وإذا لم يمت الضحية تتحقق مع ذلك هذه الجريمة، وهي بهذا جريمة شكلية ونظرا لأن التسميم جريمة شكلية فإن المحاولة في صورة الجريمة الخائبة أو الجريمة المستحيلة لا تتحقق بها. أما في صورة الجريمة الموقوفة فتتحقق فيها كما إذا ناول الفاعل السم للضحية وتنبه هذا الأخير أو شخص ثالث لتصرفه فحال بينه وبين إتمامه

أما من يدس السم للضحية ثم يندم ويمنع الضحية من تناوله أو من يعطي الضحية السم ويبتلعه فيصيبه الندم ويحاول إنقاذه هو بواسطة طبيب، فهل يعتبر هذا عدولا إراديا ?

پری جانب من الفقه أن هذا يعتبر عدولا إراديا، لأن فكرة العدول الإرادي إنما وجدت لتشجيع المجرم على التراجع ,ويرى بعض الفقه الآخر أن مفهوم العدول الإرادي ينتج آثاره إذا كان قبل وقوع الجريمة، أما إذا كان بعد وقوعها فإنه يكون مجرد ندم وحسرة، والندم لا أثر له على المسؤولية الجنائية، خاصة وأن التسميم جريمة شكلية تتم بمجرد إعطاء المواد السامة،

إلا أن صياغة الفصل 114 من م.ق. ج المتعلقة بالمحاولة تجعل العدول الإرادي ينتج آثاره في القضاء على جريمة التسميم، لأن الفصل 114 استعمل عبارة “الأثر المتوخي منها” أي الهدف من الجريمة وهو هنا إزهاق روح الإنسان بمواد سامة. فإذا ارتكب الفاعل جريمة التسميم وندم وتدخل وأنقذ الضحية من الموت فإن الأثر المتوخى من الجريمة لم يتحقق وهو إزهاق روح الضحية، ويستفيد الفاعل هنا من صياغة الفصل .114.

ویری جانب من الفقه أن جريمة التسميم تقوم قانونا بمجرد إعطاء السم للضحية ولا يشفع للجاني تراجعه وحؤوله دون تحقق النتيجة، لكن تدخل الفاعل لإنقاذ الضحية طوعا يعتبر توبة منه، ودليلا على ندمه، وهذا من شأنه تمتيعه بظروف التخفيف من قبل القاضي.

ثانيا: القصد الجنائي

إن جريمة التسميم جريمة عمدية لا تقوم إلا إذا توافر لدى الفاعل القصد الجنائي، ويتحقق القصد الجنائي بإعطاء المادة السامة للضحية بقصد القضاء على حياته، مع علم الفاعل أن المادة تسبب الموت عاجلا أم آجلا

وإذا أعطى الفاعل مواد للضحية دون أن يعلم أنها سامة فإن القصد الجنائي غير قائم، ولا يحول هذا دون متابعته بالقتل غير العمدي إذا كان تصرفه يكون إهمالا أو عدم تبصر أو عدم احتياط أو عدم انتباه أو عدم مراعاة النظم والقوانين.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!