ثنائية السلطة التنفيذية في النظام البرلماني

ثنائية السلطة التنفيذية في النظام البرلماني

المطلب الأول : ثنائية السلطة التنفيذية في النظام البرلماني

ثنائية السلطة التنفيذية : تتكون السلطة التنفيذية في النظام البرلماني من جهازين متميزين عن بعضهما البعض، وهما رئيس الدولة والوزارة كل طرف في هذه السلطة سندرسه في فرع مستقل

الفرع الأول: رئيس الدولة في نظام ثنائية السلطة التنفيذية

في نظام ثنائية السلطة التنفيذية يختلف رئيس الدولة في النظام البرلماني – ملكا كان أو رئيسا للجمهورية – عن شخص رئيس الوزراء، فكلاهما متميز عن الآخر بشخصيته وسلطاته ومسؤولياته

وإذا كان دور رئيس الدولة في النظام البرلماني محدودا بالمقارنة لمثيله في النظام الرئاسي، فإن الفقه ما زال مختلفا حول نطاق هذا الدور اتساعا وضيقة على النحو التالي :

– رأي يقرر سلبية دور رئيس الدولة في النظام البرلماني. لأن اختصاصات رئيس الدولة في هذا النظام لا يتعد الحفاظ على التوازن بين السلطات بشكل صحيح. لذا فدوره هنا أدبي محض مجرد من أية سلطة فعلية ويدعم هذا الرأي موقفهم بالحجج التالية :

١- الوزارة هي السلطة الفعالة في النظام البرلماني والمسؤولة عن شؤون الحكم، أما رئيس الدولة ولأنه غير مسؤول سياسيا بوجه عام، فلا يحق له بالتالي مباشرة السلطة الفعلية في الحكم طبقا لقاعدة حيث تكون المسؤولية تكون السلطة

۲- إن الملك “رئيس الدولة”، في بريطانيا وهي مهد النظام البرلماني لا يقوم بأي دور فعال في شؤون الحكم، وكل ما له هناك هو الحفاظ على التعاون والتوازن بين السلطات باعتباره شعارا ورمزا لوحدة الدولة، كل ذلك يأتي من خلال القاعدة القائلة بان الملك يملك ولا يحكم

– اما الرأي الثاني، فيرى أن اشتراك رئيس الدولة – ملكا كان أو رئيسا للجمهورية – مع الوزارة في إدارة شؤون السلطة لا يتعارض مع النظام البرلماني بشرط وجود وزارة مستعدة لتحمل مسؤولية تدخله في شؤون الحكم

ونحن مع عدم اقرارنا بالرأيين السابقين على اطلاقهما، فإننا نرى أن الوزارة في النظام البرلماني هي المحور الرئيسي الفعال في ميدان السلطة التنفيذية، حيث تتولى العبء الأساسي في هذا الميدان وتتحمل المسؤولية، دون سلب رئيس الدولة حق ممارسة بعض الاختصاصات التي قررتها أو تقررها بعض الدساتير البرلمانية في الميدان التنفيذي والتشريعي، ولكن بشرط أن يتم ذلك بواسطة وزرائه، الأمر الذي يوجب توقيع الوزراء المعنيين إلى جانب رئيس الدولة على كافة القرارات المتصلة بشؤون الحكم

لذلك فمن غير الصحيح القول بأن رئيس الدولة والملك في النظام البرلماني في ظل ثنائية السلطة التنفيذية يرأس ويملك ولكن لا يحكم، فالصحيح أنه يحكم ولكن بالاشتراك مع وزرائه.

أما الحجة التي أوردها الرأي الأول القائل بسلبية دور رئيس الدولة في النظام البرلماني على أساس اعتماد بريطانيا وهي موطن هذا النظام نموذجا لهذا النظام فهو رأي غير دقيق لأنه حتى ولو سلمنا بذلك المبدا في بريطانيا، فإننا لا نسلم به أحيانا في دول أخرى

فبريطانيا لها ظروفها وتاريخها الخاص الذي أثر في سلطة الملك، فاضعفها ونقل السلطة الفعلية إلى الوزارة لذلك فالأنظمة السياسية الأخرى ليست ملزمة باتباع هذه النتيجة الخاصة، سيما وأن مدة تولي الملك السلطاته غير محددة، الأمر الذي يكسبه مهارة وخبرة قد لا تتوافر في أشخاص غيره كالوزراء

الفرع الثاني: الوزارة في نظام ثنائية السلطة التنفيذية

في ثنائية السلطة التنفيذية الوزارة هي الطرف الثاني في السلطة التنفيذية – وهي كما ذكرنا – المحور الفعال المسؤول في هذا الميدان سواء كانت مسؤولية تضامنية لهيئة الوزارة بكاملها، أم مسؤولية فردية تقع على كل وزير على حدة.

تتكون الوزارة من رئيس الوزراء رئيسا، ومن عدد من الوزراء حسبما تقتضيه الحاجة والمصلحة العامة، ويجتمعون في مجلس واحد متجانس ومتضامن يسمي مجلس الوزراء ليضع السياسة العامة للحكومة

هذا ويذهب الراي الغالب من الفقه إلى أنه ليس هناك ما يمنع من حضور رئیس الدولة اثناء اجتماع مجلس الوزراء. ولكن بشرط عدم احتساب صوته ضمن الأصوات المعطاة لتكوين الأغلبية المطلوبة في المجلس

هذا ويفرق الوضع الدستوري في بعض البلاد بين مجلس الوزراء والمجلس الوزاري، حيث يسمى المجلس بمجلس الوزراء إذا ما انعقد برئاسة رئيس الدولة. ويسمى بالمجلس الوزاري إذا ما انعقد برئاسة رئيس الوزراء. وهو وضع يخالف في عموميته ما هو معمول به في الأنظمة البرلمانية السائدة التي تقرر أن مجلس الوزراء هو الهيئة المتجانسة المكونة من رئيس الوزراء والوزراء فقط.

في نظام ثنائية السلطة التنفيذية رئيس الدولة هو الذي يعين رئيس الوزراء والوزراء ويقيلهم. ولكن حقه مع ذلك ليس مطلقا، بل في الغالب مقيد بضرورة اختيارهم من زعماء حزب الأغلبية في البرلمان، حتى ولو لم يكن ذلك محل رضا منه شخصيا.

والسبب في ذلك انه في النظم البرلمانية لا بد للوزارة في سبيل توليها للسلطة واستمرارها في الحكم أن تكون محل ثقة البرلمان، ويعبر عن ذلك بقدرتها على الفوز بالأغلبية المطلوبة لذلك وإلا طرحت الثقة بها في أول جلسة بصوت فيها على ذلك

وتختلف الوزارة من حيث قوتها وضعفها تبعا للنظام الحزبي السائد في النظام السياسي لكل دولة

فحيث تتعدد الأحزاب يصعب تكوين اغلبية برلمانية تدعم جماعة واحدة تنتمي لحزب واحد، وبالتالي تكون امام ضرورة تشكيل حكومة ائتلافية مكونة من عدة اشخاص ينتمون إلى عدة أحزاب لتجد أغلبيتها الساندة لها في البرلمان.

وحيث تسود الثنائية الحزبية يسهل على أحدهما تشكيل أغلبية في البرلمان وبالتالي تكوين وزارة متجانسة من الناحية القانونية والفعلية

المطلب الثاني : التعاون والتوازن بين السلطات

 يقرر النظام البرلماني علاقة متبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية هذه العلاقة تفضي بالنهاية إلى تحقيق التوازن بينهما وهي تقوم في طبيعتها على تدخل السلطة التنفيذية في بعض أعمالها بالسلطة التشريعية وتدخل السلطة التشريعية في بعض أعمالها بالسلطة التنفيذية من ناحية اخرى. كل ذلك سنبينه في فرعين مستقلين

الفرع الأول: مظاهر تدخل السلطة التنفيذية في السلطة التشريعية

 تقوم السلطة التنفيذية في النظام البرلماني بالقيام بأعمال متعددة في مجال السلطة التشريعية أهمها:

أولا – أعمال خاصة بتكوين البرلمان

رئيس الدولة في النظام البرلماني هو الذي يدعو لإجراء الانتخابات النيابية وتأتي تلك الدعوة عادة إما بعد حل المجلس النيابي قبل انتهاء مدته الدستورية، أو عند انتهاء المدة المقررة له، بالإضافة إلى ما تقوم به الحكومة من إجراءات تتعلق بذلك كتحديد موعد الانتخابات وتحرير الجداول الانتخابية والإشراف على العملية الانتخابية والرقابة عليها

ولا يقتصر دور السلطة التنفيذية في مجال تكوين البرلمان على مجرد هذا التكوين إذا كان بالانتخاب، بل يبدو هذا التدخل اكثر وضوحا عندما تأخذ بعض الدساتير والأنظمة بمبدأ التعيين سواء في مجلس نيابي ثان ومستقل عن المجلس المنتخب، أم بالإضافة إلى المنتخبين من النواب في نفس المجلس

ثانيا – أعمال خاصة بانعقاد البرلمان

البرلمانات بصفة عامة لا تنعقد بصفة دائمة ومستمرة، أي طول الفصل التشريعي، وإنما هناك دورات تشربعة سنوية تقررها وتحدد مدتها الدساتير، تدعو إليها السلطة التنفيذية وتفض اجتماعاتها هذا بالنسبة للدورات العادية

ولكن قد تطرأ بعض الظروف الاستثنائية أثناء العطلة البرلمانية تستدعي دعوة البرلمان الاجتماع في دورة استثنائية, هذا الاجتماع الاستثنائي تدعو إليه أيضا السلطة التنفيذية

ثالثة – أعمال خاصة بالتشريع

تقوم السلطة التنفيذية بأعمال متعددة تتصل بالعملية التشريعية، تباشرها أحيانا بالاشتراك مع السلطة التشريعية كالتقدم بمشروعات القوانين والموافقة والتوقيع عليها وإصدارها، وأحيانا بصفة مستقلة كحقها في إصدار اللوائح والأنظمة التي يخولها إياها الدستور كاللوائح والأنظمة التنفيذية والتنظيمية والضرورة “القوانين المؤقتة” كما تسمى في الأردن

 رابعة – الجمع بين عضوية البرلمان والوزارة

الجمع بين عضوية البرلمان والوزارة مظهر من مظاهر مرونة الفصل بين السلطات والتعاون بينها في ظل النظام البرلماني

ويتقرر هذا الجمع إما بنص الدستور أو بما جرى عليه العرف في الدول البرلمانية, إذ بهذه الوسيلة يكون للوزراء بحكم عضويتهم في البرلمان حق حضور جلساته والاشتراك في مناقشة مشروعات القوانين التي تعرض عليه، وكذلك الدفاع عن سياسة الحكومة، وحق التصويت على كافة المسائل المطروحة للمناقشة

خامسا – حق الحل

يقصد بالحل إنهاء مدة البرلمان قبل نهاية المدة القانونية المحددة للنيابة اي قبل انتهاء الفصل التشريعي

ويعتبر حق الحل من أهم وسائل رقابة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وهو يقابل في خطورته المسؤولية الوزارية المقررة أمام البرلمان، وعلى كليها يقوم التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية

وحق الحل – كما ذكرنا – من أخطر الأسلحة الممنوحة للسلطة التنفيذية في مواجهة البرلمان، وذلك لتمكين الحكومة من الرجوع إلى الناخبين في حالات معينة كاحتدام النزاع بين البرلمان والوزارة، أو كطريقة الدفاع رئيس الدولة عن حقوقه او آرائه التي يعتقد من وجهة نظره أن الشعب يؤيده فيها.

الفرع الثاني : مظاهر تدخل السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية

تباشر السلطة التشريعية هي الأخرى أعمالا في ميدان السلطة التنفيذية دلالة على التعاون وتحقيقا للتوازن بين هاتين السلطتين، ومن هذه الأعمال:

 أولا – السؤال :

يقصد بالسؤال الاستفسار والاستيضاح الذي يطلبه اي عضو من أعضاء البرلمان من الوزير بشأن مسألة معينة

والسؤال علاقة ثنائية بين عضو البرلمان والوزير لا يتدخل فيها اي عضو آخر من أعضاء البرلمان، لذا فهو حق شخصي لعضو البرلمان الذي يجوز له أن يتنازل عنه أو أن يحيله إلى استجواب إذا لم يقتنع بإجابة الوزير على السؤال

ثانية – الاستجواب :

الاستجواب اخطر من السؤال، فهو ليس طلب معرفة أو تناول راي أو وصول إلى حقيقة، بقدر ما هو محاسبة أو استيضاح يتضمن في طياته اتهاما للوزارة أو أحد الوزراء، قد يؤدي إلى طرح الثقة بالثقة بالوزير أو الوزارة

وبالرغم من أن بعض الدساتير قد أوردت النص على الاستجواب مقترنة بالسؤال. إلا أنها في الغالب تخصه بالضمانات التي يجب أن يحاط استعماله بها حتى لا تسرف البرلمانات في الالتجاء إليه.

ومن أهم هذه الضمانات عدم جواز مناقشة الاستجواب قبل مضي مدة معينة هي في الغالب ثمانية أيام على وصوله للوزير، إلا إذا كانت الحالة مستعجلة ووافق الوزير على تقصير المدة

والاستجواب ليس علاقة محددة بين عضو البرلمان والوزير، وإنما يجوز لكافة اعضاء المجلس الاشتراك فيه، بل يجوز إذا ما استرد المستجوب استجوابه أن يستمر المجلس في نظره ومناقشته إذا ما تبناه احد اعضاء المجلس، وقد يؤدي الاستجواب في النهاية إلى طرح الثقة بالوزير أو الوزارة باجمعها

ثالثة – حق إجراء تحقيق :

قد لا يرى البرلمان أن يستقي المعلومات من الوزراء، بل يقوم هو بنفسه بالاطلاع على أمر معين والاتصال بالاطراف المعنية، وذلك ليتسني معرفة الحقيقة وتقدير الأمور بدقة

ولكن البرلمان في هذه الحالة لا يقوم بهذا العمل بكامل أعضائه، بل يعهد بذلك إلى بعض لجانه سواء منها الدائمة أو المؤقتة التي تشكل خصيصا لذلك.

ويحصل التحقيق في أغلب الأحيان لفحص الطعون المقدمة بشان صحة نيابة أحد أعضائه، أو للوقوف على عيوب وانحرافات بعض الأجهزة العامة

 رابعا – اختيار رئيس الدولة بواسطة البرلمان :

لقد رأت بعض الدساتير ان يتم اختيار رئيس الدولة بواسطة البرلمان كما كان عليه الحال في فرنسا في ظل دستوري 1975، 1946، والاتحاد السوفييتي ولبنان، أو بالاشتراك مع الشعب كما هو الحال في الدساتير المصرية الأخيرة 1956 و 1964

خامسا – المسؤولية الوزارية السياسية :

إذا كان جزاء المسؤولية المدنية هو التعويض، والجنائية هو العقاب، فإن جزاء المسؤولية السياسية هو الاستقالة

والمسؤولية السياسية مقررة في النظام البرلماني على الوزير أو الوزارة بأجمعها لذلك فهي إما أن تكون فردية تقع على الوزير لوحده، أو تضامنية تقع على هيئة الوزارة بأجمعها نتيجة أعمال هذه الوزارة أو نتيجة مباشرة رئيس الوزراء الأعماله باعتباره رئيسا لهذه الهيئة

وتتقرر المسؤولية الوزارية بسحب ثقة البرلمان منها، فإذا كان سحب الثقة قد تم في مواجهة الوزير فيجب عليه الاعتزال. أما إذا كان في مواجهة الوزارة جميعها، أو رئيس الوزراء فيجب على هيئة الوزارة أن تستقيل

وإذا كانت المسؤولية الوزارية تعتبر أكبر دليل على مدى العلاقة التي تربط السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية، فإن هذه المسؤولية غالبا لا تتقرر إلا أمام المجلس المنتخب، دون المجلس الآخر المعين إذا كان النظام السياسي يأخذ بنظام المجلسين النيابيين

سادسا – الاتهام الجنائي :

تعطي بعض الدساتير البرلمانية المجلس النيابي الحق في اتهام رئيس الدولة أو الوزراء جنائية فيما يرتكبون من جرائم تتعلق بأداء وظائفهم.

من تلك الدساتير، الدستور الأردني، الذي يبين أن الوزراء يحاكمون أمام مجلس عال، على ما ينسب إليهم من جرائم ناتجة عن تأدية وظائفهم. ثم أوضح طبيعة جهاز الاتهام الذي هو عبارة عن مجلس النواب. اما جهاز الحكم فهو المجلس العالي المكون من رئيس مجلس الأعيان رئيسة، ثلاثة أعضاء من مجلس الأعيان، وخمسة من قضاة محكمة التمييز التي هي أعلى محكمة نظامية في الأردن.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!