مقالات

ثبوت الشهادة العدلية بين الطبيعة والموانع

ثبوت الشهادة العدلية بين الطبيعة والموانع

إذا ما تم الخطاب على الشهادة العدلية، فإنها تصبح بحسب الأصل شهادة ثابتة، ولثبوت الشهادة العدلية طبيعة خاصة تجعله يختلف عما يشتبه به من أنظمة شريطة خلوه من الموانع التي تجعله غير عامل وقد يخلو من هذه الموانع فتكون الشهادة تامة، إلا أنها تكون فاسدة إذا ما اعترضتها عوارض ثبوت الشهادة

للثبوت طبيعة تجعله يختلف عن بعض الأنظمة التي تشتبه به كالحكم والتنفيذ (مطلب أول) ؛ وهو الأمر الذي يجعل قضاء الموضوع يبسط رقابته على الوثائق العدلية ولو كانت تامة ، إلا أن الموقف القضائي اختلف بخصوص كيفية التعامل مع الوثائق الناقصة،أي تلك الوثائق التي لم يكتمل ثبوتها بسبب ما يطرأ عليها من موانع ثبوت الشهادة ، (مطلب ثاني)

المطلب الأول: طبيعة الثبوت في الوثائق العدلية

لا تكون الوثيقة أو الشهادة العدلية تامة من الناحية الفقهية والقانونية إلا بعد أدائها لدى القاضي والخطاب عليها من طرفه ؛ وهذا التمام تعتبر الوثيقة ثابتة ، وهذا الثبوت يجعلها صالحة للإثباتها أمام قضاء الموضوع الذي قد يحكم بموجبها إذا كانت صحيحة .

وإذا كان قاضي الموضوع يبحث في صحة الوثيقة ومدى استجماعها لشروطها وأركانها حتى يحكم بموجبها ؛ فمعنى ذلك من جهة أن ثبوت الوثيقة هو غير الحكم بها

الفرق بين الثبوت والحكم

لما كان القاضي – ولا يزال – قد يجمع بين الخطاب على الرسوم والحكم بما توجبه ، فلقد أدى ذلك إلى التباس مفهوم الثبوت بمفهوم الحكم القضائي ، ولذلك لا يمكن الإحاطة بماهية الثبوت إلا في ظل التفريق بينه وبين الحكم الذي قد يختلط به.

فقد ذهب جل فقهاء المذهب المالكي –ومعهم فقهاء الشافعية- إلى أن ثبوت الحجة عند القاضي وقيام البينة لديه

ليس حكما ، وذلك لعدة أسباب ؛ منها أن ثبوت الحجة عند القاضي لا يعني أكثر من قيام البينة لديه ؛ إذ ليس في الثبوت شيء من الجبر أو الإلزام ؛ بينما الحكم يتأسس على عنصر الإلزام الذي يقتضي التنفيذ

ومنها أن الثبوت لا يحتاج في بعض الحالات إلى حكم القاضي ولا إلى التصريح به من طرفه ؛ “وإذا وجد الثبوت بدون الحكم كان أعم من الحكم ، والأعم من الشيء غيره بالضرورة” ، كما أن الحكم نفسه قد يوجد بغير ثبوت ، كما في الحالات التي يجتهد فيها القاضي بدون حجة ثابتة لديه ؛ “فيكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه ، وأخص من وجه”

ومن الأمثلة على وجود الثبوت بدون حكم ، ثبوت الدين للحكم بأدائه ، إذ الثبوت في مثل هذه الحالة لا يحتاج في الشرع الإسلامي إلى حكم القاضي ولا إلى تصريحه ؛ بل حكمها مقرر نصا في أصل الشريعة ؛ وما على القاضي إلا الأمر بالتنفيذ ، فلو كان الثبوت حكما لاستلزم التصريح به من طرف القاضي ويبدو – ظاهريا- أن الحنفية خالفوا الجمهور من المالكية والشافعية وذهبوا إلى أن الثبوت حكم؛ وهو الموقف الذي تبناه بعض المالكية أيضا مصرحا بأنه المشه ور في المذهب المالكي

ولعل هذا الموقف المخالف لقول الجمهور يرجع إلى أن الثبوت يتم في بعض الأحيان بواسطة الحكم ويتوقف على تصريح القاضي في مجلس قضائه بثبوت حجة أو قيام دليل على واقعة معينة ، كأن يحكم بثبوت شراء بين بائع ومشتر ، ويقول في حكمه : حكمت بأن فلانا باع لفلان ، فهذا حكم بالثبوت أو ثبوت بحكم.

وقد أورد ابن فرحون في تبصرة الحكام أن ما ذكر من كون الثبوت حكما هو المشهور في المذهب ، جاء مخالفا لما نقله الشيخ تقي الدين السبكي أن الصحيح عند الشافعية والمالكية أنه ليس بحكم

ولذلك تم توجيه قول الحنفية من طرف الجمهور بأن الثبوت ” حكم بتعديل البينة وقبولها وجريان ذلك الأمر المشهود به ، وأما صحته أو الإلزام بشيء فلا ؛ لأنه لم يوجد الإلزام ، وذكر ذلك الشيخ سراج الدين فقال : وهذا هو التحقيق”

وهذا المعنى يصير الثبوت – في مفهوم الحنفية- كالحكم الذي حاز حجية الشيء المقتضى به ، فلا يمكن التعرض لنقضه ، وإذا حكم بثبوت البينة امتنع على قاض آخر إبطاله

ولذلك فالحكم بالثبوت له فائدة تعديل البينة وفائدة التنفيذ في غير بلد القاضي ، وفي ذلك يقول الشيخ تقي الدين السبكي : “ومن ألفاظ الحكم أن يحكم بالثبوت وحقيقته حكم بتعديل البينة وسماعها ، وفائدتها عدم احتياج حاكم

آخر إلى النظر فيها وجواز التنفيذ في البلدان فإن في تنفيذ الثبوت في البلد من غير اقترانه بحكم خلافا ، فإذا صرح بالحكم كما ذكرناه جاز التنفيذ فهما فائدتان”

المطلب الثاني: موانع ثبوت الشهادة

قد تكون الشهادة العدلية تامة الأركان من حيث تلقيها،إلا أنه يرد عليها بعد ذلك مانع لا يفسدها في ذاتها ، ولكنه يجعلها غير عاملة ، وغالبا ما يتجلى هذا المانع –بحسب الحال أو المآل- في عدم الخطاب على الشهادة .

وقد يكون عدم الخطاب راجعا إلى امتناع القاضي عنه إما عن حق وإما عن غلط _أو عن شطط ، مما قد يترتب عليه أثر يتجلى في إمكانية الطعن في القرار القاضي بعدم الخطاب

عرفت مسألة الفرق بين الثبوت والحكم – التي سبق أن تطرقنا لها- اختلافا بين فقهاء القانون من زاوية أخرى – نوردها هنا-؛ هي زاوية التفريق في طبيعة تصرفات القاضي بين العمل القضائي والعمل الولائي أو الإداري بشكل عام .

وللإحاطة بذلك نبحث في الشهادة العدلية بين العمل القضائي والعمل الولائي؛ وفي الأثر المترتب عن الامتناع عن الخطاب.

ذهب بعض الفقهاء عندنا إلى القول بأن القاضي المكلف بالتوثيق في خطابه على الرسوم العدلية إنما يمارس مهام إدارية ولا يمارس مهام قضائية

 وهو رأي اتبعه بعض الباحثين فيما يتعلق بمهام قاضي التوثيق في مدونة الأحوال الشخصية السابقة والفصل 179 من قانون المسطرة المدنية قبل تعديله حيث ذكر هذا الباحث أن:”جميع الاختصاصات المذكورة والمخولة لقاضي التوثيق قبل تعديل المدونة هي كلها اختصاصات تدخل في نطاق حماية الحقوق وحفظها وإثباتها دون الدخول في صميم موضوع الدعوى…(ولذلك نجد فيها) الصبغة الولائية أكثر من الصبغة القضائية، ومن هنا كان لقاضي التوثيق حق الرجوع في القرارات الولائية الصادرة عنه، وكان للمتقاضين الحق في إعادة الطلب أمامها وأمام جهة مختصة أخرى، ولا يترتب على ذلك أثر سلبي ، وهذا ما لا يتاح في القرارات القضائية ، كما أن القرارات الولائية لا تكتسب حجية الأمر المقضي به ، في حين تثبت للقرارات القضائية ، لذلك فإن طالب العمل الولائي يمكنه تجديد الطلب الذي سبق رفضه ، ولا يترتب على ذلك مبدأ سبقية البت”

والصواب في هذه المسألة في نظرنا هو ما ذهب إليه أحد الفقهاء من أن الأصل في الشهادات العدلية “أنها شهادات تلقيت من طرف شهود تتوفر فيهم شروط أهمها شرط العدالة ، وأنها بذلك لا تصير تامة إلا إذا أديت لدى القاضي – بصفته القضائية- الذي له الصلاحية في الاستماع إلى الشهود العدول ، والذي يجب عليه شرعا وفقها وقانونا أن يشهد هو الآخر بأدائها وثبوتها ووقوعها صحيحة تامة الأركان والضوابط وفقا للقواعد الفقهية والشرعية ، وأن يعلم بها غيره من القضاة إن اقتضى الحال ذلك.

وكون الشهادة لا تعتبر شرعا وقانونا إلا إذا أديت لدى القاضي ، معناه أنها إذا لم تؤد أصلا أو أديت لديه ، ولكن بصفته شخصا إداريا أو أديت أيضا ولكن لدى شخص غير شخص القاضي ؛ فإنها لا تعتبر كذلك ولا تكون لها أي قيمة … والشهادات العدلية بدون خطاب القاضي إما أن تقع معدومة أو – على الأقل – تقع ناقصة غير تامة ، وإما ينزع منها مبدأ الإشهاد وعنصر الشهادة وتتجرد من كل قيمة وتصير كتابة عامة تتوقف هي نفسها على إثبات وإشهاد .

ولذلك فإن خطاب قاضي التوثيق على الشهادات العدلية هو من صميم الأعمال القضائية ومن الاختصاصات المنوطة بالقضاء المرتبطة به ارتباطا وثيقا عبر تاريخه الطويل ، وهما بمثابة الجسد الواحد ولا يسوغ فصل خطاب القاضي عن الرسوم العدلية…

كما أن القول بكون ممارسة قضاء التوثيق عملا إداريا يؤدى إلى المطالبة بتكليف أشخاص غير قضاة للقيام بمهام التوثيق والخطاب على الشهادات .

المراجع:

محمد الكويط : موقع التصرفات العقارية في الوثائق العدلية

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

تحميل المقال:







Leave a Comment

error: Content is protected !!