تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي

أساليب تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي

أساليب تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي

سنتحدث في هذا المقال عن أساليب تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي حيث أن تنفيذه يختلف من دولة لأخرى، ومن نظام قانوني لآخر، بل قد يختلف التعامل معه في الدولة الواحدة، فقد يتم تنفيذه وفقاً لأحكام اتفاقية دولية أو إقليمية، أو وفقاً لأحكام التشريعات الوطنية، وذلك تبعاً للظروف المحيطة في تنفيذ كل قرار على حده، وبشكل عام هناك نظامان أو أسلوبان يتم إتباعهما في تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي وهما:

 نظام رفع دعوى جديدة، ونظام الأمر بالتنفيذ، هذا بالإضافة إلى تبني بعض الاتفاقيات أسلوب التنفيذ المباشر لذلك ستعمل هذه الدراسة على بيان موقف قانون التحكيم الأردني واتفاقيتي نيويورك والرياض من أساليب وشروط تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي، وسيتم تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، يتناول المطلب الأول الأساليب السائدة في تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي، بينما يتناول المطلب الثاني التنفيذ المباشر لحكم التحكيم الأجنبي.

المطلب الأول : الأساليب السائدة في تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي

عند الشروع في تنفيذ قرار التحكيم الأجنبي ، تعمد أغلب التشريعات إلى تنفيذ هذه الأحكام من خلال القضاء الوطني ، ومن المعلوم أن القضاء يختلف نظام تنفيذه من دولة لأخرى تبعاً لدرجة تمسك الدولة بمبدأ السيادة الإقليمية، باعتبار هذه المسألة من مظاهر سيادة الدولة على إقليمها والتي تعتبر أحد أهم أركانها ومقوم هناك نظامين سائدين لتنفيذ قرارات التحكيم الأجنبية نصت عليهما التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ،

 وهما نظام يوجب على من صدر القرار لصالحه أن يقوم برفع دعوى جديدة في نفس موضوع النزاع الصادر فيه قرار التحكيم الأجنبي، ونظام يكتفي باستصدار أمر بالتنفيذ دون الخوض في موضوع النزاع من جديد. وسيتم تقسيم هذا المطلب إلى فرعين، يتناول الفرع الأول: أسلوب رفع دعوى جديدة، بينما يتناول الفرع الثاني: أسلوب الأمر بالتنفيذ.

الفرع الأول: أسلوب رفع دعوى جديدة

هذا الأسلوب تأخذ به انجلترا ودول الكومونولث ، وهو أسلوب لا يعترف لحكم التحكيم الأجنبي بأي حجية قضائية ، ومن ثم يرفض تنفيذه بشكل مباشر ، ويجب على من صدر القرار لصالحه وأراد أن ينفذه أن يقوم لرفع دعوى جديدة في المحاكم الأجنبية في الوطن المراد تنفيذ حكم التحكيم فيها ،

وكما يعتبر هذا الأسلوب أن الحكم التحكيم الأجنبي دليل من أدلة الإثبات في هذه الدعوى، وعند صدور الحكم من قبل المحكمة المختصة يعتبر هذا الحكم الصادر هو الحكم القابل للتنفيذ

ويترتب على الأخذ بقرار التحكيم الأجنبي كدليل حاسم نتيجة هامة، وهي أن القاضي الوطني سيضطر في معظم الأحوال الحكم لصالح من يرفع دعوى جديدة مبنية على قرار التحكيم الأجنبي بمجرد توفر الشروط الشكلية، ودون أن يتفحص صحة قرار التحكيم الأجنبي من حيث الموضوع

وبذلك يكون هذا الأسلوب قد حافظ على مبدأ السيادة من حيث الشكل فقط، حيث سيتم تنفيذ الحكم الوطني الصادر في الدعوى الجديدة، ولكن في الواقع أن هذا الأسلوب يعترف بطريقة غير مباشرة بآثار القرار الأجنبي بشكل كامل، لأن الحكم الوطني يصدر بالاستناد إلى القرار الأجنبي كدليل قاطع، ولا يستطيع مراقبة مدى سلامة هذا الدليل من الناحية الموضوعية ، ويترتب على ذلك تشابه هذا الأسلوب مع أسلوب الأمر بالتنفيذ؛ لأنه في الواقع يقوم على المراجعة الشكلية للقرار الأجنبي دون المراجعة الموضوعية

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن القانون الإنجليزي، الذي يتبنى النظام الأنجلوسكسوني الذي يأخذ بأسلوب الدعوى الجديدة، أجاز الاتفاق على عدم خضوع قرار التحكيم الأجنبي للرقابة القضائية التي نص عليها قانون التحكيم الإنجليزي الجديد الصادر سنة ( 1979 )، والذي أعطى الحق للمحكمة العليا فقط في إبطال قرارات التحكيم على أساس الخطأ في الواقع أو القائلون بظاهر القرار،

 فإذا اتفقت الأطراف في النزاع الصادر عنه قرار التحكيم الأجنبي بعدم الخضوع لهذه الرقابة القضائية المفروضة لا يخضع لها، وذلك على عكس قرار التحكيم الداخلي الذي لا يجوز الاتفاق على عدم إخضاعه لهذه الرقابة

الفرع الثاني: أسلوب الأمر بالتنفيذ

تتبنى هذا الأسلوب دول النظام اللاتيني وعلى رأسها فرنسا،وهو متبع في كثير من الدول العربية ومنها فلسطين ومصر والأردن، وهو أكثر انتشارا من أسلوب رفع الدعوى الجديدة،ويعرف الأمر بالتنفيذ بأنه : الإجراء الذي يصدر من القاضي المختص قانونا ويأمر بمقتضاه بتمتع حكم المحكمين دوليا كان أو داخليا بالقوة التنفيذية وبالتالي فهو يمثل نقطة الالتقاء بين القضاء الخاص والعام

ويكتفي في هذا الأسلوب باستصدار أمر بتنفيذ الحكم التحكيمي الأجنبي بعد أن تتوافر فيه بعض من الشرط الشكلية ، فبعد التأكد من توافر مجموعة من الشروط الشكلية في هذا الحكم والتي تتعلق اغلبها بصحة الإجراءات التي أدت إلى صدوره والتأكد من مدى ملائمة لقواعد النظام العام في دولة التنفيذ ومن ثم يتم تنفيذه بذات الإجراءات التي يتم فيها تنفيذ حكم التحكيم الوطني، و في حالة كونه لم يستوفي الشروط الشكلية التي يتطلبها القانون الوطني للتنفيذ، يرفض القاضي الوطني حكم التحكيم ، أما في حالة توافر هذه الشروط فأن القاضي الوطني ، يعطي الأمر بتنفيذ حكم التحكيم وتذييله بالصيغة التنفيذية

ويتم هذا الأسلوب طريقتين مختلفتين ، وهما :

أولا: أسلوب المراجعة

وهذه الدول التي تعتمد على هذا الأسلوب في تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي ، تقوم بمراجعة الشروط الشكلية في حكم التحكيم ، وليس ذلك فقط وإنما تقوم أيضاً بمراجعة الحكم من الناحية الموضوعية، وتراقب تقدير هذا القرار للوقائع وصحة تطبيقه للقانون، وتفسيره وفقاً لمنهجها بالتفسير، ولها قبول طلبات جديدة وإدخال الغير بالرغم من عدم اختصاصها ابتداء.

وإذا ما احتاج الحكم الأجنبي التحكيمي للتعديل ، فجرى خلاف إذا ما كان بإمكان المحكمة الوطنية أن تقوم بتعديله ، فبعضهم رأى أن المحكمة التي تتصدى لطلب الأمر بالتنفيذ لها أن تقوم بتعديل الحكم الأجنبي

ويرى البعض الآخر أن الأمر يرجع تقديره إلى النظام القانوني للدولة المطلوب فيها التنفيذ ، فهناك بعض الدول تسمح للقاضي الوطني تعديل القرار الأجنبي ودول أخرى لا تسمح للقاضي الوطني بتعديله، ولا يملك سوى قبول تنفيذ القرار الأجنبي أو رفضه وغالبية الفقه يرى أن القاضي الوطني لا يملك بعد فحص القرار الأجنبي سوى الأمر بتنفيذ القرار أو رفضه حسب ظروف الحال

وأسلوب المراجعة يهدر قيمة الحكم الأجنبي ويمس بالحقوق المكتسبة في الخارج ولا يحقق مصالح الأفراد في العلاقات الدولية الخاصة؛ لأنه يتبنى أسلوب نظر موضوع النزاع من جديد مما يؤدي إلى إهدار الوقت والمال

ثانيا – أسلوب المراقبة

ويقتصر في هذا الأسلوب عمل القاضي الوطني على مراقبة تحقق توافر شروط معينة في دعوى الأمر بتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي ، وهي في الغالب شروط شكلية خارجية ،ولا يحق له التطرق إلى الشروط الموضوعية للحكم التحكيمي ، ولا يكون له الحق بتعديله. وعليه فإما أن يأمر بتنفيذ هذه الحكم التحكيمي الأجنبي أو يأمر برفضه فقط

وتنحصر بناء على ما سبق مهمة القاضي في الرقابة شكلية والخارجية على النواحي الآتية :

1- التحقق من وجود اتفاق التحكيم وتوفر أهلية الخصوم.

2 – قابلية النزاع للتحكيم ودخوله في نطاق اتفاق التحكيم وعدم تجاوز المحكمين لمهمتهم.

3 – صدور الحكم ضمن المهلة المحددة قانونا أو اتفاقا.

4 – مراعاة الشروط الإلزامية الأساسية التي يجب تحققها في الحكم التحكيمي.

5 – مراعاة المحكمين للمبادئ الأساسية للتقاضي.

6 – عدم مخالفة النظام العام

ويرى الفقهاء أن أسلوب الأمر بالتنفيذ يخضع لسياستين متنافستين يسعى من خلالهما إلى تحقيق التوازن بين مصلحة الفرد والمصلحة الوطنية، فهو من جانب يمنع مراجعة القرار الأجنبي من الناحية الموضوعية من قبل المحكمة الوطنية التي تتصدى لطلب الأمر بالتنفيذ، ومن جانب آخر فإنه يعكس مصلحة المحكمة الوطنية في الإشراف والرقابة من الناحية الشكلية على قرارات التحكيم الأجنبي

ولقد أخذ المشرع المصري بهذا الأسلوب في قانون التحكيم رقم : 27 ( لسنة ) 1994 حيث أعطى القاضي المختص بموجب المادة ( 58 ) الحق بفحص المستندات المطلوبة من دون أن يكون له الحق في تعديل أو تصحيح الحكم التحكيمي

و أخذ القانون الأردني بأسلوب المراقبة بشكل ضمني، فهو لم ينص عليه صراحة، ولكن في المقابل لم يمنح القاضي الوطني الذي يتصدى لطلب الأمر بالتنفيذ مراجعة قرار التحكيم الأجنبي من حيث الموضوع فالقانون لم يتضمن بين شروطه ما يسمح بذلك.نجد أنه أوجب توفر بعض الشروط الشكلية الخارجية دون السماح بمراجعة وفحص موضوع النزاع وهذا يعني تبنيه لأسلوب المراقبة بشكل ضمني.

المطلب الثاني : التنفيذ المباشر لقرار التحكيم

ويقوم هذا الأسلوب بتنفيذ قرار التحكيم الأجنبي دون أن يكون للدولة المطلوب تنفيذ حكم التحكيم فيها الحق في مراقبة لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون ، الاعتراف بقرار التحكيم وتنفيذه مباشرة ، بمعنى أنه يجب معاملة الحكم الأجنبي وكأنه حكم وطني صدر من المحاكم الوطنية للدولة المراد فيها التنفيذ، ويطلق البعض على هذه الأحكام تسمية أحكام التحكيم الدولية ، ولضمان وجود مثل هذه الأحكام يفترض توفر تنظيم دولي مزود بسلطة دولية منحت له من منظمة عالمية كالأمم المتحدة، ويفترض كذلك وجود مكتب خاص لتسجيل قرارات التحكيم المتمتعة بالنفاذ الدولي المباشر

وفي الواقع العملي فإن قرارات التحكيم الصادرة عن المراكز الإقليمية والخاضعة لإشرافها، والمطبق عليها قواعد المركز الموضوعية، والتي روعيت فيها الإجراءات التي أرادها الأطراف، لا تتمتع بقوة نفاذ مباشر حتى على المستوى الإقليمين فالدولة المراد تنفيذ هذه القرارات على إقليمها تقوم بفحص وطنية أو أجنبية هذه القرارات وفق المعايير المتبعة لديها بهذا الخصوص تمهيدا لتنفيذها وفقا للتشريعات أو الاتفاقيات السارية المفعول لديها

ولكن يوجد استثناء على هذا الواقع، فاتفاقية واشنطن عبرت عن التجسيد العملي لهذا النوع من القرارات، واعتبرت اتفاقية واشنطن قرار التحكيم الصادر من المركز المشكل وفقاً لأحكامها قراراً نهائياً وملزماً، ولا يجوز الطعن به أو استئنافه في غير الأحوال التي نصت عليها هذه الاتفاقية

نصت الفقرة الأولى من المادة ( 54 ) من اتفاقية واشنطن على أن “القرار يعتبر نهائياً وواجب التنفيذ وليس لمحاكم الدولة المراد فيها تنفيذه فحص موضوع النزاع، وإنما تطبق تلك الدولة قانونها الخاص بتنفيذ القرار كما أن الدولة الطرف لا تستطيع أن تتمسك بالحصانة القضائية أو بالحصانة التنفيذية بالنسبة للأحكام التي تنطوي على التزامات مالية.

فتعتبر القرارات الصادرة عنه كالقرارات والأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية متمتعة بالنفاذ المباشر لدى الدول الأعضاء في الاتفاقية، وتعامل كالأحكام القضائية الوطنية، ولا تخضع لنظام الأمر بالتنفيذ المبين سابقاً والذي تخضع له قرارات التحكيم الأجنبية، فالقرارات الخاضعة لأحكام هذه الاتفاقية لا تخضع سوى لرقابة المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ووفقا للأحكام التي نصت عليها اتفاقية واشنطن

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!