تتبين أهمية قانون المسطرة الجنائية باعتباره قانون إجرائي ينظم سلطة الدولة، وأجهزتها في الاعتقال، والمتابعة، والمحاكمة، والعقاب، ويحدد القواعد المتعين تطبيقها

تمهيد للقانون المسطرة الجنائية

تمهيد للقانون المسطرة الجنائية

يجمع القانون الجنائي في شقه الموضوعي، مجموعة القواعد القانونية التي تحدد صور الجريمة  في شكل سلوك إيجابي “فعل يمنع القانون القيام به”، أو في شكل سلوك سلبي، امتناع عن تنفيذ ما يأمر به القانون”، والجزاء المقرر على مخالفته.

وهذه القواعد في مجموعها تشكل إنذارا موجها للكافة بالامتثال لأوامرها ونواهيها، تحت طائلة تطبيق الجزاء المقرر فيها، وحين تقع مخالفة لقواعد القانون الجنائي والمتمثلة في وقوع الجريمة – يتولد للدولة في تلك اللحظة، في مواجهة المخالف للقاعدة الجنائية، حقا يسمى بالحق في العقاب، وهذا معناه أن قواعد القانون الجنائي باعتباره قانون موضوع تظل في حالة سكون، وحين تخرق تلك القواعد، تنتقل إلى حالة التجسيد أي مرحلة التطبيق الفعلي، وهذا هو دور قانون المسطرة الجنائية باعتباره همزة الوصل بين ارتكاب الجريمة، وتوقيع العقوبة على مرتكبها استفاء لحق الدولة في توقيع الجزاء عليه.

فالقاعدة القانونية لا فائدة من وجودها إذا لم تكن قابلة للتطبيق، والدولة وإن كان لها الحق في توقيع الجزاء، إلا أن وسيلتها في ذلك محددة بطريقة صارمة، وهي تحريك الدعوى الجنائية.

أهمية قانون المسطرة الجنائية

ومن هنا تتبين أهمية قانون المسطرة الجنائية باعتباره قانون إجرائي ينظم سلطة الدولة، وأجهزتها في الاعتقال، والمتابعة، والمحاكمة، والعقاب، ويحدد القواعد المتعين تطبيقها واحترامها في جميع الإجراءات القضائية التي تعقب ارتكاب الجريمة، وكيفية عمل الشرطة، والدرك، والقضاة، ومرورا بالبحث، والتحقيق، والبت فيها، وانتهاء بتنفيذ الجزاء الصادر بشأنها.

غير أنه من الطبيعي أن تمس بعض قواعد المسطرة الجنائية بحقوق وحريات الأفراد، لأنه بقدر ما يهدف إلى حماية حريات الأفراد وضبان محاكمة عادلة لهم، بقدر ما يروم مكافحة الجريمة وحماية الأمن العام وسلامة الأشخاص والممتلكات، وهي معادلة صعبة تقتضى حماية مصلحتين وعدم إهدار أحدهما للأخرى.

ولا تخفي أهمية قانون المسطرة الجنائية من جهة أخرى كونه يتناول بالتفصيل، المبادئ الأساسية التي يقرها الدستور، ولعل المبادئ المتعلقة بحرية الأفراد أو حرمة المسكن، لأبرز دليل على ذلك.

مبادئ المسطرة الجنائية

وما يجب التأكيد عليه في هذا المقام، هو ضرورة التقيد عند وضع قواعد إجرائية ماسة بحريات وحقوق الأشخاص، بالضوابط والمعايير المتفق عليها عالميا، والتي لا تخرج عن ثلاث مبادئ أساسية تتجسد في مبدأ “الضرورة”، أي لا مجال لوضع قاعدة إجرائية مقيدة للحرية ما لم تقتضيها الضرورة ومبدأ “التناسب” من خلال مراعاة التوازن بين الحرية و الحق المراد المساس به والغاية المتوخاة من وضع القاعدة الإجرائية ومبدأ “الشرعية” الذي يقتضي احترام الضوابط المفروضة عند صياغة قاعدة قانونية.

کما أن قانون المسطرة الجنائية يمتاز بخاصية في غاية الأهمية والدقة تكمن في الرسالة التي يحملها، وهي تحقيق وإعلان الحقيقة الواقعية في الدعوى الجنائية على عكس الحقيقة القانونية أو الشكلية المعبر عنها في النزاعات المدنية، وهذه الحقيقة تعكس بوضوح وتجسيد مبدأ وقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وتجسد المحاكمة العادلة والردع العام الذي لا يستقيم إلا بالتطبيق السليم للقانون، وفي هذا المعنى يقول مونتسکیو “أن سبب كل انفلات إجرامي لا يرجع إلى اعتدال العقوبة وإنا إلى عدم العقاب على الجريمة “.

التطور التاريخي للمسطرة الجنائية

وفيما يتعلق بالتطور التاريخي تكشف دراسة تاريخ قانون المسطرة الجنائية عن وجود نظامين للإجراءات يتقاسمان تاريخ المجتمعات، وهما النظام الاتهامي والنظام التفتيشي.

يعد النظام الاتهامي الأقدم ظهورا، حيث كانت الدعوى الجنائية خصومة لا تختلف كثيرا عن الخصومة المدنية، ذلك أن الدعوى الجنائية لم تكن لتتحرك عن الجريمة إلا إذا باشرها المجني عليه، وكانت الإجراءات تباشر علانية وفي حضور الخصوم کما كان مبدأ شفهية المرافعات سائدا.

أما النظام التحقيقي أو التفتيشي فيستمد تسميته من البحث والتحري الذي تنطلق به الإجراءات، وارتبط ظهوره باحتكار الدولة المجموع السلط.

فالخصومة لم تعد خصومة عادية بين أطراف متساوية في الحقوق والواجبات وإنما، أصبح الاتهام من وظائف الدولة تمارسه بواسطة هيئة خاصة هي النيابة العامة، وبالتالي انعدمت المساواة بين الأطراف وأصبحت بهذا الاتهام تتمتع بعدة امتيازات، أما عن إجراءات الدعوى فكانت على عكس النظام الاتهامی سرية فلا يجوز جريانها علنا، ومكتوبة، وتجري في غیر حضور الخصوم.

المسطرة الجنائية المغربية

أما المشرع المغربي، ومعه أغلب التشريعات الجنائية، يأخذ في الوقت الحاضر بالنظام المختلط، حيث نجده تبنى نظاما وسطا يعتمد النظام التفتيشي خلال مرحلة البحث عن الأدلة والتثبت من وقوع الجرائم حيث تسود السرية والكتابة، وعدم الوجاهية مع نوع من التلطيف، وذلك بتمكين المشتبه فيه من مؤازرة الدفاع ضمن شروط محددة، بينما يظل النظام الاتهامي يسود الإجراءات خلال المحاكمة حيث العلنية والحضورية والشفوية.

و تجب الإشارة في هذا المقام إلى أبرز المحطات التي مر منها قانون المسطرة الجنائية، ذلك أن مضامین ومقتضيات هذه الأخيرة، قد تطورت بشكل تناسبي مع تطور الفكر القانوني المغربي من جهة، وتزايد الإحساس المجتمعي بالحاجة إلى حماية الحقوق والحريات من جهة ثانية، دون نسيان علاقة المملكة بالمواثيق والمعاهدات الدولية التي أبرمتها من أجل النهوض بتكريس ثقافة حقوق الإنسان ومنح القيمة القانونية اللازمة لكل طرف في الخصومة الجنائية منذ بدايتها إلى نهايتها، من أجل نيل اعتراف دولي بكون المملكة المغربية سباقة مقارنة مع مجموعة من الدول العربية والإسلامية المجاورة إلى تعزيز المكانة القانونية لدولة القانون والمؤسسات، ناهيك عن الوعي الحقوقي الذي آلت إليه مختلف فعاليات المجتمع المدني.

ومما لا شك فيه على أن أول قانون للمسطرة الجنائية عرفه التشريع المغربي هو الظهير الشريف رقم 1. 58 . 261 ، الصادر في 10 فبراير 1959 الموافق ل فاتح شعبان 1378 هجرية، والذي استمر العمل به إلى غاية 25 جمادی الثانية 1383 هجرية الموافق ل 13 نونبر 1963 حيث تم تغييره بمقتضى الظهير الشريف رقم 1. 63 . 271 ، وبعد ذلك مباشرة كمرحلة ثالثة تدخل المشرع مع بداية السبعينات بتغيير و تعديل هذا الأخير عن طريق قانون الإجراءات الانتقالية بمقتضى الظهير الشريف رقم 448-74-1، الصادر بتاريخ 11 رمضان 1394 هجرية، والموافق ل 28 شتنبر 1974، الذي بقي العمل به إلى حين دخول القانون رقم 01-22، إلى حيز التطبيق بالرغم من أنه قد عرف عدة تعديلات من بينها تعديل سنة 1993.

ولا شك أن القانون رقم 01-22 الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 255-02-01 والمؤرخ في 25 رجب 1423 هجرية، الموافق ل 3 أكتوبر 2002، والذي دخل حيز التطبيق والتنفيذ في فاتح أكتوبر 2003 4 كقانون جديد للمسطرة الجنائية، اعتبر في مرحلته من بين أرقى القوانين الإجرائية الجنائية، نظرا للمستجدات التي أتى بها، والتي لم تكن حاضرة بين دفتي القوانين السابقة، إلا أنه ومع ذلك لم يستقر هذا القانون على حال واحدة بالرغم من نقاط الامتياز ونقاط القوة التي جاء بها، وإنما تم تعديله وتتميمه بمقتضى العديد من القوانين الصادرة في إطار مخطط إصلاح القضاء، نذكر منها القانون رقم 10-36 والقانون رقم 10 -37 والقانون رقم 11-35، وكانت الغاية بذلك هي سد لبعض مظاهر النقصان التي اعترته لا محالة.

هذا وأن مظاهر القصور تلك، مسألة طبيعية مادام أن المجتمع يتطور بتطور الزمن، فكذلك هو الحال بالنسبة للقوانين التي يجب أن تتطور بتطور الجماعات الاجتماعية وبحسب ظروف الزمان.

وبناء عليه، فقد عملت وزارة العدل والحريات، تفعيلا لمخطط الإصلاح الشامل والعميق المنظومة العدالة، على إطلاق مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، والتي شملت العديد من التعديلات والتغييرات في موادها، بالإضافة إلى العديد من الفصول الجديدة، سواء من خلال مراجعة مقتضيات الوضع تحت الحراسة النظرية، أو ترشيد الاعتقال الاحتياطي، أو تعزيز دور المحامي في مرحلة ما قبل تحريك المتابعة الزجرية، وصولا إلى اعتیاد وسائل علمية وتقنية في البحت عن الجرائم، ومنه هيئة المحكمة سلطة تغيير التكيف القانوني في الجنح إلى غير ذلك من التعديلات الجد مهمة.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!