تفويت الأراضي الجماعية

تفويت الأراضي الجماعية

تفويت الأراضي الجماعية

لاشك أن المستعمر عندما نص في الفصل الرابع من ظهير 27 أبريل 1919 على عدم قابلية تفويت الأراضي الجماعية أو الحجز أو الاكتساب بالتقادم، كان يهدف إلى حمايتها وحصر المنفعة المحصل عليها في الجماعة المالكة وتهييئها لخدمة طموحاته الاستعمارية،

إلا أن الواقع العملي أثبت فيما بعد أن مسألة التمسك بهذا المبدأ بشكل مطلق سيجعل منها عائقا من عوائق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الشيء الذي تم التنبيه إليه فيما بعد، وتم استثناء من المبدأ السماح بعملية تفويت الأراضي الجماعية تحت سلطة الوصاية إلى كل من الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والجماعات السلالية الأخرى.

ولفهم هذه المؤسسة القانونية وما أعقبها من تغييرات ابتداء من دخول المستعمر إلى الآن سوف نقوم بدراسة أطوار قبول التفويت (الفقرة الأولى)، ثم سنتطرق بعد ذلك للاستثناءات الواردة على إمكانية عدم جواز تفويت الأراضي الجماعية وما يشوبها من عراقيل (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: أطوار قبول التفويت

لتفادي الفوضى التي كانت تعرفها الأراضي الجماعية قبل دخول الحماية قام المستعمر بسن أول مقتضى قانوني في شكل دورية بتاريخ فاتح نونبر 1919 نص فيها على إبقاء الأراضي التي تستغلها القبائل بكيفية جماعية على حالها، وأصدر في 7 يوليوز 1914 ظهيرا يمنع تحرير عقود التملك المتعلقة بالأراضي الجماعية.

ورغبة كذلك في تكريس حماية الأراضي الجماعية وحصر منفعتها في الجماعة التي لها الحق فيها، وتمهيدا للاستحواذ عليها في مرحلة لاحقة قام المستعمر بسن ظهير 27أبريل 1919 الذي نص في فصله الرابع على أن الأراضي الجماعية غير قابلة للتفويت، ومعنى هذا المبدأ عدم جواز نقل ملكيتها إلى الغير ببيعها أو بكل عقد آخر قد يؤدي في النتيجة إلى نقل ملكيتها إلى الغير كالرهن مثلا

وقد تم بروز معالم طموحات المستعمر في الاستحواذ على الأراضي حين قام هذا الأخير بإصدار ظهير1951 ، الذي أقر إمكانية تفويت الأراضي الجماعية الواقعة في المراكز الحضرية وضواحيها لفائدة الأفراد والدولة والجماعات القروية، وذلك بهدف تسهيل استيلاء الإدارة الاستعمارية على مساحات شاسعة عن طريق تفويت الأراضي الجماعية بدعوى العمل على استصلاحها بطريقة عقلانية وجعلها تساير التطورات التي يفرضها العصر

وبالفعل فقد تم إدخال بعض الملكيات آنذاك تدريجيا في المدارات الحضرية في العديد من المدن المغربية كسلا، القنيطرة، مكناس، خريبكة، وغيرها

لكن كان من الطبيعي أن تفكر الدولة المغربية غداة الحصول على الاستقلال في استرجاع الأراضي الجماعية التي تم الاستحواذ عليها بموجب قوانين وضعتها الإدارة الاستعمارية لصالح المعمرين ولصالح العديد من كبار ملاكي الأراضي المغاربة الذين استغلوا الفرصة التي أتاحها لهم هذا الظهير لتوسيع ملكياتهم الزراعية مقابل التغاضي عن أعماله وتسهيل مأمورية استلاب الأراضي

فكان أن تم إصدار ظهير 1959 المتعلق بفسخ تفويتات الانتفاع الدائم وبمراجعة عقود الأكرية المبرمة لأمد طويل ، وظهير 30 يونيو 1960 المتعلق بفسخ التفويتات المجراة بشأن الأراضي الجماعية ، حيث مكن الظهير الأول من استرداد 27.640 هكتار من الأراضي المستغلة من طرف مزارعين فرنسيين، والثاني انصب على استرداد ما يقارب 2500 هكتار، زيادة على إلغاء الامتيازات والتصرفات الدائمة المرتبطة بهذه الأراضي

وعموما فبالرغم من النتائج الإيجابية التي تم تسجيلها بخصوص استرجاع بعض الأراضي إلا أن مجموعة أخرى منها لم يتم استرجاعها، مما يطرح تساؤلات عريضة عن مصير الباقي من الأراضي من جهة، ومن جهة أخرى فقد أثار تطبيق ظهير 1959 شكايات واعتراضات خاصة حول إنفراد مجلس الوصاية بالاختصاص في اتخاذ قرارات نهائية في هذا المجال،

 لأنه لا يعقل أن يكون الشخص طرفا وحكما في آن واحد، بحيث أن مجلس الوصاية هو الذي أذن بالتفويت وفي نفس الوقت هو طرف في النزاع، إضافة إلى أن الأمر لم ينحصر في هذه الحدود فقط بل تعداه إلى مطالبة السفارة الفرنسية على الخصوص بتعويض المستفيدين سابقا من حقوق الاستغلال الدائم تعويضا تاما ومناسبا، وكأن الأمر يتعلق بنزع ملكية مكتسبين بطرق مشروعة، وأشارت بهذه المناسبة إلى قضية الفرنسيين الذين يستغلون حسب رأيها أراضي جماعية عن حسن نية وإلى الظروف المادية التي يعاني منها هؤلاء في انتظار البت في مصير أملاكهم والتوصل بتعويض عنها 144

ومن جهة ثالثة فإن التدابير التي جاء بها كل من ظهيري 1959 و 1960 السالفي الذكر قد خرقت مبادئ التحفيظ العقاري والقوة الثبوتية المطلقة للبيوعات التي تم تسجيلها في السجلات العقارية بموجب تشريعات كانت نافذة المفعول بتاريخ تحفيظ أو تسجيل تلك الحقوق

لذلك عمل المشرع على تدارك ذلك بظهير 3 أكتوبر 1970 ، الذي اعتبر في فصله الأول أن أحكام ظهير 1960 لا تشمل العقارات التي كانت في تاريخ نشره جارية على ملك أشخاص ذاتيين مغاربة بناء على تحفيظ أو تقييد في السجلات العقارية، كما أنه لا تطبق حسب الفصل الثاني منه على الأملاك المحررة بشأنها رسوم اقتناء لم تقيد بعد في السجلات العقارية ويكون لها تاريخ ثابت قبل 12 غشت  1960

الفقرة الثانية: الاستثناءات الواردة على إمكانية جواز تفويت الأراضي الجماعية

سوف نتناول في هذه الفقرة القواعد المنظمة للاستثناءات الواردة على مبدأ جواز تفويت الأراضي الجماعية )أولا(، ثم الإدلاء بعد ذلك ببعض النماذج لعقود تفويت لهذه الأراضي الواقعة بمدينة مكناس )ثانيا(، على أن نختم هذه الفقرة بطرح بعض الملاحظات حول هذه العملية )ثالثا(.

أولا: قواعد تنظيم مبدأ جواز تفويت الأراضي الجماعية

نص الفصل 11 من ظهير 27 أبريل 1919 المعدل بمقتضى ظهير 6 فبراير 1963على” أن اقتناء عقار جماعي من طرف الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية أو الجماعات الأصلية يمكن إنجازها خلافا لمقتضيات الفصل الرابع من نفس الظهير، إما بالمراضاة إذا كانت الجماعة المالكة ومجلس الوصاية متفقين على مبدأ وشروط التفويت، وإما بواسطة نزع الملكية في حالة العكس”.

وفي إطار هذه الإمكانية أصبح من حق الجماعات السلالية تفويت حقها إما إلى جماعة سلالية أخرى أو إلى الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ، وقد أردفت سلطة الوصاية هذا المقتضى بعدة دوريات، نذكر من بينها الدورية الصادرة بتاريخ 13 أبريل 1992 بخصوص مشاريع تفويت الأراضي الجماعية ، بحيث جاء فيها أنه على الجماعات الأصلية ألا توافق على طلبات الاقتناء المقدمة إليها إلا بعد دراستها والتحقق من أن عملية التفويت تحقق المنفعة لكلا الطرفين، وألا يقوم المقتني بالشروع في استغلال هذه العقارات إلا بعد الاتفاق على ثمن البيع وإجراءات نقل ملكية العقارات بعد صدور قرار مجلس الوصاية،

وإلى جانب هذا، أشار الفصل 11 إلى طريقة اقتناء الأراضي الجماعية، وذلك إما بالمراضاة حيث يتفق الأطراف معا على شروط التفويت والثمن إلى غير ذلك … وإما عن طريق نزع الملكية للمنفعة العامة مقابل تعويض يحدد وفق العناصر المنصوص عليها في المادة 20 من القانون رقم 7/81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت

 مع إعمال المحكمة لسلطتها التقديرية لتقييم التقديرات الواردة في تقارير الخبرة حفاظا على المصلحة العامة وضمانا لحقوق الأطراف، وهو ما تم رصده من خلال الإطلاع على بعض الأحكام الصادرة عن كل من محكمتي الرباط ووجدة الإداريتين

ويتم التفويت عن طريق السلطة المحلية التي تستدعي الجماعة النيابة لإعطاء موافقتها على التفويت إما عن طريق تحرير محضر رسمي يتضمن توقيعات الأعضاء والمصادقة عليها أو عن طريق رسم عدلي يشهد فيه النواب بموافقتهم على التفويت، ثم تعمد السلطة إلى عرضه على مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية لكي يتخذ مجلس الوصاية قراره بذلك.

وأن هذا القرار القاضي بالسماح بالتفويت والمحدد لشروط عقد التفويت يحرر من طرف المديرية المذكورة، وذلك بعد الإطلاع على محضر لجنة التقويم ومحضر الموافقة الصادر عن النواب، ويجب أن يتضمن الإذن بالبيع الثمن وكذا الشروط المضمنة لصالح المنتفعين بالأراضي إن وجدت، كإعادة إسكان الأسر المتواجدة قبل عملية الاقتناء بالعقار موضوع التفويتات أو بتحمل التعويضات المادية لتلك العائلات عن التجهيزات التي كانت مقامة من طرفهم في الأرض موضوع التفويت

ثانيا: ملاحظات حول تفويت الأراضي الجموع

فبالرغم من كون مجموعة من التفويتات التي تم على إثرها إنجاز مشاريع تنموية كبيرة ساهمت بشكل أو بآخر في حل أزمة السكن وتنشيط الحركة الاقتصادية للبلاد بشكل عام، إلا أنها لا تخلوا من مؤاخذات نذكر من بينها :

– فالوضع الذي توجد عليه الأراضي الجماعية لا يمكن أن يشكل فاعلا حقيقيا في التنمية، نظرا لصعوبة التوفيق بين مطالب الجماعات الأصلية والمؤسسات أو الجماعات التي قامت باقتناء أرض جماعية، بحيث في بعض الأحيان يتم رفض ذوي الحقوق تسلم التعويض نظرا لهزالته فيلتمسون إعادة النظر فيه أو تخصيص قطعة فلاحية كبديل لهم عن العقار موضوع التفويت.

– في بعض الأحيان يكون موضوع التفويت يخص إنشاء شيء معين ثم فيما بعد يتبين أن التخصيص تم لشيء آخر، كما هو الحال بالنسبة للأراضي الجماعية لسيدي سليمان مول الكيفان، حيث قامت الجماعة الحضرية بالإشارة في طلبها أن عملية الاقتناء تخص إنشاء مركب رياضي يعود بالنفع على أفراد الجماعة السلالية بينما تم تعويضه بسوق أسبوعي

– صعوبة تحديد ذوي الحقوق الذين يحق لهم الحصول على التعويض مقابل تفويت عقارهم الجماعي.

– أن بعض الجماعات السلالية تقوم بتجزيء أنصبتها الجماعية خوفا من نزعها منهم من طرف الدولة بقصد إنجاز مشاريع عمرانية وتعويضهم تعويضا هزيلا، كما سبق أن وقع لذويهم من عمليات سابقة ، الشيء الذي يؤدي بالنتيجة إلى تشييد أحياء وتجزئات عشوائية فوقها

– أن التفويت يؤدي بالنتيجة إلى وقوع تغيير مفاجئ على ذوي الحقوق يؤثر سلبا على أسلوب عيشهم وفقدانهم لامتيازاتهم القروية، خاصة من عمل ومسكن ملائم ، بحيث يكون الفرد حائزا لمساحة كبيرة يقع فيها منزله وحظيرته، فإذا به يصبح ممتلكا لشقة صغيرة لا تكفي لحاجياته كمسكن في إطار التفويت لبناء مساكن، وبالتالي سيكون حجم الضرر أكبر من حجم النفع الذي سيرجع عليه

– المشاكل الناتجة عن التأخير الحاصل في أداء ثمن الصفقات، خصوصا التفويتات التي تتم لفائدة بعض مصالح الدولة أو الجماعات المحلية التي تعاني من قلة مواردها المالية

– عدم رضا القبائل بتفويت حقوقها نظرا للمكانة التي لازالت تحتلها الملكية الجماعية في المجتمع المغربي

– أن بعض الأراضي يتم تفويتها بشكل منافي للظهائر لفائدة الأجانب عن الجماعة

– توسيع مصالح الوصاية في الاستثناء الممنوح لها بخصوص إمكانية الاقتناء للأراضي الجماعية، حيث أقحمت مبدأ الشراكة بينها وبين المصالح الراغبة في الاستثمار في الأراضي الجماعية وخاصة المؤسسات التابعة للدولة والمتخصصة في ميدان السكنى

– أن بعض المؤسسات العمومية والجماعات المحلية وخاصة القروية قد قامت بالاستحواذ على مجموعة من الأراضي الجماعية دون أي اتفاق، وقامت بإحداث أسواق أو بناءات معينة دون أي اعتبار لحقوق الجماعة السلالية

ولكي يتم تجاوز مختلف الصعوبات والمشاكل التي قد تكون مرتبطة إما بأفراد الجماعات السلالية وإما بالمؤسسات العمومية أو الجماعات المحلية يجب على المشرع القيام بوضع ضوابط وعقوبات زجرية صارمة على مختلف كل التصرفات التي تكون منافية للقواعد المنظمة للأراضي الجماعية من جهة، والعمل على تشجيع أعضاء الجماعات السلالية على تجاوز الأفكار المتشددة التي ترى في الحفاظ على أملاكها الإطار الذي يحافظ على هويتها من جهة ثانية

وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنه إذا ما تم احترام جميع الإجراءات المسطرية لعملية التفويت وقامت الجماعات السلالية بتقديم المساعدات الضرورية لاشك أن هذه العملية ستعود بالنفع على ذوي الحقوق عن طريق إنجاز مشاريع لفائدتهم كإقامة الدور والتجزئات السكنية وإدخال مجموعة من التجهيزات الحديثة، وبناء المدارس والمستوصفات، وإنجاز الطرق المعبدة والكهرباء، إضافة إلى المشاركة الجادة في عملية تحديث هذا القطاع الحيوي وإدماجه في إطار التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها بلادنا جهويا ووطنيا.

كما أنه ولأجل الخروج عن الاستثناء الذي يقضي بالسماح بالتفويت إلى الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والجماعات الأصلية فقط، لابد من إشراك الخواص في هذه العملية أيضا عن طريق السماح بتفويتها لهم من أجل القيام بمشاريع ذات منافع عامة، كإنجاز تجزئات سكنية لحل أزمة السكن، خصوصا إذا كانت بالمدارات الحضرية للمدن عوض جمودها أو جعلها مكان لانتشار دور الصفيح، لأن الدولة والجماعات المحلية غالبا ما تتغاضى عن المناطق التي تكون بعيدة نسبيا عن المراكز الحضرية أو أنها لا تعتبر وجهة لتوجيه الاقتصاد والسياحة مثلا

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.ne

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!