تغير الفتوى

تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف

تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف

تغيير الفتوى : من المعلوم باستقراء النصوص أن أحكام الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، وإقامة القسط بينهم، وإزالة المظالم والمفاسد عنهم، وهذا ما ينبغي مراعاته عند تفسير النصوص وتطبيق الأحكام، فلا يجمد الفقيه على موقف واحد دائم، يتخذه في الفتوى أو التعليم أو التأليف أو التقنين، وإن تغير الزمان والمكان والعرف والحال، بل ينبغي مراعاة مقاصد الشريعة الكلية وأهدافها العامة ، عند الحكم في الأمور الجزئية الخاصة

كلام ابن القيم في تغير الفتوى:

ومن ثم قرر المحققون كالعلامة ابن القيم وغيره : أن الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والعوائد، والنيات، وعقد الإمام ابن القيم لذلك فصله الممتع في كتابه “إعلام الموقعين،” وقال في مقدمة هذا الفصل كلمته التي أصبحت منارة هندی به بعد:

“هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع – بسبب الجهل به – غلط عظيم على الشريعة، أوجب من المخرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة – التي في أعلى رتب المصالح – لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها..

فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل»…

فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسول الله لا أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، ومداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه الذي به دواء كل عليل، وطريقة المستقيم الذي من من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل

الأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة:

وليس معنى هذا أن أحكام الشريعة كلها قابلة لتغير الفتوى بها، بتغير الزمان ، والمكان والغرف، فمن أحكام الشريعة ما هو ثابت عام دائم، ولا مجال فيه للتغير والاختلاف مهما دار الفلك وتغيرت الظروف والأحوال…

وفي هذا يقول ابن القيم نفسه في كتابه «إغاثة اللهفان»:

الأحكام نوعان : نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ، ولا الأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقررة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه

والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له، زمانا، ومكانا، وحالا كمقادير التعزیرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشرع ينوع فيها بحسب المصلحة، وبعد أن ذكر ابن القيم جملة من الأمثلة والوقائع الدالة على ذلك، قال : وهذا باب واسع. اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي لا تتغير، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودا وعدما .

وهذا الذي قرره المحقق ابن القيم بقوة ووضوح، وقرره – بصورة ما – علماء محققون في المذاهب الأخرى مثل الإمام القراني المالكي في كتابه “الإحكام” وكتابه “الفروق”، ومثل العلامة الحنفي ابن عابدين في رسالته انشر العرف في بناء بعض الأحكام على الغرف، كما بينا ذلك في كتابنا “شريعة الإسلام”

هل لتغير الفتوى دليل من القرآن؟

هذه القاعدة الجليلة التي تقرر تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: هل نجد لها أصلا ودليلا من القرآن والسنة؟

أما السنة، فقد ذكر ابن القيم عدة أمثلة منها، ومن أقوال الصحابة وأفعالهم، وسنفصل ذلك فيما بعد.

وأما القرآن فلم يحاول ابن القيم – رحمه الله – أن يستدل به، ولم أر أحدا غيره حاول الاستدلال به على ذلك أيضا.

ويلوح لي أن من يدقق النظر في كتاب الله، يجد فيه أصلا لهذه القاعدة المهمة، وذلك في عدد من الآيات التي قال كثير من المفسرين فيها: منسوخة وناسخة

والتحقيق انها ليست منسوخة ولا ناسخة، وإنما لكل منها مجال تعمل فيه ، وقد تمثل إحداهما جانب العزيمة، والأخرى جانب الرخصة، أو تكون إحداهما للإلزام والإيجاب، والأخرى للندب والاستحباب، أو إحداهما في حال الضعف، والأخرى في حال القوة … وهكذا…

والمعنى كما يقول صاحب المنار: «إن أقل حالة للمؤمنين مع الكفار في القتال أن ترجع المائة منهم على المائتين، والألف على الألفين، وإن هذه الحالة رخصية خاصة بحال الضعف، كما كان عليه المؤمنين في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات، وهو وقت غزوة بدر، فقد كانوا لا يجدون ما يكفيهم من القوت، ولم يكن لديهم إلا فرس واحد، أو فرسان، وأنهم خرجوا بقصد لقاء العير، غير مستعدين للحرب، ومع هذا كله كانوا أقل من ثلث المشركين الكاملي العدة والأهبة.

ولما كملت للمؤمنين القوة، كما أمرهم الله تعالى أن يكونوا في حال العزيمة كانوا يقاتلون عشرة أضعافهم أو أكثر، وينتصرون عليهم، وهل تم لهم فتح ممالك الروم والفرس وغيرهم إلأ بذلك؟ وكان القدوة الأولى في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في عهده ومن بعدها.

وذهب بعض المفسرين إلى أن آية العزيمة من هاتين الآيتين منسوخة بأية الرخصة التي بعدها، بدليل التصريح بالتخفيف فيها: ( الئن خفف الله عنكم ) ولكن الرخصة لا تنافي العزيمة، ولا سيما وقد غللت هنا بوجود الضعف، ونسخ الشيء لا يكون مقترنة بالأمر به، وقبل التمكن من العمل به، والظاهر أن الآيتين نزلتا معا.

أصل تغير الفتوى من السنة :

الناظر في السنة النبوية يجد لهذه القاعدة – تغير الفتوى – أصلا فيها، ودليلا عليها، في أكثر من شاهد ومثال. وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير» بالإشارة إلى الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن المباشرة للصائم، فرخص له، وآتاه آخر فسأله، فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب

وهذا الحديث ضعيف السند لا يعتمد عليه في إثبات هذه القاعدة المهمة إلا أن لهذا الحديث شاهدا يشد أزره، رواه الإمام أحمد في مسنده، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنا عند النبي فجاء شاب، فقال: با رسول الله ، أقبل وأنا صائم ؟ قال : لا. فجاء شيخ، فقال : يا رسول الله ، أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله : قد علمت نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه”

على أن الاستدلال لهذه القاعدة الجليلة لا يتوقف على هذا الحديث، أو ذاك فهناك أحاديث صحاح يمكن الاستدلال بها، مثل: حديث سلمة بن الأكوع، عند البخاري، وغيره قال: قال النبي : من ضحى منکم، فلا يصبحن بعد ثلاثة ، ويبقى في بيته منه شيء”

فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله ، نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال : اكلوا واطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد (أي شدة وازمة) فأردت أن تعينوا فيها”

وفي بعض الأحاديث: “إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت” يعني القوم الذين وفدوا على المدينة من خارجها.

ومعنى هذا أن النبي لا نهی عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام في حالة معينة ، ولعلة طارئة ، وهي وجود ضيوف وافدين على المدينة في هذه المناسبة الطيبة، فيجب أن يوفر لهم ما يوجبه كرم الضيافة، وسماحة الأخوة من لحم الضحايا، فلما انتهى هذا الظرف العارض، وزالت هذه العلة الطارئة، زال الحكم الذي أفتى به الرسول تبعة لها، فإن المعلول يدور مع علته وجودا وعدمة وغير النبي الكريم فتواه من المنع إلى الإباحة، ولهذا صرح في أحاديثه بإباحة الادخار بعد ذلك قائلا: “كنت نهيتكم عن أدخار لحوم الأضاحي، فكلوا وأطعموا، وادخروا” كما في الصحيح،

فهذا مثل واضح لتغير الفتوى بتغير الأحوال.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!