تعريف التحقيق الإعدادي والجهات المكلف به

تعريف التحقيق الإعدادي والجهات المكلف به

تعريف التحقيق الإعدادي والجهات المكلف به

تعريف التحقيق الإعدادي:

يشكل التحقيق الإعدادي – مرحلة وسطية – بين البحث التمهيدي الذي تقوم به الشرطة القضائية والمحاكمة، يتمتع خلالها قاضي التحقيق بمجموعة من الصلاحيات ذات طبيعة قضائية صرفة، تهدف إلى تعميق البحث وتمحيص الأدلة ووسائل الإثبات وتحديد معالم الجريمة وأوصافها.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي لم يعرف التحقيق الإعدادي، ولم يعرض لذلك ضمن قانون المسطرة الجنائية الجديد، مما قد يجعل البعض يخلط بين التحقيق بوجه عام الذي يطبع الخصومة الجنائية منذ بداية البحث التمهيدي فيها إلى غاية صدور حکم بشأنها، وبين مرحلة التحقيق الإعدادي التي تتميز بصبغتها القضائية المحضة وبإجراءاتها الدقيقة حيث تتوسط مرحلة البحث التمهيدي ومرحلة المحاكمة.

علاوة على ذلك، وضع القانون للتحقيق الإعدادي نظاما قانونيا وإجرائيا متميزا من خلال سن مجموعة من القواعد والأحكام ضمن القسم الثالث من الكتاب الأول ضمن المواد 83 إلى 250 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بالتحري عن الجرائم ومعاينتها.

انسجاما مع ذلك، يمكن تعريف التحقيق الإعدادي بأنه مرحلة قضائية تتوسط البحث التمهيدي والمحاكمة، تنصب على الجنايات والجنح على حد سواء، وتهدف إلى تمحيص الأدلة والتثبت من وقوع الجرائم باتخاذ مجموعة من الإجراءات والبت في وضعية المتهم بمتابعته وإحالته على المحكمة أو عدم متابعته وحفظ القضية في حقه.

الجهات المكلفة بالتحقيق الإعدادی:

تكمن فلسفة التحقيق الإعدادي في مجموعة من الإجراءات والتحريات التي خولها المشرع لقاضي التحقيق بغية الوصول إلى الحقيقة التي تتمثل في توجيه الاتهام إلى شخص معين أو نفيه عنه.

يعتبر قاضي التحقيق هو الطرف الأصيل في القيام بمهام التحقيق، لأنه المكلف أساسا بالتحقيق الإعدادي، في حين تتداخل معه بعض الجهات الأخرى، إما باعتبارها تمارس نوعا من الرقابة على إجراءات وأوامر قضاة التحقيق، وهي بهذا المعنى درجة من درجات التحقيق الإعدادي كما هو الشأن بالنسبة للغرفة الجنحية  بمحكمة الإستئناف، أو في إطار الإنابة القضائية حيث يعهد لضباط الشرطة القضائية القيام بمهام التحقيق في إطار مسطرة خاصة، وكذلك عندما تكلف بعض الجهات استثناء القيام ببعض إجراءات التحقيق بمقتضى نص خاص مثل الغرفة الجنائية بمحكمة النقض.

الفقرة الأولى: الجهات الأصلية للتحقيق الإعدادي:

حدد المشرع المغربي بمقتضى قانون المسطرة الجنائية، الجهات الأصيلة التي أنيط بها التحقيق الإعدادي، وتتمثل في قاضي التحقيق, والغرفة الجنحية للتحقيق بمحكمة الإستئناف.

أولا : قاضي التحقيق

نشير أن المشرع المغربي بمقتضى قانون المسطرة الجنائية الذي دخل حيز التنفيذ في فاتح أكتوبر 2003، أحدث مؤسسة قضاء التحقيق بالمحاكم الإبتدائية، بعد أن كان التحقيق مقتصرا على قضاة التحقيق بمحاكم الإستئناف.

يتم تعيين قضاة التحقيق سواء بمحاكم الإستئناف أو المحاكم الابتدائية بقرار لوزير العدل والحريات لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ويتم إعفاؤهم بنفس الطريقة، وذلك بناء على اقتراح من طرف الرئيس الأول بالنسبة لمحاكم الاستئناف، ورئيس المحكمة الإبتدائية بالنسبة لمحاكم الدرجة الأولى.

إلا أنه إذا لم يوجد في المحكمة سوى قاض واحد مكلف بالتحقيق وحال مانع مؤقت دون ممارسته لمهامه، يمكن لرئيسها في حالة الاستعجال، وبناء على طلب من النيابة العامة، في انتظار زوال المانع أو صدور التعيين بقرار نظامي، أن يعين أحد قضاة أو مستشاري المحكمة لممارسة هذه المهام، کما تقضي بذلك مقتضيات المادة 53 من قانون المسطرة الجنائية.

ثانيا: الغرفة الجنحية:

تتصل الغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف بالتحقيق الإعدادي في كونها الجهة المختصة بالنظر في طلبات بطلان إجراءات التحقيق والإستئنافات المرفوع ضد أوامر قاضی التحقيق، وبالتالي يمكن اعتبارها درجة ثانية من درجات التحقيق الإعدادي.

وتنص المادة 231 من قانون المسطرة الجنائية على أنه:

 “تنظر الغرفة الجنحية بمحاكم الإستئناف وهي مكونة من الرئيس الأول أو من ينوب عنه ومن مستشارين اثنين بحضور ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط:

أولا : في طلبات الإفراج المؤقت المقدمة إليها مباشرة طبقا لمقتضيات الفقرتين الرابعة الخامسة من المادة 179، وفي تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية المتخذة طبقا للمادة 160؛

ثانيا : في طلبات بطلان إجراءات التحقيق المنصوص عليها في المواد 210 إلى 231 من قانون المسطرة الجنائية.

ثالثا : في الإستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق طبقا للمادة 222 وما يليها من قانون المسطرة الجنائية .

رابعا : في كل إخلال منسوب لضابط من ضباط الشرطة القضائية خلال مزاولته لمهامه طبقا لما هو منصوص عليه في المواد من 29 إلى 35 من هذا القانون.”

وإذا كان التحقيق الإعدادي يهدف إلى تعميق البحث وتمحيص الأدلة بغية الوصول إلى الحقيقة الإجرامية، فإن الغرفة الجنحية يمكنها هي الأخرى أن تقوم بإجراء أي تحقيق تکمیلی تراه مفيدا إما تلقائيا أو بطلب من الوكيل العام للملك أو بطلب من أحد الأطراف.

الفقرة الثانية : الجهات الاستثنائية للتحقيق الإعدادي:

علاوة على قاضي التحقيق والغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف، فهناك جهات أخرى أسند لها المشرع القيام بإجراءات التحقيق استثناء وضمن شروط شكلية خاصة حددها المشرع ونظمها بأحكام وقواعد إجرائية، وتتمثل هذه الجهات الاستثنائية في الغرفة الجنائية بمحكمة النقض؛ و ضباط الشرطة القضائية وقضاة الحكم.

أولا : الغرفة الجنائية بمحكمة النقض:

قد يجري التحقيق استثناء من طرف جهة نص القانون على إسناد هذا الاختصاص لها بمقتضى نص خاص ولأسباب ودواعي استثنائية.

وفي هذا الإطار تنص المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية على أنه:

“إذا كان الفعل منسوبا إلى مستشار جلالة الملك أو عضو من أعضاء الحكومة أو کاتب دولة أو نائب كاتب دولة مع مراعاة مقتضيات الباب الثامن من الدستور أو قاض بمحكمة النقض أو بالمجلس الأعلى للحسابات أو عضو في المجلس الدستوري أو إلى والي أو عامل أو رئيس أول لمحكمة استئناف عادية أو متخصصة أو وكيل عام للملك لديها، فإن الغرفة الجنائية بمحكمة النقض تأمر – عند الاقتضاء – بناء على ملتمسات الوكيل العام للملك بنفس المحكمة بأن يجري التحقيق في القضية عضوا أو عدة أعضاء من هيئتها.

يجري التحقيق حسب الكيفية المنصوص عليها في القسم الثالث من الكتاب الأول المتعلق بالتحقيق الإعدادي, و بعد إنهاء التحقيق يصدر قاضي أو قضاة التحقيق، حسب الأحوال، أمرا قضائيا بعد المتابعة أو بالإحالة إلى الغرفة الجنائية بمحكمة النقض, التي تبت في القضية.

يقبل قرار الغرفة الجنائية الإستئناف داخل أجل ثمانية أيام، وتبت في الإستئناف غرف محكمة النقض مجتمعة باستثناء الغرفة الجنائية التي بنت في القضية, ولا تقبل أية مطالبة بالحق المدني أمام محكمة النقض”.

يتضح من المادة أعلاه أن الغرفة الجنائية بمحكمة النقض هي المختصة بالتحقيق في الأفعال المنسوبة لبعض كبار الموظفين الذين تم ذكرهم على سبيل الحصر، إلا أن هذا الاستثناء على مستوى الأشخاص الخاضعين لإجراءات التحقيق الذي تباشره الغرفة الجنائية بمحكمة النقض لا يؤثر على طبيعتها القانونية بل يتم وفق الأحكام المنصوص عليها في المواد 83 إلى 250 من قانون المسطرة الجنائية .

ثانيا: ضباط الشرطة القضائية وقضاة الحكم (الإنابة القضائية).

منح المشرع القاضي التحقيق حق انتداب أي قاضي آخر للقيام بأحد إجراءات التحقيق من قضاة الحكم، أو ضابط من ضباط الشرطة القضائية للقيام بإجراء ما يراه لازما من أعمال التحقيق بواسطة الإنابة القضائية, وهنا تتضح أهمية الإنابة القضائية في تسهيل عمل قاضي التحقيق خصوصا عندما يتعلق الأمر بالاستماع إلى شخص يتواجد خارج دائرة نفوذه الترابي.

وما يهمنا بخصوص إثارة موضوع الإنابة، هو إدخال جهات أخرى غير أصلية للقيام بإجراءات التحقيق الإعدادي وتتمثل في قضاة الحكم وضباط الشرطة القضائية، فهؤلاء جميعا يحلون محل قاضي التحقيق في بعض الاختصاصات الموكولة إليهم والتي يجب أن يتقيدوا بها.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!