المادة العقارية مقالات

تعدد الشركاء في الشفعة

تعدد الشركاء في الشفعة

عندما يكون العقار المشاع مشتركا بين إثنين فقط فإن كل واحد منهما يستحق شفعة جميع ما يفوته اﻵخر من نصيبه، أما عندما يكون تعدد الشركاء في العقار المشاع فإننا نحتاج إلى معرفة من يستحق الشفعة من هؤلاء الشركاء، ومن لا يستحقها وكيف توزع الحصة المشفوعة بين المستحقين.

فحينما يتعدد الشركاء قد يستحقون الشفعة كلهم في ﺁن واحد ونسميهم حينئذ بالشركاء المتساوين في حق الشفعة ( أولا )، وقد يكون بعضهم أولا من بعض في استحقاق الشفعة ونكون حينئذ أمام ما يسمى بحق الأولوية في الشفعة ( ثانيا ).

أولا : تساوي الشركاء في استحقاق الشفعة

إن ما ينبغي أن نسلم به أن الشركاء كلما كان مدخلهم واحدا إلا واستحقوا الشفعة بالتساوي، وهذا الاستحقاق للشفعة بالتساوي قد يكون سببه الشراء، وقد يكون سببه الإرث، أو الهبة أو الوصية أو غير ذلك من أسباب كسب الملكية.

إلا أن هناك نقاشا بين الفقهاء حول ما إذا كان هؤلاء الشركاء يستحقون الشفعة على عدد رؤوسهم، أم يقتسمون الحصة الشائعة على قدر حصصهم.

فبالنسبة للحنفية إذا تعدد أهل الطبقة من الشفعاء وطلبوا الشفعة جميعا، قسمت بينهم بالتساوي من غير تفضيل صاحب النصيب الأكبر على صاحب النصيب الأصغر، وذلك بأن الأصل عند الحنفية أن السبب في ثبوت الشفعة هو أصل الشراكة لا قدرها، كما أن ثبوت الشفعة إنما يثبت لدفع ضرر الدخيل، وذلك قدر مشترك للجميع ما داموا في طبقة واحدة بلا مرجح، فيثبت للجميع الحق في التساوي

أما الشافعية والمالكية والحنابلة فإن القسمة تكون حسب نسبة كل ما يملكه كل من طالبي الأخذ بالشفعة، لأنها وجبت لكل منهم بسبب ما يملكه من العقار المشترك مع العقار المبيع فيأخذ كل منهم بقدر ما يملكه من هذا العقار[1]

أما بالنسبة للمشرع المغربي، فإذا كانت حقوق الشركاء جميعا مصدرها واحد ( كالإرث أو الشراء ) وأبدو جميعا رغبتهم في الشفعة ،فإنه يجب تطبيق مقتضيات الفصل 26 من ظهير 2 يونيو 1915 الذي يقضي بأنه: ” يمارس هذا الحق ( حق الشفعة ) على نفس العقار من طرف جميع الشركاء كل بقدر نصيبهم، فإن تنازل البعض منهم فإن هذا الحق يمارسه الباقون  بقدر حصصهم.”

وكذلك الفصل 974 من ق.ل.ع الذي ينص ” لكل من المالكين على شياع أن يشفع بنسبة حصته.” وهذا ما نصت عليه أيضا المادة 161 من مشروع القانون 19.00 المتعلق بمدونة الحقوق العينية في فقرتها الثانية التي جاء فيها: ” إذا تعدد الشركاء كان لكل منهم الحق بالشفعة بقدر حصته في العقار المشاع… “.

من خلال النصوص السالفة الذكر يتبين أن التشريع المغربي يتطابق مع قواعد الفقه  الإسلامي جملة وتفصيلا في هذا المجال، وعليه فإن جميع الشركاء يمارسون حقهم في الشفعة وتوزع الحصة المشفوعة بحسب أنصبتهم في الشياع لا بحسب عدد رؤوسهم.

وكما هو معلوم قد يبيع أحد الشركاء نصيبه للغير، كما قد يبيعه لأحد معه من الشركاء معه في العقار، وذلك كما إذا باع شريك حصته لشريك آخر وطالب باقي الشركاء الشفعة فإن ذلك الشريك المشتري يعامل كما لو كان شريكا يطلب الشفعة وليس مشتريا،

ومعنى هذا أن هذا الشريك إذا كان أولى من غيره بالشفعة فلا يستحق أحدهم الشفعة حينئذ، وإذا كان الشركاء الآخرون أو بعضهم أولى منه بالشفعة فإنهم يستحقون شفعة جميع ما اشتراه فيأخذون منه ويوزعونه بينهم حسب نصيب كل واحد منهم،وﺇﻧا كان هذا الشريك في درجة الشركاء الطالبين للشفعة أيضا بحيث يترك له جزء من الحصة على قدر نصيبه الذي كان يملكه قبل الشراء،

وهذا ما نص عليه الفصل 29 من ظهير 2 يونيو 1915 بقوله ” كل شريك في الملك يشتري جزءا من العقار يصبح مشاركا في ممارسة الأخذ بالشفعة كغيره من باقي الشركاء بقدر الحصة التي كان يملكها قبل الشراء

فهكذا يتبين أن الشركاء يكونون مضطرين شرعا وقانونا أن يتركوا للشفيع مقدار نسبة حظه المملوك قبل الشراء من غير أن يرفع دعوى لأنه لا يمكن أن ترفع دعوة شفعة لنفسه ضد نفسه[2].

وفي هذا الصدد جاء قرار للمجلس الأعلى يقضي ” لا يمكن للمشتري الشريك أن يمارس الشفعة من نفسه لنفسه بل يترك له حظه من طرف الشفعاء الآخرين ، إلا أن هذا الترك ليس جبرا عليه فإذا أبدى رغبته في التنازل فلا يترك له “

ثانيا : مراتب الشركاء في الأخذ بالشفعة ( حقوق الأولوية )

حين نتكلم عن مراتب الشركاء فإن هذا يعني أننا نقصد ما يسمى بحق الأولوية في الشفعة، بمعنى أنه في حالة تفويت حصة شائعة في عقار، ويرغب الشركاء في الشفعة فإنها تثبت للبعض دون البعض الأخذ، اعتمادا على من يتمتع بحق الأولوية، وقد نص الفصل 30 من ظهير 2 يونيو 1915 على ” إن حقوق الأولوية في ممارسة الشفعة يبقى العمل جاريا بها بين المسلمين وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية”،

وبالرجوع إلى تلك الأحكام فإذا كان الشركاء غير متساوين في المدخل بأن كان بعضهم أولى من بعض في الأخذ بالشفعة، بأن كان بعضهم شريكا بالمعنى الأخص والبعض شريكا بالمعنى الأعم فإن الشريك بالمعنى الأخص يقدم على الشريك الأعم ويأخذ الحصة كلها إن كان واحدا، ويقسمها مع من في درجته على قدر كل واحد منهم إن كانوا متعددين ولا يستحق الشريك الأعم الشفعة إلا  إذا تنازل عنها الشريك الأخص، أو لم يتقد بطلبها في الوقت الذي طلبها الشريك الأعم أو رضي الشريك الأخص بأن يشترك معه الشريك الأعم قي شفعة الحصة

ونسوق مثلا للشريك الأخص والشريك الأعم وفقا لما عبر عنه الإمام مالك بقوله ” قي الرجل يورث الأرض نفرا من والده ثم يهلك، فيبيع أحد ولد الميت حقه في تلك الأرض فإن أخا البائع أحق بشفعته من عمومته شركاء أبيه

وعليه قسم المالية الشركاء إلى أربعة مراتب:

المرتبة الأولى: الشركاء من النوع الأخص:

ويراد بهم اللذين يشتركون مع البائع بالإرث بفرض واحد وذلك كإحدى الزوجتين عندما تبيع الأخرى نصيبها وكبقية البنات عندما تبيع أختهن واجبها في الحصة التي كان يملكا أبوهن وكالإخوة لأم، وكالجدتين.

المرتبة الثانية: الشريك مع النوع الخاص أو القريب:

ويقصد به الشخص الذي يرث حصة شائعة في العقار الذي ورث فيه البائع، كما إذا مات شخص عن بنتين وزوجتين فباعت إحدى البنتين نصيبها، فإن كلا من الزوجتين تعتبر شريكة خاصة للبائعة. [3]

المرتبة الثالثة: الشريك البعيد أو العام:

وهو الشريك الذي آل إليه نصيب من المال الشائع عن طريق الوصية أو التنزيل، كما إذا مات شخص وترك زوجة و أبا وموصي له بربع، فإذا باعت الزوجة نصيبها اعتبر الموصي له شريكا عاما بالنسبة للباقي

المرتبة الرابعة: الشريك الأبعد أو الأعم:

وهو الذي كان شريكا قبل دخول بقية الشركاء عن طريق الإرث أو الوصية كأن يشتري شخصان عقارا ثم يموت أحدهما عن زوجته وابن وأب فإن الشريك الآخر يعتبر شريكا أبعد بالنسبة لكل وارث.

كما أن المالكية أوجدوا قواعد لتطبيق أحقية بعض الشركاء على آخرين تبعا لمراتبهم على الشكل التالي:

1- يقدم الشريك الأخص على الشريك الأعم.

2- يدخل الشريك الأخص على الشريك العام و لا عكس.

3- يدخل صاحب الإرث بالفرض على صاحب الإرث بالتعصيب ولا عكس.

4- يدخل الوارث على الموصى له ولا عكس.

5- يقدم الشريك في الإرث على الشريك من غير الورثة.

6- ينزل خلف كل شريك منزلته.

7- إذا تنازل المشاركون في السهم عن الشفعة انتقل الحق إلى من يليهم

وقد عبر الأستاذ سليمان الحمزاوي عن مراتب الشفعة بقوله: ” ومراتبها على المعتمد والمعول عليه وهي:

ذو السهام ( الفروض )

العصبة.

الموصى لهم.

الأجانب.

والقاعدة أن حق الشفعة يمارس حسب ترتيب  المراتب المذكورة ولا يمارس دفعة واحدة من طرف كل هذه المراتب، وعليه فيتقدم الشريك البائع في السهم في الأخذ بالشفعة على مطلق الورثة، عصبة كانوا أم أصحاب فروض، ثم الأخص من ذوي السهام على الأعم منهم، ثم العصبة على الموصى لهم، ثم الأخص من العصبة على الأعم منهم ثم الموصى لهم على الأجانب “.

إن المشرع المغربي بدوره يأخذ بالقواعد السابقة الذكر ما دام يحيل في ذلك على الشريعة الإسلامية  في الفصل 30 السابق الذكر، إلا أننا نجده بين  مراتب الشفعاء في الأخذ بالشفعة صراحة في المادة 162 من مشروع القانون19.01، شأنه في ذلك شأن المشرع المصري حيث تكفلت المادة 937 من القانون المدني المصري ببيان حكم تزاحم الشركاء في الشفعة ، حيث تناولت الصور الثلات التي يمكن أن يقع قيها التزاحم.[4]

وقد يطرح تساءل حول ما إذا كان من بين الشركاء شريك غير مسلم أيهما تطبق: قاعدة الأولوية المعمول بها في الفقه الإسلامي، أم القاعدة العامة التي تقضي بتوزيع الحصة على جميع الشركاء الطالبين للشفعة بنسبة ما يملكه كل واحد منهم؟

يرى الأستاذ محمد ابن معجوز أنه في حالة وجود شريك غير مسلم يجب التفريق بين حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون الشريك البائع غير مسلم، إذ يستحق جميع الشركاء الأخذ بالشفعة وتوزع الحصة المشفوعة عليهم بنسبة ما يملكه كل واحد منهم في الشياع.

الحالة الثانية: أن يكون الشريك البائع مسلما، فعندئذ يستحق الشريك غير المسلم الشفعة بحسب نصيبه في الشياع، أما الشركاء المسلمين فتطبق عليهم قاعدة الأولوية المعمول في الفقه الإسلامي[5].

والشفيع سواء كان واحدا أو متعددا، مسلما أو غير مسلم فهو ينتزع عن طريق ممارسة حقه في الشفعة الحصة المشاعة من المشفوع منه، لذلك وجب تحديد المشفوع منه الذي يواجه بالشفعة.


المراجع:

[1] – محمد يوسف موسى، الأموال و نظرية العقد في الفقه الإسلامي، طبعة 1996، مطبعة دار الفكر العربي، ص 199.

[2] – محمد الحمداني ، العمل القضائي في الشفعة، أشغال الندوة الوطنية التي نظمها  مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية تحت عنوان العقار غير المحفظ إلى أين، بكلية الحقوق بمراكش يوم 27و 28 فبراير 2004 منشورات كلية الحقوق بمراكش، ص 144.

[3] – محمد ابن معجوز،الحقوق العينية في الفقه الإسلامي والتقنين المغربي، الطبعة الثانية 1999، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء،ص222.

[4] – للمزيد من التفاصيل حول تزاحم الشركاء في الشفعة حسب القانون المدني المصري انظر:

  -عبد العزيز أبو غدير، التعليق على نصوص الشفعة في القانون المدني، بدون طبعة، مطبعة المعارف لإسكندرية، ص 82.

-السنهوري،مرجع سابق ،ص 592.

-عبد الحميد الشواربي مرجع سابق، ص 63.

[5] – محمد ابن معجوز، أحكام الشفعة في الفقه الإسلامي والتقنين المغربي المقارن، مرجع سابق، ص 426.

تحميل المقال:







Leave a Comment

error: Content is protected !!