تطبيق المعاهدة الدولية

تطبيق المعاهدة الدولية

المبدأ العام هو دخول المعاهدة حيز النفاذ بمجرد استيفاء كافة مراحل إبرامها فضلا عن توافر شروطها الموضوعية، حيث تصبح ملزمة لأطرافها التي يتعين عليها احترام أحكامها و تنفيذ الالتزامات التي تقضي بها استنادا إلى مبدأ حسن النية المنصوص عليه في المادة 26 من اتفاقية فينا على النحو السابق بيانه.

وعليه فإن إخلال أحد أطراف المعاهدة بحكم من أحكامها يجيز بالمقابل لسائر أطرافها فسخها أو الدفع بعدم تنفيذها أو إثارة المسؤولية الأولية في مواجهة الطرف المعني ، و يثير تطبيق المعاهدة الأولية جملة من الإشكالات تتعلق بكيفية تطبيقها من حيث الزمان ( طريقة و تاريخ السريان)، و تحديد مجال تطبيقها من حيث المكان و من حيث الأشخاص، إضافة إلى إشكالية تعاقب المعاهدات التي تنظم موضوعا واحدا،  و أخيرا تطبيق المعاهدة أمام القاضي الوطني،

 أولا- تطبيق المعاهدة الدولية من حيث الزمان:

 يثير تطبيق المعاهدة الدولية من حيث الزمان مسألتين تتعلق الأولى بعدم رجعية المعاهدة، و تتعلق الثانية بإمكانية التطبيق المؤقت لهذه الأخيرة قبل سريانها الفعلي أو دخولها حيز النفاذ.

عدم رجعية المعاهدة الأولية:

 كما تقدم ذكره فالمعاهدة الأولية تبدأ في السريان بالكيفية و التاريخ الذين حددتهما المعاهدة ذاتها أو اتفق عليهما أطرافها، و في حالة غياب كل من النص و الاتفاق فإن سريانها يبدأ باكتمال تصديقات جميع أطرافها المادة 1، 2 / 24  من اتفاقية فينا ، و بالنسبة للدول المنضمة لاحقا فإن سريان المعاهدة في مواجهتها يتقرر بتاريخ هذا الانضمام (المادة 3 / 24) من اتفاقية فينا ، و الاستثناء –  كما تقدم يتعلق بالأحكام الإجرائية التي تبدأ في السريان بمجرد اعتماد نصوصها (توثيقها) (المادة 4/ 24) من اتفاقية فينا.

 و التسليم بالسريان الفوري للمعاهدة الأولية بالكيفية السابقة يستتبع عدم رجعيتها، أي عدم انصراف أحكامها وقواعدها إلى الوقائع التي حدثت قبل إبرامها (المادة 28) من اتفاقية فينا.

و إذا كانت القاعدة العامة هي عدم تطبيق المعاهدة بأثر رجعي، فالاستثناء هو رجعية تطبيقها إذا نصت المعاهدة ذاتها أو اتفق أطرافها على ذلك، و تكمن الحكمة من هذا الاستثناء في رغبة أطراف المعاهدة في إضفاء الصفة القانونية على واقعة أو مسألة سابقة للمعاهدة حتى لا تبقى دون معالجة أو تنظیم سند قانوني وعليه يرمي تطبيقها بأثر رجعي إلى سد فراغ أو ثغرة قانونية وجدا قبل سريان المعاهدة نفسها.

التطبيق المؤقت للمعاهدة الأولية:

يعد التطبيق المؤقت للمعاهدة الأولية قبل سريانها الفعلي (دخولها حيز النفاذ) من المسائل الحديثة في قانون المعاهدات الدولية، و يجد مبرره في الطابع الإستعجالي لبعض الموضوعات التي تتناولها المعاهدة، فقد يكون من المرغوب فيه اتخاذ بعض الإجراءات فورا لمجابهة وضع دولي طارئ لا يحتمل التأخير ، و إلا فات الغرض من إبرام المعاهدة بشأنه أصلا ذلك كأن يتعلق الأمر مثلا بمعاهدة بيئية أو إنسانية أو عسكرية، فالترابط الوثيق للعلاقات الدولية المعاصرة يقتضي تطبيق المعاهدة تطبيقا مؤقتا ريثما يتم دخولها حيز النفاذ.

و يشمل التطبيق المؤقت للمعاهدة المعاهدة ككل أو جزء منها، و يتوقف هذا التطبيق على نص المعاهدة ذاتها أو اتفاق أطرافها عليه.

 و يمكن لأية دولة طرف في معاهدة تطبق تطبيقا مؤقتا أن تنهي هذا التطبيق في مواجهتها بمجرد إخطار بقية أطرافها بنيتها في ألا تصبح طرفا فيها، و لكن هذا الموقف مرهون بسماح المعاهدة بذلك أو النفاق أطرافها على جوازه.

ثانيا – تطبيق المعاهدة الأولية من حيث المكان:

نصت المادة 29 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات على أن : ” تكون المعاهدة ملزمة لكل طرف فيها بشأن كامل إقليمه ما لم يتبين من المعاهدة أو يثبت بطريقة أخرى وجود نية مغايرة. يتبين من استقراء هذا النص أن لتطبيق المعاهدة الأولية من حيث المكان قاعدة و استثناء.

  القاعدة في تطبيق المعاهدة من حيث المكان:

القاعدة العامة التي تحكم تطبيق المعاهدة الأولية من حيث المكان هي تطبيق هذه الأخيرة بمجرد نفاذها على كافة أقاليم الدول الأطراف دون استثناء جزء منها، و غني عن البيان أن المقصود بالإقليم في هذا الخصوص هو الإقليم بمجالاته الثلاثة: المجال البري، و البحري و الجوي.

وقد أشارت إلى هذه القاعدة لجنة القانون الأولي بمناسبة إعداد مشروع قانون المعاهدات الدولية بالقول : ” إن ما يجري عليه العمل بين الأول، و كذا قضاء المحاكم الدولية، و مؤلفات الفقهاء يؤيد بوضوح الرأي القائل بأن المعاهدة يفترض فيها تطبيقها على كل إقليم أي طرف من الأطراف المتعاقدة، و ذلك ما لم يتم النص على حل مخالف في المعاهدة نفسها.

الاستثناء من تطبيق المعاهدة على كافة إقليم كل طرف من أطرافها:

إذا كانت القاعدة في تطبيق المعاهدة من حيث المكان على كافة أقاليم الأول أطراف هذه الأخيرة على النحو المتقدم، فالاستثناء هو تطبيق المعاهدة على جزء من إقليم الدولة الطرف ، و استثناء جزء آخر فيه من هذا التطبيق إذا سمحت المعاهدة ذاتها بذلك، أو اتفق عليه أطرافها.

فقد يستفاد من الظروف المحيطة بالمعاهدة بشكل عام أن إرادة أطرافها قد اتجهت إلى استثناء جزء من إقليم طرف أو أكثر من الخضوع لأحكامها، كما هو عليه الحال في المعاهدات الجمركية أو التجارية أو العسكرية.

ثالثا- تطبيق المعاهدات الدولية من حيث الأشخاص:

 القاعدة العامة أن المعاهدة الأولية لا تنطبق إلا بين أطرافها فقط و لا ترتب آثارها إلا في مواجهتهم، و يطلق الفقه على هذه القاعدة ” نسبية أثر المعاهدة، و إذا كان هذا هو الأصل فخلافا له يمكن للمعاهدة أن ترتب آثارا في مواجهة الغير، سواء كانت هذه الآثار حقوقا أو التزامات، و سواء ترتبت برضاه أو بغير رضاه.

و لذلك سنتعرض في فرعين إلى أثر المعاهدة بالنسبة لأطرافها (أولا)، ثم أثر المعاهدة بالنسبة للغير (ثانيا):

1 – أثر المعاهدة بالنسبة لأطرافها (نسبية أثر المعاهدة):

لا تلزم المعاهدة الأولية إلا أطرافها و لا تمتد آثارها إلى غيرها من الأول التي لم تشترك في إبرامها أو تصادق عليها أو لم تنضم لها، عملا بمبدأ نسبية أثر المعاهدة التي قررته المادة 34 من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات بنصها على أنه :” لا ترتب المعاهدة أية التزامات على دولة ثالثة و لا أية حقوق لها دون موافقتها.” ويعد هذا النص تماشيا مع ما استقر عليه القضاء الدولي، فقد أكدت على هذا المبدأ المحكمة الدائمة للعدل الأولي في حكمها الصادر في 1927/ 05 / 25 بشأن قضية ” شورزو” بين ألمانيا و بولونيا، حيث جاء فيه : …من الثابت أن المعاهدة لا تنشئ حقوقا و لا ترتب التزامات إلا بين الأول أطراف هذه المعاهدة ذاتها… كما يعد هذا المبدأ من المسلمات في قانون المعاهدات بالنسبة للفقه الدولي الذي يرد أساس المبدأ إلى ثلاثة مبادئ رئيسية تتكامل فيما بينها و هي :

مبدأ سلطان الإرادة:

و الذي يقضي بأن أشخاص القانون الدولي الذين ليس لهم أدني علاقة بإنشاء المعاهدة أو تنفيذها، لا يمكن لهم أن يرتبطوا بها أو يتأثروا بأحكامها.

مبدأ التراضي:

و من مقتضياته سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي – أن العقود و المعاهدات لا تلزم إلا عاقديها أو أطرافها، طبقا لمبدأ المتعاقد عند التزامه أو العقد شريعة المتعاقدين”.

مبدأ المساواة في السيادة بين الدول:

و يقضي بأن الدولة لا يمكن أن تلتزم قانونا بإرادة دولة أخرى وعليه يتعارض هذا المبدأ مع إمكانية من آثار المعاهدة إلى خارج دائرة أطرافها، و يجد مبدأ المساواة في السيادة بين الأول أساسه في ميثاق الأمم المتحدة من خلال المادة 1 / 02 منه.

و عليه فالنتيجة العملية المترتبة عن إعمال مبدأ نسبية أثر المعاهدة الأولية هي أنه لا يجوز لدولة لم تكن طرفا في معاهدة ما أن تطالب بتنفيذ هذه الأخيرة في مواجهتها، أو تستند إليها للمطالبة بحق من الحقوق.

2 – أثر المعاهدة بالنسبة للغير:

 إذا كانت القاعدة هي هيمنة مبدأ نسبية أثر المعاهدة على كل المعاهدات فإن المبدأ نفسه لا يطبق على إطلاقه.

حيث يخضع لبعض الاستثناءات التي يمكن أن تمتد فيها آثار المعاهدة إلى غير أطرافها، فتكسبها بعض الحقوق، وتلقي على عاتقها بعض الالتزامات. و تستند هذه الاستثناءات في نظر الفقه الأولي إلى خمسة مبادئ هي :

– مبدأ الرضا الإيجابي:

 و يقضي بامتداد آثار المعاهدة (حقوقا و التزامات) إلى الغير بسبب قبوله الصريح لذلك، و الذي عادة ما يثبت كتابة، حيث تستند القوة الملزمة للقانون الدولي إلى موافقة الدول، و المثال الأي يجسد هذا المبدأ مثلا المادة 3 / 12 من نظام روما الأساسي للمحكمة الأولية الجنائية التي نصت على أنه يمكن للدولة غير الطرف في نظام المحكمة أن تقبل اختصاص المحكمة بموجب موافقة صريحة (مكتوبة) تودع لدى كتابة ضبط المحكمة.

– مبدأ الرضا الضمني أو المفترض:

 و الذي بمقتضاه يفترض التزام الغير بالمعاهدة و بالتالي امتداد آثارها إليه (حقوقا و التزامات) من خلال سكوته مثلا و عدم اعتراضه، أو من خلال سلوكه الحق الذي يستنتج منه أنه قبل بأحكام المعاهدة، كأن تبدأ دولة غير طرف في معاهدة بتنفيذ أحكامها بصورة انفرادية (المعاهدات البيئية، العسكرية عن طريق اتخاذ تدابير تشريعية أو عملية داخل إقليمها بغرض تطبيق تلك المعاهدة.

– مبدأ الأثر التلقائي:

و الذي يعني أن ممارسة بعض الحقوق يترتب عنه تلقائيا تحمل التزامات مقابلة لها والعكس صحيح، فإذا أبرمت معاهدة ما و قررت حقوقا استفادت منها المجموعة الأولية ككل فضلا عن أطرافها فعلى المجموعة الأولية إذن انطلاقا من مبدأ الأثر التلقائي أن تحترم كذلك الالتزامات الناجمة عنها، فممارسة حق معين يتضمن حتما شروط تلك الممارسة


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!