تصنيف الأحكام القضائية

  من الممكن إخضاع المقررات القضائية الصادرة عن المحاكم إلى مجموعة كبيرة من التصنيفات، ويبقى أهم تصنيفين هما اللذان يميزان ما بين المقررات القضائية بالاستناد إلى قابليتهم للتنفيذ وعلى نوعية المسائل التي تم البت فيها

فالمعيار الأول يمكن من التمييز ما بين المقررات النهائية والمقررات الوقتية، أما المعيار الثاني فهو الذي يصب في إتجاه التمييز ما بين المقررات الصادرة في الجوهر والمقررات التمهيدية، وفئة ثالثة من المقررات التي تجتمع فيها المواصفات الخاصة بكل واحدة من الفئتين الأولتين والتي تنعث بالمختلطة.

بالمقابل وإلى جانب التصنيفين الأساسيين الذين سبقت الإشارة إليها، يوجد تصنيف آخر لا يقل أهمية يفضي إلى التمييز ما بين المقررات الصادرة في حضور الأطراف وتلك التي صدرت في غيبتهم.

المبحث الأول: المقررات الإبتدائية والمقررات الإنتهائية:

يستند هذا التصنيف على معياريين أساسيين، المعيار الأول هو الذي يستند إلى مدى قابلية المقرر القضائي للطعن بالإستئناف، أما المعيار الثاني فهو الذي يجد أساسه في مدى إمكانية الطعن في المقرر القضائي بأي طريق من طرق الطعن المحددة قانونا.

المطلب الأول: المقرر الإبتدائي:

يدخل ضمن فئة المقررات الإبتدائية كل المقررات القضائية التي تقبل الطعن بالإستئناف أمام محكمة الدرجة الثانية، ولا تقبل هذه المقررات التنفيذ من حيث المبدأ بالنظر لكونها تحتمل التعديل خلال المرحلة الثانية من النزاع، وقد كان هذا الوصف ينطبق فقط على الأحكام الصادرة عن محكمة الدرجة الأولى إبتدائيا وإنتهائيا باستثناء تلك التي تهم القضايا التي تقل قيمتها عن ثلاثة آلاف درهم، أما بعد التعديل الذي أدخل على قانون المسطرة المدنية بمقتضى القانون والذي جعل كافة الأحكام قابلة للطعن بالإستئناف أيا كانت قيمتها، فإن هذا الوصف أصبح هم كافة الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى.

المطلب الثاني: الأحكام الإنتهائية:

 تعتبر بمثابة مقررات إنتهائية المقررات التي لا تقبل الطعن بالإستئناف. وبعد التعديل السابق الذكر الذي جعل كافة الأحكام الصادرة عن المحكمة الإبتدائية قابلة للإستئناف فإن الأحكام الإنتهائية أصبح وصفا لا يهم إلا القرارات الصادرة عن محاكم الدرجة الثانية حضوريا أو غيابيا وكذا على الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى بعد إنقضاء أجل الطعن فيها بالإستئناف.

المطلب الثالث: الحكم القطعي:

يعرف فقهاء القانون الحكم القطعي بأنه المقرر الذي لا يقبل أي طريق من طرق الطعن سواء كانت عادية أو غير عادية والذي أصبح بالتالي لا يقبل التعديل وبالنظر لهذا التعريف فإنه يمكن القول بأن الحكم القطعي ضرب من ضروب الخيال الذي لا يوجد إلا في الأدبيات القانونية أو أن الوصف الذي يعطي له يندرج ضمن الأوصاف الطوبوية التي لا يستحق أي مقرر قضائي الحصول عليها، فإذا كان المشرع قد حدد آجالا لممارسة معظم طرق الطعن المنصوص عليها، عادية كانت أو غير عادية فإنه لم يفعل الأمر نفسه مع تعرض الغير الخارج عن الخصومة، وإن كانت الآجال الأولى تنصرم مع مرور الوقت فإن تعرض الغير الخارج عن الخصومة يبقى مفتوحا مهما مر الزمان.

وبالنظر لهذا، فإنه من الصعب أن نتصور تحصن مقرر قضائي من كافة طرق الطعن التي ينص عليها القانون، إذ لا يمكن تصور إستنفاد كافة طرق الطعن في مواجهة مقرر قضائي معين، فحتى على افتراض ممارسة تعرض الغير الخارج عن الخصومة في مواجهة مقرر معين فإن ذلك ليس من شأنه الحيلولة دون ممارسة الطعن نفسه في مواجهة نفس الحكم من طرف شخص آخر من الغير الذي يدعي أن مصالحه تضررت أيضا منه.

وبالنظر لهذه المعطيات فإن التعريف القانوني للأحكام القطعية يتطلب إخضاعه المراجعة عميقة إذا كان الفقه يتشبث بإستمراريته التي لا تتجاوز أهميتها الجانب النظري، فالأصح هو القول بأن الحكم القطعي هو ذلك المقرر القضائي الذي لا يقبل أي طعن عادي أو غير عادي ما عدا تعرض الغير الخارج عن الخصومة

 وتجدر الإشارة إلى أنه في الغالب ما يتم خلط هذا الحكم الذي يعد وجوده على أرض الواقع ضربا من الخيال، حسب التعريف الرائج، مع الأحكام الإنتهائية أو الأحكام المشمولة بقوة الشيء المقضي به على الرغم من الفرق الكبير بين هذه الفئات الثلاث، فالطابع القطعي لا يستند على مدى قابلية المقرر للتنفيذ ولا على مدى تطرق محاكم الموضوع للمسألة القانونية التي أثارها أطراف النزاع، فالمعيار الذي يستند عليه هو مدى إمكانية تعديل المقرر من عدمه في إطار الطعون التي يمكن أن تمارس في مواجهته .

المبحث الثاني: الحكم الإنتهائي والحكم التمهيدي:

يكمن الهدف من رفع الدعوى أمام القضاء وعرض النزاع عليه في حمله على البت في جوهره، إلا أن هذا البت قد يتطلب في بعض الأحيان قبل التطرق للموضوع، أن تتم تهيئة الحل أو الحسم في بعض المسائل الأولية، وتتم هذه التهيئة أو الحسم في المسائل الأولية من خلال إصدار أحكام تنعث بالتمهيدية تمييزا لها عن الأحكام النهائية الصادرة في موضوع أو جوهر النزاع.

المطلب الأول: الحكم النهائي:

 الحكم النهائي أو الحكم الموضوعي هو ذلك الحكم الذي يفصل في النزاع من خلال الإجابة عن الطلبات التي يتم الإدلاء بها من قبل المتقاضين إما أصليا أو بشكل عرضي، فالطلبات الأصلية هي التي يتم التقدم بها في بداية الدعوى، أما الطلبات العارضة فهي تلك التي يتم الإدلاء بها خلال مختلف مراحل النزاع.

ويتميز الحكم الصادر في موضوع النزاع باکتسابه لحجية الشيء المقضي به، ويترتب على ذلك عدم قابلية عرض النزاع نفسه من جديد على المحكمة التي سبق لها الفصل فيه أو على غيرها من المحاكم، ويمكن لكل من له مصلحة في ذلك أن يثير هذا الدفع أمام المحكمة التي تنظر في نزاع سبق البت في جوهره من أجل دفعها إلى رفع يدها عنه،

 ويمكن أن يكون الحكم النهائي إما حكمها حضوريا أو غيابيا، فالحكم الحضوري هو الذي يصدر في ختام دعوى بين طرفين تم استدعاؤهما بصفة صحيحة، أما الحكم الغيابي فهو الذي يصدر في غيبة الطرف المدعى عليه ودون أن يتم إستدعاؤه بصفة قانونية

المطلب الثاني: الحكم التمهيدي

 على عكس الحكم النهائي الصادر في جوهر النزاع، فإن الحكم التمهيدي هو ذلك الحكم الذي لا يتم من خلاله البت في جوهر النزاعة، فالمحكمة التي تصدره تكتفي بتهيئة الحل، ولهذا السبب يتم نعته أيضا بالحكم التحضيري.

وتبعا لذلك تعتبر بمثابة أحكام تمهيدية تلك التي تصدرها محاكم الموضوع خلال سريان الدعوى، وتأمر من خلالها بإنجاز إجراء من إجراءات التحقيق ، ولا تقبل هذه الأحكام الطعن إلا في نفس الوقت الذي يتم فيه الطعن في الحكم الصادر في الجوهر، وتهدف هذه الأحكام إلى تمكين القاضي من التثبت من واقعة معينة أو حماية مصلحة أحد طرفي الدعوى في انتظار البت في جوهر النزاع.

المطلب الثالث: الحكم المختلط:

تتميز الأحكام التي تنعت بالمختلطة بطابعها المركب، فهذه الأحكام تهم في الوقت نفسه الفصل في جزء من جوهر النزاع کیا تعنى بالبت في نقطة أولية يتعين تسويتها قبل التطرق للجوهر، فهذا هو حال الأحكام التي تحسم في مدى قيام مسؤولية المدعى عليه تجاه الضرر الذي تكبده المدعي وتأمر في الآن نفسه بإجراء خبرة قصد تحديد قيمة تلك الأضرار.

ولا تهم حجية الأمر المقضي به إلا الجزء الذي بنت المحكمة في جوهره، وتبعا لذلك فلا يمكن لمحكمة الموضوع، بعد أمرها بإنجاز إجراء من إجراءات التحقيق أن تناقش إلا الجزء من النزاع الذي لم تتطرق إليه، كمسألة قيمة التعويض في المثال الذي سبق ذكره.

المبحث الثالث: الحكم الحضوري والحكم الغيابي:

 328- يكتسي التمييز ما بين الأحكام الحضورية والأحكام الغيابية أهمية كبيرة في تحديد نوعية طرق الطعن التي يمكن ممارستها في مواجهة مختلف الأحكام القضائية .

وترجع هذه الأهمية إلى كون أن الأحكام الصادرة غيابيا تتميز بقبولها للطعن بالتعرض، وتهدف هذه الطريق من طرق الطعن إلى جبر الضرر الذي تكبده الطرف الذي حرم من حقه في الدفاع عن نفسه بسب عدم إستدعائه بكيفية قانونية.

المطلب الأول: الأحكام الحضورية

 تمنح صفة الحضورية للأحكام الصادرة في الدعاوى التي تم فيها إستدعاء طرفي النزاع بكيفية قانونية، ويعتبر بمثابة إستدعاء قانوني كل إستدعاء تم طبقا المقتضيات الفصول 36 وما يليها من قانون المسطرة المدنية.

ويدل منح هذه الصفة على تمكين طرفي الدعوى من حقهم في الدفاع عن مصالحهم أمام محكمة الموضوع التي كانت تنظر في النزاع، ويمكن أن يتم ذلك بشكل شفوي إذا كانت الدعوى تدخل ضمن تلك التي يتم فيها إعمال المسطرة الشفوية. أما في إطار المسطرة الكتابية التي تشكل کا سبق الذكر القاعدة العامة فإن هذا الحضور لا يجسد إلا من خلال الإدلاء بمذكرات أو مستنتجات كتابية، ولا يمكن القيام بهذه الإجراءات الكتابية إلا من طرف محام بإعتبار إحتكار من يمارسون هذه المهنة لحق تمثيل الغير أمام المحاكم.

المطلب الثاني: الأحكام الغيابية:

من حيث المبدأ لا يمكن إصدار حكم في أية دعوى إلا بعد التأكد من إستدعاء المدعى عليه أو المستأنف عليه، إلا أن إعمال هذا المبدأ لا يجب أن يترتب عنه المساس بحق المدعي أو المستأنف في صدور حكم يفصل في الطلبات التي أدلى بها أمام المحكمة، ويمنح صف الغيابية للأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى والقرارات الصادرة عن محاكم الإستئناف في غياب الطرف المدعى عليه أو الذي قدم الإستئناف في مواجهته، ويمكن أن يحدث ذلك في الحالة التي لا يحضر فيها الطرفان المذكوران رغم تبليغها بإستدعاء الحضور أو الحالة التي يتم فيها اللجوء إلى مسطرة القيم، وفي الحالة الأولى لا تعتبر غيابية إلا الأحكام أو القرارات الصادرة دونما توصل الطرف المعني بالأمر شخصيا باستدعاء الحضور.

المطلب الثالث: الأحكام بمثابة حضورية:

 يطلق وصف الأحكام بمثابة حضورية أيضا على الأحكام الصادرة في غيبة المدعى عليه أو المستأنف عليه، غير أن هذه الأحكام ينطبق عليها ما ينطبق على الأحكام الحضورية من حيث قابليتها لطرق الطعن، فهي لا تقبل على الرغم من ذلك الطعن بالتعرض

ولا يطلق هذا الوصف على الأحكام الابتدائية الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى إلا في حالتين، الحالة الأولى والتي لم يعد لها وجود بعد التعديل الأخير الذي تم إدخاله على قانون المسطرة المدنية، هي التي تهم الأحكام الصادرة إبتدائيا وإنتهائيا إذا توصل المدعى عليه شخصيا، الحالة الثانية هي التي تهم الأحكام الصادرة في حالة تعدد المدعى عليهم والتي لم يحضر فيها البعض منهم بعد إستدعائهم للمرة الثانية، ويبعث الحكم الصادر في هذه الحالة بمثابة حضوري في مواجهة المدعى عليهم الذين تخلفوا عن الحضور رغم إستدعائهم إستدعاءا قانونيا، ولا يهم إن كانوا قد توصلوا شخصيا أو أن التبليغ تم في محل إقامتهم.

أما القرارات الصادرة عن محاكم الدرجة الثانية فإنها تنعث بمثابة حضورية في حالة واحدة، وتتعلق هذه الحالة أيضا بتعدد المستأنف عليهم، وتعتبر القرارات الصادرة فيها بمثابة حضورية في مواجهة المستأنف علیهم الذين تخلفوا عن الحضور ولم يدلوا للمحكمة بمستنتجاتهم على الرغم من إشعارهم بذلك من طرف المستشار المقرر

 ولا يقتصر هذا الوصف على المدعى عليهم أو المستأنف عليهم، إذ يمكن أن توصف الأحكام أيضا بمثابة حضورية في مواجهة المدعي، ويتم هذا بخصوص الأحكام الإبتدائية الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى في غيبة المدعي بعد إعمال المحكمة لمقتضيات الفصل 47 من قانون المسطرة المدنية التي تخولها إمكانية البت إذا ما ارتأت بأنها تتوفر على كافة العناصر الضرورية دون حاجة تعرض الطلبات والمستندات المدلى بها للنقاش.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!