تشكيل هيئة التحكيم

تشكيل هيئة التحكيم أو الإجراءات التحكيمية

تشكيل هيئة التحكيم أو الإجراءات التحكيمية

تشكيل هيئة التحكيم يرجع الأطراف هم أصحاب الحق والإرادة في تشكيل هيئة التحكيم إعمالا لمبدأ سلطان الإرادة ، وهي من المواضيع الهامة التي يتفق عليها أطراف الخصومة في منازعاتهم ، وتتشكل هيئة التحكيم من محكم واحد أو عدد من المحكمين بحسب ما يقدر أطراف النزاع ، ومما يظهر الطابع التعاقدي لطبيعة التحكيم من حيث إعطاء الحرية الكاملة لأطراف النزاع في تحديد عدد المحكمين الذين تتشكل منهم هيئة التحكيم

وتختلف الإجراءات التي تتبع في تحديد المحكمين واختيارهم بحسب نوعية التحكيم الذي يختاره الطرفان ، فهناك (التحكيم المنظم أو المؤسسي) ، حيث قامت مؤسسات خاصة بوضع قواعد خاصة للتحكيم، تتعلق بإجراءات التحكيم بما فيها تعيين هيئات التحكيم، وفق شروط وأحكام معينة نصت عليها تلك القواعد. والهدف من ذلك، هو تسهيل العملية التحكيمية، وتيسيرها على الأطراف وضبطها بطريقة أصولية،

بالإضافة لمراقبة وإدارة العملية التحكيمية من بدايتها وحتى نهايتها، من قبل مؤسسة التحكيم المعنيّة. فإذا تمت إحالة النزاع إلى التحكيم وفق قواعد إحدى هذه المؤسسات، فإن هذه القواعد تطبق على العملية التحكيمية، ويلتزم بها الطرفان حتى لو لم يطلعوا عليها مسبقاً ، كما تلتزم بها هيئة التحكيم بعد تشكيلها، بل ومؤسسة التحكيم أيضاً ،

ودور مؤسسة التحكيم في العملية التحكيمية، فهو دور تنظيمي لها، وإشرافي عليها حسب ما هو منصوص عليه في قواعدها، مقابل رسوم وأتعاب محددة سلفاً، يدفعها الطرفان لتلك المؤسسة. ويطلق على التحكيم في هذه الحالة، بالتحكيم المنظم أو التحكيم المؤسسي.

ومن أمثلة مؤسسات التحكيم ذائعة الصيت دولياً، والتي يكثر اللجوء لها، غرفة التجارة ومقرها لندن، والمركز (LCIA) ومقرها باريس، ومحكمة لندن للتحكيم الدولي (ICC ) الدولية ومقره واشنطن. وفي الدول العربية، توجد (ICSID) الدولي لتسوية منازعات الاستثمار مؤسسات تحكيم كثيرة،

مثل مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي (مصر)، ومركز دبي للتحكيم الدولي (الإمارات)، ومركز أبو ظبي للتحكيم (الإمارات)، ومركز تحكيم دول مجلس التعاون الخليجي (البحرين)، ومركز البحرين للتحكيم الدولي (البحرين)، ومركز تحكيم تونس (تونس)، ومركز التحكيم اللبناني (لبنان)، ومركز التوفيق والتحكيم اليمني (اليمن.

وهناك أيضاً وقد يتفق الطرفان على إحالة نزاعهما إلى التحكيم فحسب، دون الإشارة إلى مؤسسة تحكيم. في هذه الحالة، نكون أمام ما يمكن تسميته بالتحكيم الطليق أو الحر، ففي حال عدم اتفاق الأطراف على تشكيل هيئة التحكيم نجد أن الكثير من القوانين الوطنية ولوائح المراكز التحكيم المنظمة والاتفاقيات الدولية غالبا ما تتصدى لهذا الموضوع وتقوم بمساعدة الإطراف على تشكيل هيئة التحكيم واختيار المحكمين .

ولكن الإشكالية التي نريد إن نعالجها في هذا المبحث ، هي إذا ما تم تشكيل هيئة التحكيم بشكل خاطئ ومخالف للقانون أو مخالف لإرادة أطراف النزاع ، فهل يجوز التمسك به كسبب من قبل أحد الأطراف لمنع تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي وهل يعد سببا لبطلان الحكم ، وما هو موقف الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية في هذا الموضوع خصوصاً؟

المطلب الأول : موقف الاتفاقيات الدولية من الخطأ في تشكيل هيئة التحكيم

سنعرض في هذا المطلب موقف الاتفاقيات الدولية من عدم صحة تشكيل هيئة التحكيم وأثرها على منع تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي، حيث نصت أول هذه الاتفاقيات وهي اتفاقية نيويورك في المادة : ( 5) منه والتي جاءت لتبين الحالات التي يحول وتمنع دون تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي وفي الفقرة (د) من نفس المادة نصت على: ” أن تشكل هيئة التحكيم أو إجراءات التحكيم مخالف لما اتفق عليه الأطراف أو القانون البلد الذي تم فيه التحكيم في حالة عدم الاتفاق.

وبناء على هذا النص السابق يتبين لنا أنه يجوز رفض الاعتراف ومنع تنفيذ الحكم بناء على طلب الخصم الذي يحتج عليه بالحكم ، إذا قدم هذا الخصم للسلطة المختصة في البلد المطلوب إليها الاعتراف والتنفيذ الدليل على أن تشكيل هيئة التحكيم أو إجراءات التحكيم مخالف لما اتفق عليه الأطراف أو القانون البلد الذي تم فيه التحكيم في حالة عدم الاتفاق ثم إن المرجع في تحديد صحة تشكيل هيئة التحكيم أو إجراءات التحكيم هو القواعد التي اتفق أطراف التحكيم على تطبيقها صراحة أو ضمنًا

وعند عدم الاتفاق فإن المرجع في ذلك هو قانون الدولة التي تم فيها التحكيم، ومن خلال هذا النص يتضح أن قانون الدولة التي يجري فيها التحكيم يلعب دورين أحدهما احتياطيا والآخر تكميليا، فيلعب دورا احتياطيا في حال سكوت الأطراف وعدم اتفاقهم على القواعد التي تحكم تشكيل المحكمة أو الإجراءات التحكيمية، فهنا يتم تطبيق قانون الدولة التي تم فيها التحكيم،

ويلعب دورا تكميليا عندما يتفق الأطراف على بعض المسائل المتعلقة بتشكيل الهيئة أو إجراءات التحكيم دون البعض الآخر، فهنا يقوم قانون دولة التحكيم بسد ذلك النقص وإذا كانت إجراءات التحكيم واقعة في أكثر من دولة فيرى الفقه أن الدولة التي يصدر فيها قرار التحكيم هي التي ينبغي الرجوع إلى قانونها لمعرفة فيما إذا كان ثمة عيب في إجراءات التحكيم

المطلب الثاني: موقف التشريعات الوطنية من الخطأ في تشكيل هيئة التحكيم

عمدت التشريعات الوطنية في موادها القانونية إلى القول بجواز رفض تنفيذ حكم التحكيم؛ إذا أثبت الحكم أن تشكيل محكمة التحكيم ؛ أو أن الإجراءات التي أتبعتها المحكمة غير مطابقة ؛ بما اتفق عليه الأطراف، أو لما يقرره القانون لتلك الدولة التي صدر فيها حكم التحكيم؛ في حال عدم اتفاق الأطراف ، حيث نص قانون التحكيم المصري في المادة 151) على أنه : لا تقبل دعوى البطلان حكم التحكيم إلا إذا تم تشكيل هيئة التحكيم أو تعيين المحكمين على وجه مخالف للقانون أو لأتفاق الطرفين

وبنفس الصياغة القانونية نص قانون التحكيم الأردني في المادة 49 أما قانون التحكيم الفلسطيني فقد اعتبرها شرطًا موضوعيا للتنفيذ ولم يعتبرها من بين الحالات التي يجوز بناء عليها طلب رفض التنفيذ، حيث نصت المادة ( 76 ) من اللائحة التنفيذية لقانون التحكيم الفلسطيني على أنه” :يشترط لتنفيذ قرار التحكيم الأجنبي في فلسطين أن يكون صادرا عن هيئة التحكيم المنصوص عليها في اتفاق التحكيم أو مؤلفة بالطريقة التي اتفق عليها الأطراف وأن يكون صادرا بمقتضى التشريع المتعلق بأصول التحكيم في البلد الذي صدر فيه

المطلب الثالث : عدم صحة الإجراءات التحكيمية

يستطيع أطراف التحكيم الاتفاق فيما بينهم على تحديد الإجراءات التي يجب على هيئة التحكيم الالتزام بها ، بما في ذلك حقهما في إخضاع هذه الإجراءات للقواعد النافذة في أي منظمة ، أو مركز تحكيم، أو خارج الدولة

وإذا لم يحدد أطراف التحكيم هذه الإجراءات كان لهيئة التحكيم أن تختار إجراءات التحكيم التي تراها مناسبة ، مع مراعاة أحكام هذا القانون ، ويرى البعض أن التشريعات المقارنة ، جعلت من حق طرفي منازعة التحكيم الاتفاق فيما بينهما بشأن اختيار الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم، وهي بصدد الفصل في منازعتهم وقد قضى في شأن ذلك أن المشرع

ترك لطرفي التحكيم الاتفاق؛ على ما يرونه من الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم وأعطي أيضاً لهيئة التحكيم أن تختار إجراءات التي تراها مناسبة مع مراعاة أحكام القانون على اعتباره مقرراً للضمانات الأساسية للخصوم ، وعليه لا يجوز لهيئة التحكيم أن تفصل في النزاع على غير مقتضاة ، وفي ضوء ما تقدم يكون من حق طرفي المنازعة؛ تحديد الإجراءات؛ التي يجب تباعها مباشرة عند الفصل في منازعتهم : كما يكون من حقهم الاتفاق؛

على إخضاع التحكيم خاص بهم لإجراءات النافذة والمتبعة في منظمة ؛ أو مركز تحكيم سواء كان يقع داخل دولة لتحكيم ؛ أو خارجها. أما إذا لم يتم اتفاق طرفي التحكيم على اختيار  يطبق في شأن منازعتهم ، كان من حق هيئة التحكيم في هذه الحالة اختيار ما تراه مناسبا لتطبيقه في هذا الشأن

واشترطت الاتفاقيات الدولية كاتفاقية نيويورك في المادة 5/د، واتفاقية الرياض في المادة 34 واتفاقية عمان العربية وقانون التحكيم الأردني بخصوص إجراءات التحكيم فقد اشترطوا أن يكون الحكم التحكيمي الأجنبي صادرا بمقتضى التشريع المتعلق بأصول التحكيم في البلد الذي صدر فيه ، وفي حال عدم الاتفاق يتم اللجوء إلى قانون البلد التي تم فيها التحكيم .

يعد الجانب الإجرائي في التحكيم بمثابة العمود الفقري الذي يقيم التحكيم، وهو في ذات الوقت السياج الذي يضمن شرعيته إن التفرقة بين المسائل الإجرائية والمسائل الموضوعية في مجال التحكيم تعد من الدراسات الشاقة في فقه القانون الدولي الخاص؛ فمحاولة وضع معيار حاسم يفصل بين هذا وذاك ليس أمراً هنياً. ويرجع ذلك إلى أن العديد من القواعد القانونية ما يتصل بالموضوع والإجراءات في ذات الوقت؛ بحيث يصعب من مهمة فصل هذه المسائل عن تلك, وتبدو أهمية التفرقة بين المسائل الإجرائية والموضوعية من زاويتين:

الأولى: تظهر أهمية التفرقة بين القوانين التي تنظم المسائل الإجرائية والموضوعية من حيث سلطة المحكم في الخروج على القاعدة القانونية أو قد يعفى المحكم من أتباع الأولى دون الثانية، ومرجع ذلك أن القواعد الإجرائية ليست غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة لإظهار كافة جوانب الحقيقة أمام المحكم، ولذلك فلا غضاضة في التجاوز عنها كلما كان هذا التجاوز محققاً لغرض آخر جدير بالاعتبار دون مساس بالغاية التي وضعت من أجلها.

الثانية: وتظهر أهمية التفرقة من ناحية تحديد القانون الواجب التطبيق في نطاق القانون الدولي الخاص.

وترجع أهمية المسائل الإجرائية في مجال التحكيم لما تقرره التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ولوائح مراكز التحكيم الدائمة من ضرورة مراعاة هذه المسائل، وإلا ترتب على مخالفة هذه الإجراءات بطلان الحكم ورفض الاعتراف به أو تنفيذه

هذا وتبدو الأهمية في ذلك معرفة القانون الواجب التطبيق على الإجراءات ليتسنى للمحكمة تطبيقه على الإجراءات أثناء سير الخصومة.

وتبدو هنا الصعوبة عند عدم اتفاق الأطراف على قواعد معينة تحكم إجراءات التحكيم، وفي ظل الحرية التي يتمتع بها المحكمون عند اختيار القواعد التي تحكم الإجراءات وفقا للمعاهدات الدولية والقوانين الوطنية ظهر اتجاه يرى إبعاد التحكيم إقليميا عن كل دولة، وفصل إجراءات التحكيم عن أي نظام قانوني وطني وذلك لتفادي مشكلة التغيرات التشريعية في القوانين الوطنية.

وتختلف القواعد الإجرائية التي تحكم خصومة التحكيم بحسب ما إذا كان الأمر يتعلق بتحكيم خاص أو حر، أو تحكيم مؤسسي يتم في إطار هيئات ومراكز تحكيمية دائمة، فالتحكيم المؤسسي لا يثير أي صعوبة فيما يتعلق بالقانون واجب التطبيق على الإجراءات، فمجرد اتفاق محتكمين على إسناد التحكيم إلى مركز تحكيم يستدل ضمناً على اتفاقهم على إتباع لوائح وتعليمات هذا المركز بما يشتمل عليه من قواعد إجرائية.

هذا ونجد أن المشرعين المصري والأردني قد أقرا مبدأ حرية اختيار الإجراءات حيث نص قانون التحكيم الأردني على هذا المبدأ، وأعطى لطرفي التحكيم حق الاتفاق على الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم وإخضاعها لأي منظمة أو مركز تحكيم

 وفي حالة عدم وجود مثل هذا الاتفاق كان لهيئة التحكيم مع مراعاة أحكام هذا القانون أن تختار إجراءات التحكيم التي تراها مناسبة لحل أي نزاع ، والتحكيم يعتمد في جوهره على اتفاق المحتكمين، فلا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار دور إرادة الأطراف في تحديد إجراءاته، إلا أن هذه الإرادة قد تختلف أحيانا أو يشوبها القصور، لذا لابد من البحث عن ضوابط فنية يستعان بها في تحديد القانون واجب التطبيق على الإجراءات، ومن هذه الضوابط الاستعانة بقانون مقر التحكيم

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!