تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة

تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة

تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة

سأتطرق في إطار تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة إلى طبيعة هذا التدخل وكذا الغاية منه ثم صور تدخل النيابة العامة في قضايا مدونة الأسرة

1 – طبيعة تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة

حدث جدال فقهي حول طبيعة تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة ، ومرد ذلك تناقض المقتضيات القانونية المنظمة للمسألة، باعتبار أن الفصل التاسع من ق.م.م وضع قضايا الأسرة ضمن القضايا المشمولة بالتبليغ الوجوبي ، الذي تتدخل فيه النيابة العامة كطرف منضم، في حين أن المادة الثالثة من مدونة الأسرة أكدت بالصريح التام على التدخل الرئيسي والأصلي للنيابة العامة في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام المدونة .

والسؤال الذي يمكن أن نطرحه في هذا الإطار ،هل النيابة العامة تتدخل كطرف منضم في قضايا مدونة الأسرة ؟ أم أنها تتدخل كطرف منضم وفقا للفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية؟ أم أنها تجميع بين التدخلين معا الإنضمامي والرئيسي ؟

الجواب على هذا السؤال يضعنا أمام عدة  أراء مختلفة، فقد اعتبر أحد الباحثين أن حسم وتبيان طبيعة هذا التدخل تقتضي التمييز بين فرضيتين؛ بالنسبة للفرضية الأولى فمن خلالها تكون النيابة العامة طرفا مدعيا أو مدعيا عليه وبالتالي تعتبر طرفا أصليا في الحالة هاته .

أما بالنسبة للفرضية الثانية فهي التي لا تكون فيها لا مدعية ولا مدعى عليها، فتصير طرفا منضما، وبناء على رأي هذا الباحث يكون للنيابة العامة دور مزدوج في تفعيل مدونة الأسرة.

ويبدوا أن هذا الرأي قد جانب الصواب؛ على اعتبار أن المادة الثالثة من مدونة الأسرة حسمت المسالة باعتبارها النيابة العامة طرفا أصليا في جميع قضايا مدونة الأسرة .

وفي مقابل ذلك يرى سفيان أدريوش أن المشرع المغربي منح للنيابة العامة صفة الطرف الأصلي في قضايا المدونة ،وصفة الطرف المنضم في القضايا المتعلقة بالأسرة والخارجة على مقتضيات المدونة ما لم تكن طرفا مدعية أو مدعي عليها .

هذا الرأي الذي تبناه الأستاذ عبد المحسن البقالي والذي أكد على الدور الرئيسي للنيابة العامة، حيث اعتبر أن الفصل التاسع ما هو إلا تأكيد على التدخل الرئيسي ،وذلك باعتباره الوسيلة الناجعة في إعلام النيابة العامة بقضايا المدونة؛ في الحالة التي لا تكون فيها لا مدعية ولا مدعى عليها .

هذا الرأي حسب رأيي المتواضع يكون أكثر صوبا وأكثر إقناعا، فالمادة الثالثة لا تفتح مجال للشك حول الصفة الرئيسية للنيابة العامة في قضايا الأسرة ، الأمر الذي سبق لوزير العدل والحريات أن أكده في التقرير الختامي الذي عقدته وزارة العدل حول مدونة الأسرة،  والذي خلص إلى التكامل بين المادة الثالثة من مدونة الأسرة والفصل التاسع من ق م م.

وبالعودة إلى مشروع قانون المسطرة المدنية نجد أن المشرع حسم في نوع الدور الذي تتدخل من خلاله النيابة العامة في قضايا الأسرة حيث أقر بالصريح التام في المادة السابعة من مشروع القانون الصفة الرئيسية والأصلية للنيابة العامة في قضايا الأسرة .

2  – الغاية من اعتبار النيابة العامة طرفا رئيسيا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق مدونة الأسرة

إن تخويل النيابة العامة صفة الطرف الرئيسي في تفعيل مقتضيات ، يقوم على اعتبارات ذات أهمية كبيرة، فتفعيل هذا الدور على نحو كامل من شأنه حماية العلاقات الأسرية، باعتبار أن النزاعات المرتبطة بها توثر على المجتمع بأسره، وبالتالي تكون غاية المشرع من منحها هذا الدور هي الحفاظ على المصلحة العامة والخاصة

وبالتالي بات منح صفة الطرف الأصلي للنيابة العامة في مدونة الأسرة مؤشرا صريحا ومفصحا عن الإرادة التشريعية الرامية إلى وضع قضايا الأسرة في الشؤون العامة المرتبطة بالنظام العام، حيث إن هذا المقتضى الجديد يخول للنيابة العامة صلاحيات مسطرية مهمة كحضور الجلسات، واكتساب صفة الخصم، وسلوك طرق الطعن، وعليه أصبح للنيابة العامة حضور قويا يرمي إلى الإسراع في البت في قضايا الأسرة، ومساعدة القضاء في ذلك عبر الإمكانيات القانونية المخولة لها

وما يمكن تسجيله حول مدى تفعيل هذا الدور الرئيسي وتحقيق رغبة المشرع، أنه من الناحية العملية غالبا ما تكتفي النيابة العامة بالإدلاء بمستنتجاتها الكتابية دون الحضور في الجلسات طالما أن عدم حضورها لا يرتب أي بطلان .

3 – صور القضايا الأسرية التي تتدخل فيها النيابة العامة كطرف رئيسي

يجوز للنيابة العامة التدخل في جميع القضايا او النزعات المتعلقة بمدونة الأسرة، ابتداء من الخطبة وإبرام عقد الزواج ومرورا بانحلال ميثاق الزوجية، وانتهاءا في النزاعات المترتبة عن أثار هذا العقد من ولادة وحضانة ونفقة .

ولقد عمل المشرع على تمكين الأطراف الراغبين في الزواج من وسيلة ناجعة في تحقيق التعارف وبناء العقد على أسس متين، ألا وهي الخطبة ، والتي من الممكن أن يستتبعها إبرام عقد الزواج، كما يمكن أن يحصل العدول في خلاف ذلك، وفي حالة التعسف في حق الرجوع وبالتالي حدوث نزاعات بشأن رد الهدايا أو الصداق، فانه ووفقا للمادة الثالثة من مدونة

الأسرة، من المتصور تدخل النيابة العامة حينما يصل النزاع إلى القضاء، وفي حالة ما حصل حمل للمخطوبة أثناء الخطبة، وعمد الخاطب إلى نفي الحمل المنسوب إليه، وأثير النزاع أمام المحكمة، فان النيابة العامة تتدخل في دعاوي إثبات النسب.

كما يمكن النيابة العامة أيضا التدخل في حالة زواج القاصر بسبب العقل، و الذي يتوقف زواجه على منح الإذن من طرف قاضي الأسرة المكلف بالزواج ، ولكنه وفي حالة ما تبت وجود تدليس في منح هذا الإذن، فان الأمر يجيز للنيابة العامة تحريك الدعوى العمومية في حق الفاعلين الأصلين والمشاركين وفقا للمادة 66 من م أ التي تحيل إلى المادة 366 من ق.ج

و يبرز التدخل الرئيسي للنيابة العامة أيضا في قضايا التعدد، حيث تعمل على إجراء أبحاث من أجل استدعاء الزوجة المراد التزوج عليها للحضور أمام قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية، ولا يمكن منح الإذن إلا عندما يتعذر على النيابة العامة معرفة موطن أو محل إقامة الزوجة

و تعمل النيابة العامة على مناقشة المبرر الموضوعي والإستثنائي، ومدى توفر الزوج على الموارد الكافية ،وما إذا سبق للزوجة أن اشترطت عليه في عقد الزواج عدم التزوج عليها .

وفي حالة ما تبت أن سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء يعود للزوج الذي أدلى بعنوان غير صحيح، أو حرف اسم الزوجة إلا وقامت النيابة العامة بتحريك الدعوى العمومية ضد الزوج طبقا للمادة 43 التي أحالت على المادة 361 من ق ج ،ويبقى تحريك النيابة العامة للدعوى موقوف عل طلب الزوجة .

وتتدخل النيابة العامة أيضا في الزواج المختلط، ومن أجل تفادي المس بالنظام العام والهوية المغربية والإسلامية ،تعمل النيابة العامة على إجراء الأبحاث اللازمة حول الطرفين  فبمجرد أن يحيل إليها قاضي الأسرة المختص ملف الزواج، تعمل مباشرة على التثبت من هوية الأطراف المقبلين على الزواج، وإعداد بحث دقيق عنهم بمساعد الشرطة القضائية  وفي حالة ما حصل طرد أحد الزوجين للأخر من بيت الزوجية ، فقد أجازت المادة  53 للنيابة العامة إرجاع الزوج المطرود

وعند حصول واقعة فقدان أحد الزوجين وعدم العلم عنه بأي خبر، فانه يجوز لذوي المصلحة، كما يحوز للنيابة العامة التقدم بملتمساتها بغية استصدار حكم بوفاة المفقود.

كما يجوز للنيابة العامة في حالة ثبوت أن المحكوم بتمويته لازال حيا يرزق، أن تقدم طلب أمام المحكمة من أجل استصدار حكم قضائي يعترف بحياة هذا الشخص وتتدخل النيابة العامة أيضا في دعاوى الطلاق والتطليق، ونظرا لأثاره الخطيرة على المجتمع والأبناء، تعمل النيابة العامة على إبداء رأيها في النزاع الأسريب رأي يرمي إلى حماية الأسرة , ولا يقف تدخل النيابة العامة إلى هذا الحد، بل تتدخل في قضايا الحضانة والنفقة والمحجورين وكل النزاعات المتعلقة بمدونة الأسرة.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

المراجع

أحمد نهيد ، تدخل النيابة العامة في ظل مدونة الأسرة

حسام الدين البجدايني ،دور النيابة العامة في نزاعات التحفيظ العقاري

عبد الرزاق أحمد السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني نظرية العقد بوجه عام


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!