تدخل النيابة العامة في صعوبات المقاولة

تدخل النيابة العامة في صعوبات المقاولة

محتويات المقال

المبحث الأول: طبيعة وآثار تدخل النيابة العامة في إطار صعوبات المقاولة

سوف نعمل على تقسيم هذا المطلب إلى ثلاثة مطالب: الأول نتطرق فيه إلى طبيعة تدخل النيابة العامة في صعوبات المقاولة على أن نخصص المطلب الثاني للحديث عن آثار هذا التدخل و في المطلب الثالث سنحدد مجال تدخل النيابة العامة في صعوبات المقاولة

المطلب الأول: طبيعة تدخل النيابة العامة في صعوبات المقاولة

الفقرة الأولى: تدخل النيابة العامة كطرف رئيسي

تدخل النيابة العامة كطرف رئيسي، يجد سنده في مقتضيات المادتين السادسة والسابعة من قانون المسطرة المدنية، وهذا ما جاء في قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش بتاریخ 2000/ 12 / 21 : “… وحيث إنه وأمام انعدام أي نص قانوني بمدونة التجارة يخول للنيابة العامة صفة الطرف الرئيسي في كل القضايا المتعلقة بمساطر صعوبات المقاولة فإنه يتعين الرجوع إلى قانون المسطرة المدنية استنادا على مقتضيات الفصل 19 من قانون إحداث المحاكم التجارية الذي نص في الفقرة الأخيرة منه على تطبيق القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص على خلاف ذلك أمام كل من المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية، وأنه بموجب الإحالة المذكورة وبالرجوع إلى قانون المسطرة المدنية فإن الموضوع تنظمه الفصول 6 و7 و8″

والجدير بالذكر أن النيابة العامة عندما تكون طرفا رئيسيا لا يمكن وصف مرافعاتها بالتدخل، كون التدخل لا يكون إلا لمن هو خارج النزاع ، كما أنها تكون مدعية أو مدعى عليها، وتباشر كافة الإجراءات، فتبدي طلباتها، وتدلي بحججها، ولها حق ممارسة الطعن

وبالتالي فإن وضعيتها في الدعوى المدنية لا تختلف عن وضعيتها في الدعوى العمومية، حيث تقف موقف الخصم، فيسري عليها ما يسري عليه، مع إعفائها من بعض الالتزامات كأداء الرسوم القضائية، واشتراط المصلحة، كونها تعد خصما شكليا، لأن ممثل النيابة العامة لا يتصرف بوصفه طرفا في نزاع سيعود عليه بمصلحة خاصة، وإنما يتصرف وفق مقتضيات النظام العام، مما تكون معه النيابة العامة صلة وصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية

الفقرة الثانية: تدخل النيابة العامة كطرف منضم

بالرجوع إلى قواعد ق.م.م نجد أن تدخل النيابة العامة كطرف منظم قد يكون اختياريا أو وجوبيا حدده المشرع في حالات معينة.

أولا: التدخل الاختياري

تكون صور هذا التدخل الاختياري، إما بإحالة الملف من المحكمة، وإما بالتدخل تلقائيا لما ترى موجبا لذلك.

أ: التدخل بإحالة الملف من المحكمة

يبقى السؤال العريض في هذا المقام، يتعلق بمدى التزام النيابة العامة بالتدخل وحدود تقديرها لذلك، ففي القانون الفرنسي استقر الفقه على أن هذه هي الحالة الوحيدة التي يجوز فيها للمحكمة أن تأمر النيابة العامة بالتدخل في الدعوى، وذلك بإرسال الملف إليها لتدلي برأيها ولو بإسنادها النظر للمحكمة

أما في القانون المصري فقد كانت المسألة محط خلاف بين الفقه، حيث يری جانب من الفقه أن هذه النيابة العامة ملزمة بالتدخل كونها ليس لها تقدير تعلق الأمر بالنظام العام الذي سبق تقديره من طرف المحكمة؟بينما ذهب اتجاه آخر إلى القول بأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تبليغ الملف للنيابة العامة دون أن يتضمن أي أمر بتكليفها بالتدخل

نفس الخلاف عرفه الفقه المغربي، حيث ساند الاتجاه الأول الرأي القائل بضرورة تدخل النيابة العامة كون الخيار ممنوح للمحكمة وليس للنيابة العامة، بينما يرى الاتجاه الثاني أنه ليس هناك ما يلزم النيابة العامة بالتدخل في هذه الحالة

ب: التدخل التلقائي

في هذه الحالة لا تنتظر النيابة العامة تبليغها الملف من المحكمة بل تبادر من تلقاء نفسها بالاطلاع على أية قضية رائجة قد ترى ضرورة التدخل فيها، سواء أمام محكمة أول درجة أو محكمة الدرجة الثانية، سيما عندما يتعلق الأمر بحماية النظام العام الاقتصادي والاجتماعي

وبوجه عام فإذا طلبت النيابة العامة التدخل، فإن المحكمة تأمر تلقائيا بإطلاع النيابة العامة على الملف، ولا يترتب على عدم طلبها ذلك أي بطلان مادامت لها سلطة تقدير أمر تدخلها من عدمه

ثانيا: التدخل الوجوبي

بالرجوع لمقتضيات الفصل 9 من ق.م.م التي حددت حالات هذا التدخل، بالنظر لطبيعة اختصاص المحاكم التجارية، فإنه لا يمكن للنيابة العامة التدخل على ضوء الفصل الأنف الذكر إلا في الحالات المتعلقة بحماية النظام العام الاقتصادي والاجتماعي، وبالقضايا المتعلقة بالمؤسسات العمومية التي أضحت تزاول أعمال تجارية، بجانب قضايا القاصرين، وقضايا عدم الاختصاص النوعي ، وتنازع الاختصاص وتجريح القضاة وقضايا الزور الفرعي

المطلب الثاني: أثار تدخل النيابة العامة في صعوبات المقاولة

تختلف آثار وأحكام تدخل النيابة العامة أمام المحاكم التجارية بحسب ما إذا كانت طرفا منظما أو رئيسيا، من حيث تناول الكلمة والرد على دفوع الأطراف، إبداء الطلبات والدفوع، استعمال حق الطعن وحضور الجلسات

وما تجدر الإشارة إليه أن الدعوى التي يوجب القانون تبليغها للنيابة العامة من متعلقات النظام العام تحت طائلة بطلان الحكم حالة صدوره دون تدخلها للإدلاء برأيها ، حسب مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 9 من ق.م.م، لكن يمكن لمحكمة الدرجة الثانية أن تتدارك سبب الإبطال لعدم تبليغ الملف للنيابة العامة حسبما ذهب إليه المجلس الأعلى في قراره الصادر بتاريخ 1998/6/10

وعندما تتدخل النيابة العامة كطرف منظم فليس مؤداه دائما الانضمام إلى طلبات أحد الأطراف، كما يجب الإشارة بالحكم إلى مستنتجاتها أو تلاوتها بالجلسة تحت طائلة البطلان ، لكن يبقى هذا البطلان نسبيا لا يتمسك به إلا من تقرر لصالحه، ومتى تعلق بالنظام العام، ولا يحق إثارته إلا من ذي مصلحة في إثارته.

ولعل من أهم الآثار المترتبة عن تدخل النيابة العامة كطرف رئيسي أو منضم هي ممارستها لحق الطعن في الأحكام القضائية

فبالنسبة للتشريع المغربي، فإنه يستحسن التنصيص صراحة على تدخل النيابة العامة في جميع القضايا المتعلقة بنظام صعوبات المقاولة، والطعن في مختلف القرارات الصادرة بشأنها، سواء تدخلت كطرف رئيسي أو كطرف منضم.

وبالنسبة للطعن بإعادة النظر كطريق غير عادي للطعن، لا يترتب عليه أي أثر موقف التنفيذ، لكن بالنسبة للطعن بالاستئناف، فيترتب عليه أثرين أساسيين:

الأول يتعلق بالأثر الناقل، وهي قاعدة لا تحمل على إطلاقها، حيث إن الاستئناف لا ينقل إلى محكمة الدرجة الثانية إلا ما حدث الطعن بالنسبة له من الحكم الصادر في أول درجة

أما الثاني، فيتعلق بالأثر الموقف التنفيذ، وهنا يطرح إشكال بالنسبة لطعن النيابة العامة بالاستئناف في إطار نظام صعوبات المقاولة، حيث تكون الأحكام مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون، طبقا للمادة 728 من مدونة التجارة، عدا تلك المشار إليها في البابين الثاني والثالث من القسم الخامس ، وبالتالي فإن هذه الأحكام تنفذ، ولا يسوع التقدم بطلب إيقاف تنفيذها، حسب ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 147 من ق.م.م،  وهو إجراء من شأن سلوكه تهديد حياة المقاولة، خصوصا عندما يصدر حكم يقضي بتصفيتها قضائيا.

المطلب الثالث: مجال تدخل النيابة العامة في صعوبات المقاولة

بادئ ذي بدء تجدر الإشارة إلى أن نظام صعوبات المقاولة يعتبر من بين المستجدات التي جاءت بها مدونة التجارة، وهو نظام يروم حماية المقاولة كخلية أساسية في النسيج الاقتصادي الوطني.

وقد تمت الاستعاضة بهذا النظام عن النظام القديم الذي كانت تخضع له المقاولة في ظل القانون التجاري الصادر بموجب ظهير 1913/ 08 / 12 ، ألا وهو نظام الإفلاس الذي كان يفضي إلى إقبار المقاولة و إقصائها من الخريطة الاقتصادية والتجارية

وهكذا، يستبان أن المشرع المغربي حينما سن نظام مصالحة صعوبات المقاولة بدل نظام الإفلاس، انطلق من الإحساس بوجود أزمة هذا النظام الأخير وعدم ملاءمته للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية،  وبخصوص نطاق نظام صعوبات المقاولة، فيمكن رصد تدخل النيابة العامة على ثلاث مستويات:

الفقرة الأولى: على مستوى التسوية الودية

يمكن للنيابة العامة أن تؤدي دورا على جانب من الأهمية يكمن في المساعدة في تحصيل معلومات من شأنها إعطاء نظرة واضحة عن الوضعية الاقتصادية والمالية للمقاولة بموجب المادة 548 من مدونة التجارة في فقرتها الثانية، بالرغم من أن رئيس المحكمة يتمتع في هذه المرحلة بحرية أكبر في التصرف مقارنتا مع وكيل الملك، الذي يبدو أنه ليس من حقه مطالبة رئيس المحكمة التجارية بتعيين مصالح، أو التدخل في إعداد الاتفاق الودي.

– كما بإمكان النيابة العامة الإطلاع على الاتفاق الودي وعلى الخبرة القضائية المأمور بها بمناسبة التسوية الودية، حسب ما يستشف من المادة 559 من م.ت، التي أوردت عبارة “السلطة القضائية”، والتي تعد النيابة العامة من مكوناتها.

 الفقرة الثانية: على مستوى مسطرة المعالجة

حضور النيابة العامة في هذه المرحلة يترجم غاية من غايات مساطر المعالجة المنصوص عليها في مدونة التجارة، ذلك أن مثل هذه المساطر إنما تهم الصالح العام عن طريق تقويم أو تصفية المقاولات المتوقفة عن الدفع مع تحقيق التوازن بين مختلف حقوق الأطراف المرتبطة من قريب أو بعيد بالمقاولة المعنية بالأمر، فضلا على أنها قادرة أكثر من غيرها على إنجاز مهمتها الحمائية، بما تملك من الوسائل القانونية، وآليات البحث والتحقيق والتقصي

أما عن الحالات التي يحق لوكيل الملك طلب فتح المسطرة، فتبقى تلك التي يقرر فيها القانون ذلك للدائن المادة 563و602 من م.ت. كما يمكنه تقديم طلب تمديد المسطرة إلى مقاولة أو عدة مقاولات أخرى بسبب تداخل ذممها المالية، وفقا لما تقتضي به المادة 570 من م.ت

وبخصوص كيفية معرفة وكيل الملك أن مقاولة معينة توقفت عن الدفع، فإن ذلك يتأتى له عن طريق ما يلاحظه من خلال ملفات التي قد تحال عليه من طرف المحكمة للإدلاء بمستنتجاته، أو من خلال محاضر الاحتجاج بعدم الدفع أو عن طريق ما يستبان له من التقييدات الواردة بالسجل التجاري، وبوجه عام عن طريق كل ما يفيد في الوقوف على وضعية المقاولة المعنية، لكن هل يتم تفعيل هذه الإمكانيات على أرض الواقع؟ أم هناك إكراهات تحول دون ذلك؟، بأن ينتظر وكيل الملك في معظم الأحيان إحالة ملف فتح صعوبات المقاولة عليه من المحكمة للإدلاء بمستنتجات النيابة العامة، بدل المبادرة إلى طلب فتح هذه المسطرة.

الفقرة الثالثة: على مستوى التصفية القضائية

يحق لوكيل الملك التقدم بطلب استمرار نشاط المقاولة الخاضعة للتصفية القضائية المادة 620 من مدونة التجارة- إلى جانب التقدم بطلب فتح مسطرة التصفية القضائية – م619 م ت.، كما تبلغ النيابة العامة بمخطط الاستمرار بعد حصره من طرف المحكمة، كما تبلغ بطلب إيقاف نشاط المقاولة بعد الحكم بالتسوية القضائية – م 572 م ت ، كما يتم اطلاعها على مقترحات مخطط التسوية – م579 م.ت. ونفس الأمر بالنسبة التغيير أهداف المخطط

وحسب المادة 641 من م.ت، فإن الوكيل الملك لدى المحكمة التجارية أن يطلع القاضي المنتدب على جميع المعلومات المتوفرة لديه، والتي تكون مفيدة في المسطرة، وهي معلومات غالبا ما يتم استيفاؤها من محاضر الضابطة القضائية أو محاضر التحقيق أو الأحكام القضائية، فضلا عن التقدم بطلب قفل التصفية القضائية في إطار الشروط التي تنص عليها المادة 635 من مدونة التجارية، إذا لم تبق خصوم واجبة الأداء، أو توفر السنديك على المبالغ الكفيلة لتغطية ديون الدائنين، وكذا في حالة الاستمرار في القيام بعملية التصفية لعدم كفاية الأصول، وفي علاقتها بالسنديك، فيحق لها أن تطلب منه تسليمها جميع العقود والوثائق التي بحوزته – المادة 727 من مدونة التجارة-.

وبخصوص العقوبات المنفذة ضد مسيري المقاولات، فيحق للنيابة العامة طلب سقوط الأهلية عن كل شخص طبيعي تاجر وعن كل حرفي أو مسؤول في شركة ثبت في حقه ما يستوجب ذلك

وفي هذا الإطار نستحضر جزئية قانونية على جانب من الأهمية من حيث المستوى النظري أو التطبيقي، والتي تتلخص في مدى إمكانية ممارسة النيابة العامة لحق الطعن بالاستئناف بخصوص المقررات الصادرة بشأن التسوية والتصفية القضائية وسقوط الأهلية التجارية

ذهب بعض الفقه ، إلى القول إنه بإمكان النيابة العامة الطعن بالاستئناف ولو لم تكن طرفا رئيسيا في الدعوى لأن مساطر المعالجة من المساطر الجماعية التي يوكل إلى النيابة العامة حق تحريكها ومراقبتها والإشراف على سير إجراءاتها، بينما هناك اتجاه آخر يرى أن للنيابة العامة الحق في ذلك كونها تعتبر طرفا أصليا إذا ما تم فتح مسطرة التسوية أو الصفية القضائية بناء على طلبها، وهذا ما ينطبق على حالة تقديمها طلب سقوط الأهلية التجارية في حق المقاولة وأصحابها.

المبحث الثاني: حدود تدخل النيابة العامة في مجال صعوبة المقاولة

أحدث القانون رقم 59 . 53 المتعلق بالمحاكم التجارية جهاز النيابة العامة لدى هذه المحاكم، بيد أنه لم يحدد اختصاصاتها بصفة واضحة وصريحة وخاصة في الميدان الزجري، الأمر الذي كان مثار جدال قانوني کرسة العمل القضائي المغربي، من هذا المنطلق فإن دراسة هذا المبحث سوف ترتكز أساسا على إشكالية حقيقة مركز النيابة العامة في نظام صعوبات المقاولة (المطلب الأول)، والدور الجنائي للنيابة العامة في إطار صعوبات المقاولة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: محدودية مركز النيابة العامة في مجال صعوبات المقاولة

إن إشكالية طعن النيابة العامة بالاستئناف في قضايا صعوبات المقاولة، يرجع كما سلف تبيانه إلى عدم وجود نص صريح في مدونة التجارة يخول للنيابة العامة الطعن بالاستئناف ضد الحكم القاضي بفتح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية، وذلك في جميع الحالات، أي بصرف النظر عما إذا كانت قد تدخلت في الدعوى كطرف رئيسي أم منضم، وقد انعكس هذا المسلك الذي نحاه المشرع المغربي على الفقه والقضاء،

وهكذا فقد قال اتجاه بعدم أحقية النيابة العامة في الطعن بالاستئناف في الأحكام الفاصلة في قضايا معالجة صعوبات المقاولة إذا كانت طرفا منضما في هذه القضايا، وبمفهوم المخالفة فإنه من حقها ممارسة هذا الطعن إذا كانت طرفا رئيسيا، ودليل هذا الرأي أن المشرع المغربي لم يحتفظ للنيابة العامة في المواد من 728 إلى 731 من مدونة التجارة بأي مقتضى يسمح لها بممارسة الطعن تاركا الباب مفتوحا لإعمال القواعد العامة الواردة في المواد من 6 إلى 10 من ق.م.م.

ويستحسن في هذا الإطار تدخل المشرع المغربي بسن نص قانوني صريح يخول للنيابة العامة صفة الطرف الرئيس في كل القضايا المتعلقة بمساطر صعوبات المقاولة، أو منحها حق الاستئناف في هذه القضايا سواء تدخلت كطرف رئيسي أم كطرف منضم، تكريسا لصبغة النظام العام الاقتصادي والاجتماعي الذي تكتسيه مساطر صعوبات المقاولة

كما نساير الاتجاه القضائي القائل بأحقية استئناف النيابة العامة لقضايا صعوبات المقاولة سواء تدخلت فيها بصفة رئيسية أم كطرف منضم، وذلك للاعتبارات التالية:

– إن هذا الاتجاه يدافع عنه قضاة النيابة العامة لدى المحاكم التجارية بالمملكة المغربية بعلة أنه من حق النيابة العامة استئناف الأحكام الصادرة في مساطر معالجة صعوبات المقاولة باعتبارها من أهم أشخاص المسطرة ولارتباط هذه المساطر بالنظام العام الاقتصادي والاجتماعي وأنها تعتبر طرفا أصليا في مساطر معالجة صعوبات المقاولة سواء كانت هي التي طالبت بفتح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية أم لا

– إن القضاء المغربي استقر على اعتبار مساطر صعوبات المقاولة من متعلقات النظام العام الاقتصادي والاجتماعية، وأن هذا النظام العام يعتبر من أهم المرتكزات التي كانت وراء إحداث جهاز النيابة العامة بالمحاكم التجارية، ومن ثم فليس من المنطق والعدل في شيء أن يتم إسناد مهمة الدفاع عن النظام العام الاقتصادي والاجتماعي للنيابة العامة، ويتم حرمانها من ممارسة كافة الطرق للدفاع عن هذا النظام خلال المرحلة الاستئنافية.

– ما ضير الأطراف حينما تقبل محكمة الاستئناف التجارية استئناف النيابة العامة إلى جانب استئناف باقي المتدخلين، مادام أنها لا تكون خصما لأي طرف وإنما تتدخل لتبدي رأيها لمصلحة القانون والعدالة ورأيها يعتبر كفتوى لها قيمة أدبية في نظر المحكمة لأنها تبدي وجهة نظرها بشكل حيادي وبما تراه حقا وعدلا، والقول بخلاف ذلك يحرمها من هذا الواجب، مع أنها قد ترى خرقا سافرا للقانون ومضرا بحق من حقوق المجتمع أو النظام العام.

المطلب الثاني: أي دور جنائي للنيابة العامة في إطار مساطر صعوبات المقاولة

إن الاختصاص الجنائي للنيابة العامة لدى المحاكم التجارية بوجه عام استأثر باهتمام الدارسين والباحثين والممارسين بين قائل بتوسيع الاختصاص ليشمل الجانب الجنائي، وبين قائل بحصره فقط في الجانب التجاري الصرف.

سند الاتجاه الأول، المعطيات والاعتبارات الآتية:

– إن الدور الأصلي والطبيعي للنيابة العامة يتجسد في تحريك وممارسة الدعوى العمومية، أما ما خول لها من اختصاصات تجارية لا يعدو أن يكون من قبيل زيادة الثقة والاطمئنان بعملها.

– إن ما تضمنته المادة 736 من مت، يؤكد هذا الدور، فقد جاء فيها: “إلى أن يتم إحداث محاكم مختصة في النزاعات التي تنشأ بين التجار أو لتطبيق هذا القانون، يبت في تلك النزاعات وفق النصوص التشريعية الجاري بها العمل” .

– قد تحدث بين الفينة والأخرى حالات تستوجب اتخاذ القرار المناسب في حينه، كما هو الشأن بالنسبة الجرائم الجلسات وجرائم التزوير التي قد تطال العقود التجارية، ومن شأن الاستعانة بالنيابات العامة لدى المحاكم الابتدائية أن يفقد عنصر المباغتة والتلبس معناه الحقيقي.

– إن حيزا مهما في مدونة القانون الجنائي والقوانين الخاصة خصص لمعالجة جرائم الأموال، مما يقتضي تفعيل دور النيابة العامة لدى المحاكم التجارية

– إن الدور الجديد الذي أسنده المشرع المغربي لوكيل الملك في مجال صعوبات المقاولة جد محدود، وغير معزز بإمكانيات مادية ووسائل عملية كفيلة بأن تجعله يقوم بهذا الدور على الوجه المطلوب.

– إن تدخل وكيل الملك في مساطر صعوبات المقاولة، تعتريه نقائص تجعله عديم الفعالية، حيث يقتصر في الواقع العملي على مجرد تقديم ملتمسات يمكن للمحكمة أخذها بعين الاعتبار أو رفضها، ثم إن هذه الملتمسات ليست حكرا على وكيل الملك، ذلك أن المشرع خول الحق في المطالبة بفتح مسطرة معالجة صعوبات المقاولة واستمرار نشاطها لباقي المتدخلين.

– إن مقتضيات المادة 641 من م.ت التي خولت لوكيل الملك اطلاع القاضي المنتدب على جميع المعلومات المتوفرة لديه والتي يمكن أن تكون مفيدة في المسطرة، قد لا تطبق عمليا بشكل فعال ومجدي ومفيد، ما دام أن جهة الإخبار لا تملك أية سلطة على الضابطة القضائية التي بإمكانها تزويدها ببعض المعلومات الغير المتوفرة في ملف صعوبات المقاولة

 سند الاتجاه الثاني فيتمثل فيما يلي:

– إن الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية تم تحديده بموجب القانون المحدث لها، في إطار المنازعات التجارية الناشئة بين التجار، وتم تمديده ليشمل استثناء مدنيين أو أعمال مدنية، بيد أنه لم يتضمن اختصاصا جنائيا.

– إن النيابة العامة أمام هذه المحاكم مستقلة بذاتها ومنفصلة عن النيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية، وبالتالي لا يتأتى لأي منهما الإحلال محل الأخرى أو التعدي على اختصاصاتها، لكن هذا لا يعني قطعا انفصام روابط تعاون مهني فيما بينهما لما فيه تحقيق العدالة وحسن تصريف الأشغال.

– إن المحاكم التجارية مصنفة في خانة المحاكم المتخصصة غير الجنائية، وأن المصدر التاريخي لهذه المحاكم هو التشريع الفرنسي الذي صنف المحاكم التجارية الفرنسية في الكتاب الرابع من قانون التنظيم القضائي الفرنسي ضمن خانة المحاكم المتخصصة غير الجنائية

– إن إحداث النيابة العامة لدى المحاكم التجارية أملته ضرورة التنظيم الهيكلي لهذه المحاكم وهو ما أكده التنظيم القضائي المتعلق بهذه الأخيرة.

– ليس هناك أي مقتضى تشريعي يخول لوكيل الملك لدى المحكمة التجارية حق تسيير عمل الضابطة القضائية.

– إن من شأن إسناد الاختصاص الجنائي للنيابة العامة لدى المحاكم التجارية أن يسلب الاختصاص الحقيقي والطبيعي لهذه الأخيرة

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!