مقالات

بطلان الشهادة العدلية

بطلان الشهادة العدلية

سبق أن تعرضنا لجوانب من البطلان في المقالات السابقة، خاصة عند الحديث عن الأركان الموضوعية للتصرفات العقارية ، وعن الكتابة كشكلية لازمة لهذه التصرفات ؛ والذي نركز عليه هنا هو بطلان الشهادة العدلية من جهة كونها شهادة لا من جهة صدورها في شكل وثيقة ولا من جهة الأركان الموضوعية التي تنصب عليها.

وإذا ما ثبتت إحدى أسباب بطلان الشهادة حسبما قرره الفقهاء المالكية وغيرهم؛ فينبغي لقاضي الموضوع بعد أن يتأكد منها ومن شروطها أن يحكم ببطلان الشهادة العدلية ؛ حتى لو لم يطلب الأطراف ذلك ، لأن البطلان –بعكس الإبطال- يعتبر من النظام العام.

وهذه الأسباب منها ما يتضمن صورا أخرى غير مذكورة هنا، ومنها ما يمكن ذكره تحت سبب آخر ذكر هنا، ومنها ما لم يعد له أثر في المجال العملي ومنها ما يتضمن صورا صالحة للتطبيق في وقتنا وصورا غير صالحة لذلك. ومنها ما سنذكره منفردا في مطالب لاحقة. وعليه فسنحاول جمع هذه الأسباب تحت فقرتين ، نذكر في الأولى ما يتعلق بالبطلان بسبب تجريح الشهود (أولا) ونذكر في الثانية ما يتعلق بالبطلان بسبب التناقض في الشهادة (ثانيا)

أولا – بطلان الشهادة العدلية بسبب تجريح الشهود

قال الصنهاجي:” اعلم أن العدل يجرح إما بفعله القبيح كشرب الخمر أو ترك الصلاة وكل ما يخل بالمروءة ، وإما بالعداوة الدنيوية التي بينه وبين المشهود عليه ، وإما بالملاطفة التي بينه وبين المشهود له أو بالقرابة الأكيدة الثابتة بينهما.

وأما الواحد من لفيف الناس فيجرح بالعداوة أو بالقرابة أو الملاطفة ، ولا يجرح بمسقط العدالة لأن اللفيف مدخول فيهم على عدم العدالة ، نعم لا بد فيهم من ستر الحال ، فيجرحون بالكذب والمجاهرة بالمعصية إلا إذا عمت أهل البلد”

وقد نص الفصل 79 من ق.م.م في فقرته الثانية على أنه “يمكن تجريح الشهود لعدم أهليتهم لأداء الشهادة أو للقرابة القريبة أو لأي سبب خطير آخر”.

وبذلك يتبين أن أسباب التجريح متعددة وأنها ترتد إلى كل ما يشكل تهمة للشاهد تمنع من قبول شهادته . ولذلك

سنركز على أهم سبب في التجريح يرد حاليا –في الوثائق العدلية- وهو المتمثل في التجريح بالقرابة .

وفي هذا السبب نقول بأن الأسرة تتكون عموما من أشخاص متعددين ، يضمهم وثاق يصطلح على تسميته عادة برابطة القرابة . وهذه القرابة إما قرابة نسب أو دم ، وإما قرابة مصاهرة ؛ وتتحقق قرابة النسب أو الدم عادة بين الأشخاص الذين ينحدرون من أصل مشترك ، فإن كانت بين الأصول والفروع كقرابة الإنسان بأبيه وبجده وإن علا ، وقرابته بأولاده وبأحفاده مهما نزلوا ، فهي قرابة مباشرة ، مبنية على عمود النسب . وإن كانت بين أشخاص ينتمون إلى أصل مشترك بينهم ، دون أن تقوم بينهم علاقة الأصل بالفرع ، فهي قرابة حواشي أو قرابة غير مباشرة ، ومن ذلك مثلا قرابة الشخص بأخيه أو بأخته أو بعمه أو بعمته ، أو بأولاد وأحفاد هؤلاء جميعا

وتنشأ قرابة المصاهرة بين كل واحد من الزوجين وباقي أقارب الزوج الآخر من جهة النسب أو الدم ، مع العلم أن الصلة التي تشد الزوجين لبعضهما هي رابطة زوجية يؤسس لها عقد الزواج ، لا رابطة مصاهرة. وتجري القاعدة على أن أقارب كل من الزوجين من جهة النسب يعتبرون أقرباء بالمصاهرة من نفس الدرجة بالنسبة إلى الزوج الآخر ، فأبوا الزوجة مثلا يعتبران قريبين للزوج قرابة مصاهرة من الدرجة الأولى ، وابن خال الزوج وبنت عمته يعدان قريبين للزوجة بالمصاهرة ، من الدرجة الرابعة ، وهكذا

ومن حيث صلة القرابة بالشهادة ، فقد كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالد والأخ لأخيه، ويتأولون في ذلك قول الله سبحانه وتعالى :”يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين” ، فلم يكن أحد يتهم في ذلك من السلف الصالح ؛ ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم ، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة ؛ وهو مذهب الحسن والنخعي وشريح ومالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل ، أنه لا تجوز شهادة الوالد للولد ، وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا”

وعليه فقد أصبح الراجح في شهادة الوالد لولده أو العكس أن لا تقبل ، وذلك لأن القرابة القريبة إذا ما نظر فيها إلى المآل فهي غالبا ما تجر نفعا للشاهد أو تدفع عنه ضررا ؛ ومعلوم أنه يشترط في الشاهد ألا يجر إلى نفسه مغنما أو يدفع عنها مغرما ، ومن ذلك أن يشهد الضامن للمضمون عنه بالأداء أو الإبراء ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :”لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم”

أما شهادة الأخ لأخيه ، فقد ذهب فقهاء المالكية إلى عدم قبولها إلا إذا كان الشاهد عدلا مبرزا وكانت التهمة

ضعيفة على القول المشهور ، فقد “حكى المازري اتفاق المذهب (المالكي) على رد شهادة الأخ لأخيه مع قوة التهمة كأن يشهد له بما يكتسب به شرفاً أو يدفع به معرة أو تقتضيه الحمية والعصبية … وكذلك رأى غيره أنه يتفق على رد شهادته له بالمال الكثير الذي يحصل له به الشرف …”

ثانيا – البطلان بسبب التناقض في الشهادة

قد تكون الشهادة مستوفية لموجبات القبول، من حيث عدالة شهودها، وسلامة كيفية تحملها وطريقة أدائها، وخالية من موانع القبول بانتقاء الفسق والتهمة عن شهودها. لكن مع ذلك قد يتسرب الخلل لمحتوى الشهادة ، فتكون غير كاملة ، وقد يحصل ذلك بسبب التعارض بين الشهادة المدلى بها وشهادة أخرى، أو بسبب رجوع الشهود عن شهادتهم، وهذان السببان أفردنا لكل منهما مطلبا خاصا ، فلا نذكرهما هنا.

وقد يحصل ذلك بسبب عدم مطابقة الشهادة لمقال المشهود له، وتغيير الشهود لشهادتهم بالنقصان منها أو الزيادة فيها ، وهو ما يترتب عليه التناقض في الشهادة.

وعليه فإننا سنتحدث هنا عن التناقض الذي يحصل في الشهادة بسبب عدم مطابقة الشهادة لمقال المشهود له الذي قد يكون كليا وقد يكون جزئيا. فنبدأ بالتناقض الجزئي ؛ ثم نتبعه بالتناقض الكلي.

1 – التناقض الجزئي

إذا حصل تناقض جزئي بين مقال المشهود له وما صرح به الشهود ، فقد يكون ذلك في صورة موافقة الشهادة لبعض مقال المشهود له ، فتكون الشهادة ناقصة عن المقال ، وقد يبطل جزء من الشهادة بعد أن كان صحيحا ؛ أو في صورة موافقة المقال لبعض الشهادة فتكون الشهادة فيها زيادة على المقال ؛ أو يأتي في صورة تردد الشهود في الشهادة فينقصون منها ويزيدون فيها

2 – التناقض الكلي

يحصل التناقض الكلي بين مقال المشهود له وما صرح به الشهود إما بالمخالفة التامة بين المقال والشهادة، فيكون ما شهد به الشهود شيئا آخر غير ما ادعاه المدعي ، وإما باختلاف الشهود مع بعضهم ؛ وإما بواسطة إدلاء المشهود له بشهادتين منفصلتين قد تتمم إحداهما الأخرى في حالات خاصة ضمن ما يعرف بالتلفيق بين الشهادتين للحصول على الشهادة الكاملة

المراجع:

محمد الكويط : موقع التصرفات العقارية في الوثائق العدلية

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

تحميل المقال:







Leave a Comment

Open

Close
error: Content is protected !!