النفقة

النفقة أنواعها و مشتملاتها و سلطة القاضي في تقديرها

المبحث الأول : ماهية النفقة و حكم مشوعيتها

دعاوى النفقة أصبحت تعم محاكمنا في ظل الحياة الاجتماعية وضغط الظروف الاقتصادية التي باتت تطال المجتمع ، وهروب الكثير من الأزواج من الواجبات الملقاة على عاتقهم بحكم القانون والشرع، وهذا ما يفرض التعرض لموضوع المبحث الذي بين أيدينا

المطلب الأول: الاحكام العامة في النفقة

يقصد بالأحكام العامة للنفقة تلك القواعد التي تتضمن مقتضيات مشتركة تسري على جميع أنواع النفقات حيث سنتطرق لتعريف النفقة (الفقرة الأولى)، أسباب وجوب النفقة ( الفقرة الثانية )

الفقرة الأولى: تعريف النفقة

النفقة لغة: اسم من الانفاق، وهو الإخراج ولا يستعمل الا في الخير، وجمعها نفقات ونفاق –بكسر النون- وتطلق على ما ينفق الانسان على عياله

وشرعا: اخراج الشخص مالا ينفق به من تجب عليه نفقته وتجب النفقة على الزوج انطلاقا من الحكم التعبدي المنصوص عليه بالكتاب والسنة والإجماع، بقول تعالى ” لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها”

النفقة في الاصطلاح القانوني:  لم يعمد المشرع الى إعطاء تعريف لنفقة على شاكلة الفقه، وانما اكتفى بالذكر الأصناف التي تجب لهم النفقة وشروط ذلك، فلا جدال مبدئيا في أن نفقة الزوجة لا تعني في مجمل المبادئ الفقهية إلا نفقة الزوج على الزوجة والذي تنص عليه المادة” 194 “تجب نفقة الزوجة بمجرد البناء، وإذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها “

قد اتفقت جل المذاهب الفقهية على وجوب نفقة الزوجة على زوجها ومن ذلك جاءت المادة 199 من مدونة الأسرة الباب الثالث فيها يتعلق بالنفقة على الأولاد والتي نصت على أنه “إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده، وكانت الأم موسرة وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب”، وينتج عن ذلك عدم سماع دعوى الزوجة )التطليق( إذا تزوجت الرجل وهي عالمة بأنه عاجز عن الإنفاق عليها

الفقرة الثانية: أسباب وجوب النفقة

بالرجوع الى مقتضيات مدونة الاسرة نجدها حددت أسباب وجوب النفقة على الغير في ثلاثة: الزوجية، والقربة، والالتزام، والفقهاء جعلوها أربعة بزيادة “الملك”  واصل ذللك ما روى البخاري ومسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ” افضل الصدقة ما ترك غني، واليد العليا خير من السفلي ،وابدا بمن تعول، تقول المرأة : اما ان تطعمني ، واما ان، تطلقني ، ويقول العبد : اطعمني واستعملني ، ويقول الابن : اطعمني الى من تدعني”

وما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم : “من نذر ان يطيع الله فيلطعه، ومن نذر ان يعصيه فلا يعصه ”

وترتب عليه وحسب ما جاء به الفقه فأسباب وجوب النفقة أربعة اولي هذه الأسباب الزوجية لقوله تعالى “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم”

وثاني أسباب وجوب النفقة القرابة وتشمل الولدين والأولاد ، اما الولدين فلقوله تعالى : وقضى ربك الا تعبدوا الا إياه وبالولدين احسانا ” اما الأولاد فلقوله سبحانه وتعالى “وعلى المولد له ,رزقهن وكسوتهن بالمعروف” وثالت هذه

الأسباب الالتزام ويقصد به كل وعد مبني على شرط او سبب فيجب تنفده بوجود هذا الشرط او هذا السبب ، ويدخل في ذللك الالتزام بالنفقة على الغير .واصل ذلك قوله تعالى : “يأيها الذين امنوا لن تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون ” ومن بين حالات الالتزام بالنفقة التزام الزوجة بالنفقة على أبنائها بمقتضى الخلع ،اما رابع هذه الأسباب والتي لم تأخذ به مدونة الاسرة فهو الملك استنادا للقاعدة الفقهية “كل مالك ملزم بنفقة مملوكه” ويشمل العبيد والحيوان

المطلب الثاني: أنواع النفقة ومشتملاتها

بعد ان تناولنا في المطلب الأول الاحكام العامة لنفقة سننتقل في هذا المطلب لمعاجلة شق الاخر متعلق بأنواع النفقة واستحقاقها وحالات سقوطها من خلال تقسم هذا المطلب بدوره الى فقرتين نخصص الأولى لأنواع النفقة لننتقل بعد ذلك لنتطرق في الفقرة الثانية إلى مشتملاتها.

الفقرة الأولى: أنواع النفقة

باستقرائنا للمادة 193 من مدونة الاسرة، يتضح لنا انها رتبت مستحقي النفقة بالأولوية، بحيث ان المكلف بالنفقة إذا لم يستطيع لسبب من الأسباب ان يسدد نفقة كل من تلزمه نفقتهم، فان الله عز وجل لا يكلف نفسا الا وسعها، وهذا ما سار عليه الفقهاء حين رتبوا مستحقي النفقة أولا بأول حسب التالي:

1 – أولى الناس بنفقة الشخص هو نفسه أولا.

2 – ان فضل شيء قدمت الزوجة، لان نفقتها كانت في مقابل القوامة والطاعة والاحتباس في بيت الزوجة للقيام بواجباتها الزوجية، لقوله تعالي “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بغض وبما أنفقوا من أموالهم “

3 – ثم الأولاد الصغار لضعفهم وقلة حلتهم وعدم قدرتهم على الكسب، ثم الأولاد الكبار المحتاجين للنفقة، تقدم الأنثى من الأولاد على الذكر لأنها احوج بالنفقة من الذكر، لأنها إذا خرجت للبحث عن نفقتها تكون معرضة للافتان بها، لأنه لا تكاد انثى تخلو من شهوة.

4 – ثم الولدين وتقدم الام على الاب لما روى البخاري ومسلم واللفظ له عن ابي هريرة قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ “أمك ثم أمك ثم أمك ثم ابوك ثم ادناك”

الفقرة الثانية: مشتملات النفقة وعناصرها

بالرجوع الى مقتضيات المادة 189 من مدون الاسرة التي نصت على “تشمل النفقة الغداء والكسوة والعلاج، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد…” نجد أنها حددت مشتملات النفقة في السكنى ، ويعني بيها بيت الزوجية حيث يقم الزوجان وابناؤهما، والطعام حيث يلزم الزوج بتوفر الطعام لأسرته، والكسوة من لباس يحمى الجسد من الشتاء، ويستر من القيظ صيفا، ثم العلاج إذا مرض أحد افراد الاسرة وكل ما يعتبر ضروريا يدخل في النفقة بما في ذلك مصاريف تعليم الأولاد.

وعليه نستشف من منطوق المادة 189 ان ما ليس ضروري لا يدخل في النفقة كما هو شان بالنسبة لمصارف التعليم الخصوصى وفي هذا الصدد جاء قرار بما يلي :”لكن حيث ان المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه أسست ما قضت بيه من عدم قبول طلب المصاريف الدراسية لابن على عدم إثبات الطاعنة ما ادعته من كون المطلوب هو الذي ختار تسجل ابنه في مؤسسة خصوصية مؤدى عنها بدلا من التعليم العمومي المجاني رغم تكليفها من طرف المحكمة مما يكون معها قرارها مرتكز على أساس قانوني “.

وبالرجوع الى المادتين أعلاه يتضح انا كل من التشريعين ح ك ما العرف والعادة لبيان الأمور الضرورية في النفقة، لان عادات الناس تختلف من زمن الاخر. وإذا كان الاجتهاد الحنفي وغيره لا يوجب علي الزوج نفقة تطبيب لزوجته لكون فائدة التطبيب غير متيقنة في تلك الازمنة، فانه لا يصح ابدا ان يقال في عصرنا هذا الذي أصبحت للطب فيه نتائج كثيرة من الحالات محققة يقينية، والحاجة اليه توزي حاجة الانسان الي الطعام والكساء

وعلى هذا أساس فان المشرع بإدخالهما للعلاج في النفقة قد ساير في ذلك متطلبات العصر الحالي وازدياد الحاجة الى العلا

وجدير بالذكر ان المشهور في فقه مالك ان اجرة الولادة على الزوج ولو كانت الزوجة مطلقة، وكذلك ما جرت به العادة مما تتقوى به المرأة عند الولادة ومذهب الزيدية ان ثمن الادوية واجرة الطبيب من نفقة الزوجة لان المراد بها دوام الحياة، وقرر الشافعي ان الدواء واجرة الطبيب للاب وان علا وللولد وإن نزل

المبحث الثاني : سلطة القاضي في تقدير النفقات

تعتبر السلطة التقديرية للقاضي لصيقة بممارسته لنشاطه القضائي أيا كان موضوع المنازعة فهذه السلطة عمل يقوم به القاضي بهدف تحقيق الغاية الموضوعية من القانون ومن تم تعد من صميم عمله، ومن الصعوبة بما كان ان نجد تعريف واضحا دقيقا لهذه السلطة لأنها لا تقوم على أساس موضوعي فهي لا تختلف من حيث ممارستها من قاض الى اخر فحسب بل انها قد تختلف لدى نفس القاضي باختلاف الظروف والازمنة وكل ما يمكن قوله ان السلطة التقديرية وسيلة لمواجهة ظروف تطبيق القانون.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد الى مدونة الاسرة المغربية جاءت معظم نصوصه مرنة تسمح للقاضي بإيجاد الحل المناسب باختلاف الظروف والملابسات، فقد فتحت الباب واسعا امام القاضي لإعمال سلطته التقديرية. وعليه سنكتفي خلال هذا المبحث بدراسة خصوصيات دعوى النفقة وسلطة القاضي في تقديرها

المطلب الأول :خصوصيات دعوى النفقة

تتصف دعوى النفقة في القانون المغربي بمجموعة من الخصوصيات التي تميزها عن غيرها من الدعاوى المرتبطة بالنزاعات الأسرية، فمن جهة تعتبر هذه الدعوى من بين الدعاوى التي استثناها المشرع من الخضوع لأحكام المسطرة الكتابية، وبالتالي فتطبق بخصوصها قواعد المسطرة الشفوية في الإجراءات وفي المرافعات. كما أن طلبات النفقة معفاة من أداء الرسوم القضائية بقوة القانون بحكم الطابع الاجتماعي الذي يكتسيها بموجب قانون المالية لسنة 1984 المتعلق بتطبيق المصاريف القضائية، إضافة إلى أنها معفاة من إلزامية تنصيب محام وهو استثناء تم التنصيص عليه في قانون المحاماة

ونجد أن الفصل الرابع من التنظيم القضائي الحالي للمملكة جعل الاختصاص في دعاوى النفقة ينعقد للقضاء الفردي، مع الإشارة انه كلما ارتبط طلب النفقة لأحد الطلبات الإضافية أو المقابلة التي ينعقد فيها الاختصاص إلى القضاء الجماعي، فان القاضي ملزم برفع يده عن القضية بموجب أمر ولائي قصد إحالتها على القضاء الجماعي

ومن بين خصوصيات دعوى النفقة أيضا كون المشرع حدد لها أجلا يتعين على المحكمة البت فيها داخل أجل أقصاه شهر واحد

ومن البديهي أن مدة الشهر هي عبارة عن اجل تحفيزي القصد منه الإسراع بإصدار حكم النفقة نظرا لطابعها المعيشي، حيث يستحيل عمليا احترام ذلك الأجل في كافة الظروف والأحوال لاعتبارات إجرائية وموضوعية في مقدمتها اكتظاظ المحاكم بالملفات وتأخيرها لأسباب غالبا ما تكون وجيهة، ومن ذلك التغيبات

وكذلك الحكم الصادر في دعوى النفقة لا يستنفذ أثره كله بمجرد تنفيذه، وإنما يستمر في ترتيب ذلك الأثر في المستقبل بالنسبة للنفقات التي لم تكن محل طلب، وهو ما يستفاد من الفقرة الأخيرة من المادة 191 من مدونة الأسرة وتنص على انه: ” الحكم الصادر بتقدير النفقة يبقى ساري المفعول إلى أن يصدر حكم أخر يحل محله، أو يسقك حق المحكوم له في النفقة “.

والظاهر ان هذه القاعدة الأخيرة، إنما هي في واقع الأمر ردة فعل منطقية ضد المتاعب الكبرى التي كانت تتعرض لها الزوجة أو المطلقة، بسبب أن الحكم القضائي كان تنفيذه قاصرا على مضمونه وحده والمرتبط بفترة زمنية سابقة على الحكم، أو على الأقل مرتبطة بوقت صدوره. وهو مما كان يغرق الزوجة في دعاوى النفقة

ومن خصوصيات الأحكام الصادرة في قضايا الأسرة أنها تكون مشمولة بالتنفيذ المعجل وذلك طبقا للفصل 179 مكرر من قانون المسطرة المدنية : ” يبت في طلبات النفقة باستعجال وتنفذ الأوامر والأحكام في هذه القضايا رغم كل طعن “.

أما بخصوص المعايير التي تستند إليها المحكمة لتحديد مبلغ النفقة المحكوم بها، فقد أشارت إليها صراحة المادة 189 من مدونة الأسرة وهي التي سنتطرق إليها في الفقرة التالية المعنونة بسلطة القاضي في تقدير النفقة.

المطلب الثاني : سلطة القاضي في تقدير النفقة

تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأطفال, وإذا امتنع الزوج عن الإنفاق أمكن للزوجة أن ترفع دعوى بذلك إلى القضاء الذي عليه أن يقدر مبلغها وأن يحكم به، بالإضافة إلى أن المشرع خول لها رفع دعوى التطليق لعدم الإنفاق.

واذا كانت القاعدة في الفقه الإسلامي عموما هي أن النفقة تقدر بالاعتماد على

الوضعية المادية للزوج انطلاقا من قوله تعالى }لينفق ذو سعة من سعته{ في حين أن المذهب المالكي أوجب في المشهور عنه مراعاة حالة الزوجة كذلك ، وهذا ما كرسته مدونة الأسرة في الفقرة الثانية من المادة 189 اولتي جاء فيها: “يراعى في تقدير كل ذلك، التوسط ودخل الملزم بالنفقة، وحال مستحقها، ومستوى الأسعار والأعراف والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة “.

وبذلك يكون المشرع قد احتفظ بنفس المعايير لتقدير النفقة التي كان معمولا بها في إطار قانون الأحوال الشخصية الملغى

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!