النظام العام

مفهوم النظام العام و أهم قواعده

المطلب الأول:  مفهوم النظام العام

سنتناول مفهوم النظام العام تمهيداً لمعالجة هذه الفكرة حيث “تعد فكرة النظام العام من الأفكار الأساسية في علم القانون بصفة عامة، حيث يقترن استخدام مصطلح النظام العام في القانون الداخلي بكافة فروعه المختلفة بالكلام عن القواعد القانونية الآمرة التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها، فالنظام العام يعد قيداً على سلطان الإرادة

إن فكرة النظام العام الداخلي في دولة ما، مجموعة الأصول والقيم التي تشكل كيانها المعنوي، وترسم صورة الحياة الإنسانية المثلى فيها، وحركتها نحو تحقيق أهدافها، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو خلقية، وهي بهذه المثابة مبادئ وقيم تفرض نفسها على مختلف أنواع المعاملات القانونية في الدولة وجوداً وأثراً، غالباً في صورة قواعد قانونية آمرة تحكم هذه العلاقة

 فكل عمل إرادي أو اتفاق يخالف هذه القواعد يكون مصيره البطلان، فالكثير من التشريعات عند صياغة القواعد القانونية الآمرة تنص على عدم جواز الاتفاق على ما يخالفها، أو على بطلان هذا الاتفاق، أو عدم جواز التنازل عما تقرره من حقوق

ومن خلال الاستقراء لفكرة النظام العام ومحاولة وضع تعريف واضح ومحدد لها نجد أنها من الأفكار القانونية التي تستعصى على التعريف لمرونتها وتغيرها بتغير الزمان والمكان فيما يعتبر من النظام العام في دولة ما في وقت ما قد لا يعتبر كذلك في وقت لاحق وعرف النظام العام : “القواعد القانونية التي تعتبر من النظام العام هي قواعد يقصد بها تحقيق مصلحة عامة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على مصلحة الأفراد

ويرى البعض الآخر أنه : “مجموعة المصالح الأساسية للجماعة “أي مجموعة الأسس والدعامات التي يقوم عليها بناء الجماعة وكيانها بحيث لا يتصور بقاء هذا الكيان سليماً دون استقراره عليها”.

وقد عرفته محكمة النقض المصرية بأنه يشمل القواعد التي ترمى إلى تحقيق المصلحة العامة للبلاد سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية والتي تتعلق بالوضع الطبيعي المادي والمعنوي لمجتمع منظم وتعلو فيه على مصلحة الأفراد

فإذا ما حاولنا تعريف النظام العام فإننا نقول:

بأنه يتعلق بمجموعة القواعد القانونية التي تهدف إلى المحافظة على الكيان السياسي والاقتصادي، والأخلاقي للدولة، وتضع في الاعتبار سمو المصلحة العامة على المصلحة الفردية دون أن تغفل أو تتجاهل كلية المصلحة الفردية.

في ضوء ما تقدم يتضح لنا أن التعريفات السابقة للنظام العام غير كافية لتحديد هذه الفكرة تحديداً منضبطاً، لأن فكرة النظام العام فكرة نسبية معيارية تختلف باختلاف الزمان والمكان فهي تختلف من دولة إلى أخرى وتختلف أيضاً في نفس الدولة باختلاف الزمان.

وقواعد النظام العام قواعد آمرة إلا أن القواعد الآمرة ليست جميعها من النظام العام طالما أن هذه القواعد لا تتعلق بالأسس السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية التي يقوم عليها كيان المجتمع، والملاحظ أنه من الصعوبة بمكان وضع قائمة بالقواعد القانونية المتعلقة بالنظام العام وإزاء هذه الصعوبة أورد الفقه بعض الأمثلة لهذه القواعد.

المطلب الثاني:  قواعد النظام العام:

1 – تعتبر من القواعد المتعلقة بالنظام العام القواعد المتعلقة بالحريات العامة، كحرية الرأي والحرية الشخصية وكذلك قواعد قانون العقوبات.

2 – كما تعتبر القواعد المتعلقة بالاختصاص القضائي فيما عدا الاختصاص المحلي، من النظام العام، وكل اتفاق على خلاف تلك القواعد يكون باطلاً لكونه يهدر المصلحة العامة التي استهدفها المشرع بتوزيع العمل على جهات القضاء وعلى طبقات المحاكم داخل الجهة القضائية الواحدة القوانين التي تنظم النقد والعملة، وهذه القوانين تتعلق بالأسس الاقتصادية للمجتمع

3 – وتعتبر قواعد الأهلية من القواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام فلا يجوز أن يعطى شخص أهلية غير متوفرة فيه، كما لا يجوز الحرمان من أهلية موجودة، أو الانتقاص منها. وكل اتفاق على شيء من ذلك يكون باطلاً ولذلك تنص المادة ( 47 ) من القانون المدني على ما يلي: “ليس لأحد النزول عن أهليته ولا التعديل في أحكامها”

4 – وتعتبر من القواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام القواعد التي تحكم الحالة المدنية فأي اتفاق على تغيير الاسم أو الجنسية في غير الأحوال التي يحددها القانون يكون باطلاً بطلاناً متعلقاً بالنظام العام.

5 – القواعد الخاصة بنظام الأسرة فأي اتفاق على تعديل حقوق كل من الزوجين قبل الآخر أو التنازل مقدماً عن المطالبة بالنفقة المنصوص عليها في القانون أو تنازل الزوج المسلم عن حقه في الطلاق أو حقه في تعدد الزوجات يكون باطلاً بطلاناً متعلقاً بالنظام العام لأن هذه الحقوق تتعلق بالأسس العائلية التي يقوم عليها بناء المجتمع.

6 – مبدأ التقاضي على درجتين من المبادئ الأساسية للنظام القضائي لا يجوز مخالفته أو النزول عنه. ومن يتأمل قليلاً في هذا الإحصاء يتبين ما ينطوي عليه من إفراط ومن خلط فقد أتى واضعوه بأقسام متعددة للقوانين تكاد تجمع كل شيء

المطلب الثالث:  النظام العام الدولي:

بداية لا بد من الإشارة إلى أن بعض الفقهاء قد انتقد (النظام العام الدولي) ويرى أنه اصطلاح مضلل شاع في فرنسا ونقله البعض إلى مصر، ولذلك لم تنص غالبية التشريعات الوطنية على التمييز بين النظام العام الداخلي والنظام العام الدولي ، خوفا من أن يتم الاستناد إلى هذا النظام كمبرر لرفض تنفيذ الأحكام الأجنبية مما سيشكل عائقاً كبيرا وتحدياً صعباً أمام تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ويعطل ما حققه القانون الدولي ألاتفاقي من انجاز كبير في عالم التحكيم .

تقوم فكرة النظام العام الدولي على أساس مجموعة من الأصول والمبادئ العامة التي تفرضها القيم الإنسانية العالمية، والتي يفرضها التعايش المشترك بين المجتمعات، وهذه القيم أو الأصول تتسع لتشمل مبدأ حرية التعاقد، والقوة الملزمة للعقد، ومبدأ عدم جواز إساءة استعمال

الحق، ومبدأ حسن النية في تنفيذ العقود، ومبدأ إبطال الغش، ومبدأ عدم جواز الإثراء بلا سبب، وغيرها من المبادئ التي كانت تفرض وجودها في غالبية التشريعات للدول.

هذه القيم أو الأصول تتسع لتشمل الكثير من القيم العليا، كما هو الشأن في حماية الآثار باعتبارها تراثاً للبشرية، وفي حماية البيئة من مخاطر التلوث باعتبارها إطاراً عاماً مشتركاً للبشرية، وفي مكافحة المخدرات، ومكافحة الإرهاب على المستوى الدولي، باعتبار ما لها من أثر على صحة الإنسان أو أمنه في العالم بأسره، وفي مكافحة عمليات غسيل الأموال غير المشروعة، وفي التصدي للفساد المتمثل في الرشوة والعمولات غير المشروعة.

أما النظام العام الدولي في مجال الإجراءات فهو يتمثل في الأصول العامة أو المبادئ الأساسية في التقاضي التي لا يتصور تحقيق العدالة دون الالتزام بها. ومن أهمها مبدأ المساواة بين الأطراف، حيث تقتضي العدالة أن تسمح لكل طرف بعرض دعواه “يعامل طرفا التحكيم على قدم المساواة وتهيأ لكل منهما فرصة متكافئة وكاملة لعرض دعواه” المادة 26 من قانون التحكيم المصري، والمادة 25 من قانون التحكيم الأردني

ومبدأ المواجهة بين الخصوم بأن يتاح لكل خصم تقديم دفاعه في مواجهة الطرف الآخر، وإتاحة الفرصة لاطلاع الخصوم عليها، وكذلك في مجال مناقشة الشهود، فلا يجوز مناقشة شاهد في غياب أحد الأطراف ما لم يكن قد أعلن بموعد الجلسة … وغيرها من المبادئ العامة التي تدخل في مجال الإجراءات.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي





أحدث المقالات
error: Content is protected !!