الأساس الاتحادي للدولة

الأساس الاتحادي للدولة في النظام الاتحادي الأمريكي

الأساس الاتحادي للدولة في النظام الاتحادي الأمريكي

جاء الدستور الأمريكي لعام 1787 بنظام سياسي – النظام الاتحادي الأمريكي – أصيل قال عنه “الكسي دو تودرفيل” في كتابه عن الديمقراطية في أمريكا” (1835) بأنه “يشكل كشفا كبيرا في علم السياسة المعاشر”. وتتجلى الأصالة التي أتی بها الدستور بالمبدأ الاتحادي الذي اعتمد كأساس لبناء الدولة. وبالنموذج الجديد للعلاقة بين السلطات السادسة ولاسيما السلطتين التنفيذية والتشريعية والتي أدت لوصف النظام، بالنظام الرئاسي.

الأساس الاتحادي للدولة

يقوم النظام السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية على أساس المبدأ الاتحادي (أو الفدرالي) ويتجلى هذا المبدأ في وجود کيانين سياسيين ضمن الدولة الكيان المركزي الذي يجسد وحدة الشعب والدولة، والكيان الإقليمي الذي تتجلى من خلاله التعددية والاستقلالية النسبية للدول الأعضاء.

 ولقد كان هذا التجديد الذي ابتدعه الدستور الأمريكي الناتج الطبيعي للنزعة التوفيقية بين الحاجات لخلق دولة واحدة وبين رغبات الدول المستقلة حديثا في الحفاظ على استقلالها وشخصياتها المتميزة، وكانت هذه الرغبة شديدة بشكل خاص لدى الدول الصغيرة في عدد سكانها أو الضعيفة نسبيا من الناحية الاقتصادية وذلك لحشيتها من أن يضعها وضعها الخاص في مرتبة أدني من باقي الدول.

أ – مميزات النظام الاتحادي الأمريكي:

لقد استطاع أنصار وجهة النظر الاتحادية في الكونغرس التعاهدي إقناع باقي الأعضاء بأفكارهم نتيجة الطابع الخاص والمميزات المحددة التي أعطوها للفترة الاتحادية التي نادوا بتطبيقها، ومن أهم هذه المميزات:

– أن الاتحادية الأمريكية لم تلحق أي تغيير في هياكل التنظيم السياسي للدول الأعضاء، وإنما قامت فقط بإيجاد سلطة مركزية عليا فوق السلطات المحلية الموجودة في تلك الدول. إلا أن هذه السلطة المركزية كانت سلطة متكاملة لأنها زودت، خلافا لما كان عليه الحال أثناء المرحلة التعاهدية، بهیئات تشريعية وتنفيذية وقضائية، لها صالات مباشرة مع المواطنين في كافة الدول الأعشاء.

– أن الاتحادية الأمريكية، اتحادية محدودة السلطات، فالقاعدة العامة التي اعتمدت حين قيام الاتحاد هي أن السلطة المركزية لا تمارس إلا الصلاحيات المحددة لها بنص الدستور. أما ما عدا ذلك فيعتبر من اختصاص الدول الأعضاء.

– أن الاتحادية الأمريكية تقوم على أساس نوع من المساواة بين الدول الأعضاء فلقد أقام الدستور الاتحادي سلطة تشريعية مركزية تتألف من مجلسين مجلس الممثلين الذي يضم نوابا ينتخبهم الشعب مباشرة ضمن إطار كل دولة عضو (ولاية) ويكون عددهم مناسبا لعدد سكان كل منها. ومجلس الشيوخ الذي تتمثل فيه الدول الأعضاء (الولايات) على قدم المساواة، ويكون لكل منهما فيه مندوبين اثنين بغض النظر عن مساحتها وقوتها الاقتصادية و عدد سكانها.

وقد جسد هذا الحل روح التسوية التي تم التوصل إليها بين الدول الصغيرة التي كانت تريد أن تمثل في الهيئة التشريعية بعدد من المندوبين مسار لعدد مندوبي الدول الكبيرة، وبين الدول الكبيرة التي كانت تطالب بأن يكون تمثيلها في ذلك الهيئة مناسبا لعدد سكانها. وقد انعكست روح التسوية هذه كذلك على صعيد السلطة التنفيذية المركزية حين نص على انتخاب الرئيس الاتحادي من قبل ناخبين رئاسيين ينتخبون من الشعب، ضمن إطار كل ولاية، ويكون عددهم في كل منها، مساويا لعدد مندوبي هذه الولاية في الكونغرس الاتحادي.

 – إن الاتحادية الأمريكية اتسمت حين قيامها بالطابع التعاقدي. فالدولة الاتحادية لم تظهر للوجود إلا بعد مصادقة الدول الأعضاء على الدستور الاتحادي بكل إرادتها وحريتها، كما أن قبول أعضاء جدد في الاتحاد لا يمكن أن يتم إلا بعد موافقة الأعضاء القدامى. ولقد دفع هذا الأمر بعض المؤلفين للقول بأن الدول الأعضاء تستطيع الانسحاب من الاتحاد متى شاءت، وذلك باعتبار أن دخولها فيه تم بموافقتها وإرادتها الحرة. إلا أن هذه الفكرة لم تعد مقبولة عمليا وخاصة بعد الحرب الأهلية التي نشبت عام 1861 بين السلطة المركزية ومن ورائها ولايات الشمال وبين ولايات الجنوب التي أعلنت انفصالها عن الدولة الاتحادية. فبعد أن توجت هذه الحرب بانتصار السلطة المركزية أصبح الطابع الدائم والخالد لاتحاد أمرا لا جدال فيه.

 ب- تطور النظام الاتحادي الأمريكي:

 إذا كان النظام الاتحادي الأمريكي قد أخذ، عند قيامه، طابعا محدودا وتعاقديا، فان هذا الأمر ما لبث أن تطور سريعا باتجاه إعطاء مزيد من الأهمية والأولوية للدولة الاتحادية او السلطة المركزية، فمنذ قيام الاتحاد، هيمنت على الحياة السياسية الأمريكية قضية أساسية تمثلت بكيفية تحديد العلاقة عملية وتوزيع الاختصاصات بين السلطة المركزية والدول الأعضاء, ولقد انقسمت الأوساط الأمريكية تبين تيارين رئيسيين: تیار اتحادي كان رأسه واشنطن وهاملتون، وكان يدعو لتقوية السلطة المركزية على حساب الدول الأعضاء، وتیار معارض تزعمه جيفيرسون وكان يدافع عن حقوق الدول الأعضاء واختصاصاتها.

ولقد استفاد واشنطن من انتخابه كأول رئيس للولايات المتحدة لتغليب وجهة نظر التيار الأول، فقام وأنصاره بابتداع ما سمي بنظرية “السلطات الضمنية” التي تقول بأن السلطة المركزية تتمتع بالإضافة للاختصاصات التي حددها لها الدستور صراحة، باختصاصات أخرى تنتج عن الأولى وتعتبر ضرورية لكي تتمكن السلطة المركزية من ممارسة اختصاصاتها الدستورية الأصيلة كاملة. وقد استقرت هذه النظرية شيئا فشيئا ودعمتها المحكمة العليا بالتأييد، الأمر الذي من الكونغرس الاتحادي فيما بعد من اتخاذ ما يسمى “بالقوانين الضرورية التأمين وضع سلطات الحكومة موضع التطبيق”.

ولقد لوحظ أن اختصاصات السلطة المركزية، بصورة عامة واختصاصات الرئيس الاتحادي، بصفة خاصة كانت تزداد قوة واتساعا أثناء فترات الأزمات الخطيرة التي واجهتها البلاد على الصعيدين الداخلي والخارجي والتي كان من أبرزها اندلاع الحرب الأهلية عم 1861 ومشاركة الولايات المتحدة في الحربين العالميين الأولى والثانية، ومضاعفات الأزمة الاقتصادية العالمية بعدم 1929.

1 – الحرب الأهلية:

توجت الحرب الأهلية التي اندلعت في الولايات المتحدة عام 1861 سلسلة طويلة من الخلافات والأزمات بين عدد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية الهامة والتي كان من أبرزها السياسة الجمركية للحكومة المركزية، والموقف من نظام الرق. فلقد كانت الحكومة تميل لتبني سياسة اقتصادية قائمة على الحماية الجمركية وذلك خدمة منها المصالح الولايات الشمالية التي كانت تشهد حركة تصنيع واسعة ومزدهرة،

وكان يهمها أن تفرض الحكومة رسوما جمركية عالية على السلع المستوردة من الخارج وذلك لرفع أسعارها والحيلولة دون منافستها للمصنوعات الوطنية. إلا أن الولايات الجنوبية التي كانت بالأساس ولايات زراعية كانت غير معينة بمثل هذه السياسة الجمركية بل أنها كانت تشكو منها لأنها تؤدي لزيادة أسعار البضائع المستوردة. وكانت هذه الولايات تهتم بالمقابل بالمحافظة على نظام الرقيق الذي يوفر لها اليد العاملة الرخيصة واللازمة لاستمرار ازدهار زراعة القطن والتبغ فيها،

 في حين أن الولايات الشمالية الصناعية كانت لا تحتاج كثيرا لمثل هذه اليد العاملة، الأمر الذي دفعها لتبني وجهة نظر متحررة إزاء قضية الرقيق، فكانت تدعو لاستنكار هذا النظام ولمعارضة استمراره، ووسط حماة الصرع الحاد بين الآراء المؤيد والمعارضة لاستمرار نظام الرقيق تأسس في البلاد عام 1854، الحزب الجمهوري الذي تبني برنامجا سیاسيا معارضا لاستمرار هذا النظام.

 وقد تمكن هذا الحزب من تأمين النصر لمرشحه للرئاسة، ابراهام لنكولن، في انتخابات عام 1860، وما أن اعتلى لنكولن منصب رئاسة الجمهورية حتى بدا أن انفصال الولايات الجنوبي أصبح أمرا لا مفر منه. ولقد سارعت ولاية كارولينا الجنوبية لإعلان انفصالها عن الاتحاد، وما لبثت ان اتبعتها في ذلك ست ولايات جنوبية أخرى، قامت بالإعلان عن قيام تحاد تعاهدي كونفدرالي يضمها جميعا

وعلى إثر قرار الانفصال، اندلعت الحرب بين السلطة الاتحادية والولايات الشمالية من جهة وبين الولايات الجنوبية من جهة ثانية، واستمرت الحرب حتى عام 1865 حيث انتهت بانتصار الشمال على الجنوب. ولد أدت الحرب الأهلية، على صعيد تطور النظام الاتحادي، إلى عدة نتائج من أهمها:

 أولا: أنها وجهت ضربة قاضية للأساس التعاقدي للدولة الاتحادية، ولفكرة حق الدول الأعضاء بالانفصال و باستعادة استقلالها التام، وأكدت بالمقابل مبدأ ديمومة وخلود الاتحاد

ثانيا: أنها دعمت بشكل قوي اختصاصات السلطة المركزية على حساب الدول الأعضاء، بصفة عامة واختصاصات الرئيس على حساب الكونغرس الاتحادي بصفة خاصة. فلقد استأثر الرئيس لنكولن، في ظل ظروف الحرب، بسلطات واسعة كان اختصاص البت فيها يعود في الأوقات العادية أما للدول الأعضاء و أما للكونغرس الاتحادي. وكان من أبرز هذه السلطات، تلك المتعلقة بتنظيم البلاد في زمن الحرب، وبتنظيم القطاع المصرفي. وقد برز أنصار الرئيس تصرفاته من خلال نظرية أطلقوا عليها اسم نظرية أوقات الأزمة أو الطوارئ (Energency)

وبموجب هذه النظرية تسار يحق للرئيس أن يتخد في أوقات الأزمات والظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، تدابير عاجلة تستدعيها الضرورة وإن لم تكن بالأصل عائدة الاختصاصه, إلا أن واجبات الرئيس الدستورية ومهامه المقدسة في الحفاظ على كيان الدولة ووحدتها تتطالب منه القيام بها.

 2- الأزمات اللاحقة:

أدت الأحداث السياسية واقتصادية الخطيرة التي عرفتها الولايات المتشدة بسبب مشاركتها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وعلى إثر تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 1929، إلی فرض تدعيم وتوسيع اختصاصات السلطة الاتحادية ولاسيما اختصاصات الرئيس و ذلك على حساب الدول الأعضاء و الكونغرس.

فخلال أحداث الحربين العالميتين استناد الرئيس الأمريكي إلى أبعد حد ممكن من نظرية أوقات الأزمة، واتخذ تدابير واسعة جدا لتعبئة الأزمة وتوفير الشروط اللازمة للنصر.

وقد شملت هذه المجالات العسكرية والاقتصادية والمالية منها. وكانت السلطات المحلية في الدول التدابير مختلف الأعضاء وكذلك السلطة التشريعية الاتحادية تجد نفسها مضطرة، بسبب الظروف الخاصة التي تمر بها البلاد للموافقة على هذه التدابير وعدم معارضتها. و عندما تولى فرانكلين روزفلت في عام 1932 رئاسة الولايات المتحدة ، ووجد أن البلاد مازالت تتخبط بمضاعفات الأزمة الاقتصادية التي عمت العالم منذ عام 1929. أعلن فور انتخابه عن برنامج الإصلاح الاقتصادي، عرف بسياسة النيودیل،

وعكس هذا البرنامج إرادة الرئيس في ضرورة تدخل السلطة المركزية بشكل متزايد في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وذلك خلافا لتقاليد الليبرالية الاقتصادية التي كانت تعني امتناع الدولة عن التدخل في هذه الميادين وترك أمرها بشكل تام للمبادرة الفردية وقد طلب الرئيس إلى الكونغرس الاتحادي إقرار عدد من القوانين الهامة المتعلقة بالسياسة النقدية والمصرفية والتجارية والسعرية والاجتماعية الخاصة بتشريعات العمل.

وكانت هذه القوانين تستهدف تأكيد حق السلطة المركزية في تنظيم ومراقبة النشاط الاقتصادي على هدي المصلحة العامة للبلاد.

ورغم أن بعض الأوساط الاقتصادية الهامة، بالإضافة إلى المحكمة الاتحادية العليا، قاومت اتجاهات الرئيس للتدخل في الحياة الاقتصادية، فإن نهجه ترسيخ بشكل قاطع على إثر الانتصار الشعبي الكاسح الذي أحرزه أثناء انتخابات الرئاسة التالية التي جرت في عام 1936. ومنذ ذلك الحين توطدت سلطة الحكومة المركزية بشكل واضح في الحياة السياسية الأمريكية. وأصبح هذا الواقع الجديد أمرا لا بد منه وخاصة على إثر الحرب العالمية الثانية التي تميزت نهايتها بتغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وذلك فيما يتعلق الانفتاح على قضايا العالم، والتصدي لقيادة المعسكر الرأسمالي على المستوى العالمي.

 إلا أن تطور النظام الاتحادي باتجاه تقوية السلطة المركزية وتوسيع اختصاصاتها يجب أن لا يدعو للاعتقاد بأن الحياة السياسية المحلية في الدول الأعضاء في طريقها إلى الاضمحلال. فالواقع أن المؤسسات السياسية في هذه الدول مازالت تلعب دورا هاما وحساسا في الحياة المواطن ذلك في مختلف المجالات التشريعية والتنفيذية والقضائية لها. .

والجدير بالملاحظة أن هذا التطور جری بدون إدخال أي تعديل رسمي على دستور عام 1787، وإنما هو تم من خلال إعطاء النصوص الدستورية القائمة تفسيرات ومعان واسعة من شأنها تبرير زيادة دور السلطة الاتحادية، والرئيس بصفة خاصة في حياة البلاد العامة.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!