إجراءات التحقيق في المنازعات الضريبية

إجراءات التحقيق في المنازعات الضريبية

إجراءات التحقيق في المنازعات الضريبية

تظل المنازعات الضريبية على غرار باقي المنازعات قد تستدعي المرور بإجراءات التحقيق والتي تتنوع بين الخبرة القضائية وما تتميز به هذه الأخيرة من خصوصية في المنازعات الضريبية

الخبرة القضائية في المنازعات الضريبية

لا شك أن المنازعات الضريبية تتميز بكثرة تشعبها حيث يتداخل في تحديد وتصفية وعاء الضريبة مجموعة من المعطيات القانونية والواقعية ، والتي تترجم عمليا في صورة إصدار ضريبي ، هذا الأخير الذي قد يكون محل منازعة ضريبية تطرح على القضاء الإداري الذي يملك ولاية الفصل في المنازعات الضريبية بناء على الوقائع والوثائق الإثباتية المعروضة عليه وإذا تبين أن هذه الوسائل غير كافية ولا تمكن من تكوين قناعة القاضي حول النزاع المعروض أمامه ، جاز له –بناء على طلب الأطراف )الملزم و الإدارة الضريبية( أو أحدهما أو تلقائيا- تعميق إجراءات التحقيق .

والملاحظ في الدعاوى الضريبية ، فإن الخبرة هي وسيلة التحقيق الأكثر استعمالا وذلك لطبيعة النزاع الضريبي الذي يتميز بطباعه التقني والمحاسبي ، من هنا سنعالج في هذه الفقرة الخبرة القضائية في التشريع المغربي )أولا( وكيفية التعامل القضائي مع الخبرة في المجال الضريبي (ثانيا(، مع بعض الإشكاليات التي تطرحها الخبرة القضائية في المجال الضريبي .

أولا : الخبرة القضائية في التشريع المغربي

لقد حدد قانون المسطرة المدنية باعتباره قانونا إجرائيا عاما قواعد أو إجراءات التحقيق التي قد يلجأ إليها القاضي وذلك من خلال الباب الثالت في الفصول من 55 إلى 102 ، حيث تم التطرق لإجراء الخبرة ومعاينة الأماكن و الأبحاث ثم اليمين و الزور الفرعي . وهكذا نص الفصل  55 من قانون المسطرة المدنية على أنه ” يمكن للقاضي بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أو تلقائيا أن يأمر قبل البث في جوهر الدعوى بإجراء خبرة أو وقوف على عين المكان أو بحث أو تحقيق خطوط أو في إجراء من إجراءات التحقيق” ،

كما نص الفصل 59 من نفس القانون على أنه “ يجب على الخبير أن يقدم جوابا محددا وواضحا على كل سؤال فني كما يمنع عليه الجواب على أي سؤال يخرج عن اختصاصه الفني وله علاقة بالقانون”

وتعبا لذلك فإن مهمة الخبير يجب أن تقتصر على البحث في الأمور الفنية دون المسائل القانونية التي تدخل في الولاية الحصرية للقاضي, وفي نفس الإطار اشترط من خلال القانون 00-45 المتعلق بالخبراء القضائيين على أن هذا الأخير يتولى التحقيق في النقط التقنية والفنية وعدم إبداء رأيه في الجوانب القانونية.

أما التشريع الضريبي ، قد تطرق إلى إجراء الخبرة من خلال المادة 242 من المدونة العامة للضرائب والمادة 59 من مدونة تحصيل الديون العمومية ، كما أن المشرع في المادتين 225 و226 من المدونة العامة للضرائب ، أجاز أثناء عرض النزاع أمام اللجان إمكانية إضافة اللجنة سواء المحلية أو الوطنية ، فيما يخص كل قضية خبيرا أو خبرين موظفين أو غير موظفين يكون لهما صوت استشاري في حين أن التشريع الفرنسي قد خص الخبرة في المجال الضريبي بقواعد خاصة .

إضافة إلى اشتراط المشرع على بث الخبير في المسائل الفنية دون القانونية و الذي زكاه من خلال المادة 242 من المدونة العامة للضرائب ، فإن الأمر بالخبرة لا يجوز كذلك في مجال يتعلق بالإثبات باعتبار أن عمل الخبير يجب أن ينحصر في التقدير الفني ، وأن عناصر الإثبات التي يقدمها الخصم  .

ثانيا : سلطات القاضي الإداري في الخبرة القضائية

إذا كان المشرع المغربي قد تدخل من خلال قانون المسطرة المدنية وكذا من خلال القوانين الضريبية لتنظيم الشروط المتطلبة في الخبير وكذا مجال تدخله ، فيبقى القاضي الإداري هو المؤهل لتعيين الخبير و تحديد مهمته إضافة إلى سلطته في مدى الأخذ بنتائج تقرير الخبراء.

1 – سلطة القاضي في تعيين الخبير

تتحدد سلطة القاضي من خلال تعيين الخبير وتحديد مهمته في القضايا المعروضة ، لكن قبل ذلك ينبغي أن نشير إلى الطبيعة الإختيارية للخبرة حيث أنه بالرجوع إلى المقتضيات المنظمة للخبرة في المجال الضريبي فليس هناك ما يلزم القاضي بالأمر بإجراء خبرة وبالتالي فهو حر في اللجوء إلى هذا الإجراء كما أنه ليس ملزما بتعليل رفضه الإستجابة لملتمس إجراء خبرة مقدم من أحد الأطراف .

ومن بين أهم النقط التي تطرق لها بعض الباحثين فيما يخص تعيين الخبير أمام القضاء هي مسألة تخصص الخبير ، حيث نجدها من بين الشروط الأساسية التي يتطلبها قانون المسطرة المدنية المغربي وعندما يتم تعيين الخبير لإنجاز الخبرة في غير مجال اختصاصه يعد سببا لتقديم طلب التجريح طبقا لمقتضيات المادة 62 من قانون المسطرة المدنية.

وخلاف ذلك فإن قانون الإثبات المصري لم يشترط تخصص الخبير في المأمورية المسندة إليه بحيث يتم ندب الخبراء من الجدول أو غيره من الجهات المختصة التي يراد الإستعانة بها ولا يترتب على تخطي خبراء الجدول أي بطلان .

وقد نصت في هذا الشأن المادة 242 من المدونة العامة للضرائب في فقرتها السادسة على أنه يجب على الخبير المعين من طرف القاضي أن يكون مسجلا في جدول هيئة الخبراء المحاسبين أو في لائحة المحاسبين المعتمدين”.

من خلال ما نصت عليه المادة أعلاه يرى أستاذنا جواد لعسري أنه لابد من تسجيل ملاحظتين اثنتين بخصوصها :

الملاحظة الأولى وتتعلق بالمادة 242 نفسها ، حيث إذا كانت نية المشرع من وراء تعديل المادة ترمي إلى تحقيق الفعالية و الإحترافية في عمل الخبير من خلال اشتراط صنف الخبراء ذويالإختصاص في المجال المحاسبي ، فإن التقيد الحرفي بالنص القانوني من شأنه أن يفرغ النص من الأهذاف التي توخاها المشرع ، ذلك أن المنازعات الضريبية لا يتوقف الحسم فيها دائما على تحقيق ينجزه الخبير المحاسبي بل قد يحتاج الأمر إلى خبير في قطاع النسيج أو الكهرباء أو الطب إلى غير ذلك من الخبراء الذين قد يكون رأيهم مفيدا للقاضي في ملامسة الجوانب الغامضة في النزاع المعروض عليه.

وحيث هكذا فإن التقيد بمضمون المادة 242 في تحديد صنف الخبراء الذين قد تسند إليهم المأمورية بموجب الأحكام التمهيدية ، من شأنه أن يشكل تعارضا مع مقتضيات المادة 62 من قانون المسطرة المدنية التي تجعل من بين الأسباب القانونية للتجريح في الخبير إذا ما تم تعيينه في غير مجال اختصاصه .

أما الملاحظة الثانية تتعلق بالتطبيقات القضائية للمادة 242 المذكورة ، حيث أن معظم الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية تقضي برفض طلب التجريح رغم أن الخبير المنتدب في المجال المحاسبي غير مسجل بلائحة المحاسبين المعتمدين.

2 – سلطة القاضي في تحديد مهمة الخبير

بعدما يقع اختيار الخبير الذي يراه القاضي مناسبا لإجراء التحقيق في القضية المعروضة ، يتم تحديد تحديد أو المهام التي سيقوم بها حيث يسطر ذلك في الأمر التمهيدي الذي يصدره . وتختلف هذه المهمة حسب اختلاف الواقعة المنشئة أو التي على أساسها تم فرض الضريبة أو الرسم ، فهناك :

– خبرة عقارية لتحديد القيمة الإيجارية للعقار( الرسم المهني ، رسم السكن ، رسم الخدمات الجماعية )

– خبرة عقارية لتحديد القيمة التجارية للعقار( ضريبة الدخل على الأرباح العقارية )

– خبرة حسابية لتقييم المحاسبة

كما ترتبط مهام الخبير بعدة شروط أساسية أكدت عليها جميع النصوص القانونية التي تعرضت للخبرة ، ويمكن تلخيصها في ما يلي :

 -يجب أن تقتصر الخبرة على البحث في الأمور الفنية دون المسائل القانونية ، حيث أن البحث في قانونية الوثائق المعروضة على المحكمة هي اختصاص طبيعي للقاضي الإداري.

 -يجب أن تنحصر الخبرة في موضوع النزاع كما حدد من طرف المدعي ، استنادا إلى القاعدة التي القاضي مقبيدا بالملتمسات والوسائل الواردة في مقال الدعوى ، وهكذا إذا كان النزاع –مثلا- يهم ضريبة على سنة معينة فإن الخبرة لا يمكن أن تمتد إلى سنوات أخرى لاحقة أو سابقة.

 -ينجب أن تنصب الخبرة على الإثباتات المقدمة من الأطراف ، وهذا أمر مرتبط بما سبق ذكره لاعتبار الخبرة وسيلة تحقيق في الإثبات المقدم ، وبالتالي فإنه لا يجب أن تعرقل السير العادي لقواعد الإثبات ، والخبير لايمكن أن يحل محل الأطراف في إدارة وتقديم الإثبات. والمسألة التي تثور هنا تتعلق بتقديم إثباتات لأول مرة للخبير لم يسبق تقديمها في المراحل السابقة للمفتش المحقق خلال مسطرتي الفحص والتحقيق ، أو أمام اللجان الضريبية أثناء الطعن في االأسس التي اعتمدها المفتش لاحتساب الضرائب موضوع النزاع في المرحلة الإدارية .

 -يجب أن تنصب الخبرة على وقائع من شأنها التأثير على الحل في النزاع ، وهذا الشرط هو نتيجة طبيعية لخاصية الإثبات المفيد. ولهذا تعد خارج مجال الخبرة الوقائع المستحيلة ، أو غير الموجودة أو غير القانونية

3 – سلطة القاضي في الأخذ بنتائج الخبرة

أثناء إنجاز الخبير لمهمته ، يمكنه أن يطلع على كافة الاوراق المودعة بملف الدعوى ، ومن بينها المستندات ووسائل الإثبات التي تقدم بها طرفي النزاع ، إلا إذا رفضت المحكمة إطلاع الخبير على بعض هذه المستندات .

وعندما ينتهي الخبير- من خلال أبحاثه واستماعه إلى أقوال الأطراف واطلاعه على مستنداتهم – إلى اقتناع معين حول الإلزام الضريبي ، فإنه يحرر تقريرا وافيا متضمنا لكل الإجراءات التي قام بها ، والنتائج المحصل عليها مع إرفاقه بنسخ من الوثائق المطلع عليها إن اقتضى الحال ذلك، ويقدمه للمحكمة في عدد كاف من النسخ قصد تمكين الأطراف من الإطلاع عليه . والذي يهم هنا هو كيفية تعامل المحكمة مع تقرير الخبير في المادة الضريبية وذلك من خلال تجربة المحاكم الإدارية بالمغرب أو من جهة أخرى ما مدى إلزامية تقرير الخبرة في المادة الضريبية ؟

الأصل في القانون أن القاضي غير ملزم في الأخذ بتقرير الخبرة تطبيقا للمادة 66 من قانون المسطرة المدنية التي نصت في فقرتها الأخيرة على أنه : “لا يلزم القاضي بالأخذ برأي الخبير المعين ويبقى له الحق في تعيين أي خبير آخر من أجل استيضاح الجوانب التقنية في النزاع”.

وفي نفس المنحى نصت المادة 156 من قانون الإثبات المصري والتي جاء فيها بأن : “رأي الخبير لا يقيد المحكمة” ومن هنا يتبين أن رأي الخبير هو رأي استشاري يمكمن للمحكمة أن تأخده أو تعدل عنه ، كما لها أن تعتمد عليه جزئيا وترفض الباقي ، لكن أغلب المهتمين بالقطاع الضريبي لاحظوا أن جل الأحكام التي أجريت بشأنها خبرة يتم فيها الحكم بناءا على ما جاء في تقرير الخبراء لا مجرد الإستئناس بها فقط.

ولعل ذلك راجع إلى الدقة العملية التي تتميز بها هذه التقارير والتي غالبا ما تتضمن مفاهيم ذات محتوى تقني ومحاسبي دقيق ، وليس مجرد النظر في المسائل الإجرائية للعمليات الضريبية. غير أن ما يعاب على الأحكام التي تقضي بالمصادقة على تقرير الخبرة ، هو غياب المناقشة الموضوعية للتقرير والإفصاح عن المبررات التي دفعت بهيئة الحكم إلى المصادقة على التقرير المذكور.

وفي غالبية الأحكام نجدها على الشكل التالي : ” وحيث إن الخبرة المأمور بها جاءت مطابقة للواقع والقانون ، ولم تكن موضوع طعن أو معارضة من الطرف الآخر ، الأمر الذي ارتأت معه المحكمة الإستئناس بها واعتماد ما جاء فيها كأساس لتصحيح وربط الضريبة”

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!