المقاصد العامة للشريعة

المقاصد العامة للشريعة

المقاصد العامة للشريعة

من المقاصد العامة للشريعة رعاية المصالح :

المقاصد العامة للشريعة و اهدافها سواء ما أمرت به من فرائض ومندوبات، وما نهت عنه من محرمات ومكروهات، وما جعلت للمكلفين الخيار في فعله وتركه من مباحات

أم إن الشريعة في أحكامها تعبدية تحكمية، تأمر وتنهي ، وتحتل وحرم، دون أن تقصد إلى شيء وراء أمرها ونهيها، وحظرها وإباحتها؟ وبعبارة أخرى: هل أحكام الشريعة معللة بعلل مفهومة للبشر أم لا؟

ونبادر فنقول: إن الجمهرة العظمى من علماء الأمة من السلف والخلف، متفقون على أن أحكام الشريعة – في جملتها ۔ معللة، وأن لها مقاصد في كل ما شرعته، وأن هذه المقاصد والعلل والحكم معقولة ومفهومة في الجملة، بل معقولة ومفهومة تفصيلا، إلا في بعض الأحكام التعبدية المحضة، والتي كان من الحكمة المعقولة ايضا : ألا يعرف تفصيل ما وراءها من أسرار.

لم يشذ عن هذا الاتجاه إلا فئات قليلة، من المتكلمين أو الفقهاء – مثل الظاهرية – اكتسحهم التيار العام الذي يقول بتعليل الأحكام .

ومما لا ريب فيه لأي دارس أن الشريعة الإسلامية أقامت أحكامها على رعاية مصالح المكلفين، ودرء المفاسد عنهم، وتحقيق أقصى الخير لهم.

سعة المصلحة وشمولها في نظر الشرع:

وبهذا يتبين لنا شمول المصلحة التي قصدت الشريعة إلى إقامتها وحفظها . فهي ليست المصلحة الدنيوية فحسب، كما يدعو خصوم الدين، ولا المصلحة المادية فقط، كما يريد أعداء الروحية، ولا المصلحة الفردية وحدها، كما ينادي عشاق الوجودية وأنصار الرأسمالية، ولا مصلحة الجماعة أو البروليتاريا كما يدعو إلى ذلك أتباع الماركسية والمذاهب الجماعية، ولا المصلحة الإقليمية العنصرية كما ينادي بذلك دعاة العصبية، ولا المصلحة الآنية للجيل الحاضر وحده، كما تتصور بعض النظرات السطحية.

 إنما المصلحة التي قامت عليها الشريعة في كلياتها وجزئياتها، وراعتها في عامة أحكامها، في المصلحة التي تسع الدنيا والآخرة ، وتشمل المادة والروح، وتوازن بين الفرد والمجتمع وبين الطبقة والأمة، وبين المصلحة القومية الخاصة والمصلحة الإنسانية العامة، وبين مصلحة الجيل الحاضر ومصلحة الأجيال المستقبلة. والموازنة بالقسط بين هذه المصالح المتقابلة المتضاربة في كثير من الأحيان لا ينهض بها علم بشر، وحكمة بشر وقدرة بشر.

فالبشر أعجز من أن يحيط بكنه هذه المصالح ويوفق بينها، ويعطي كل ذي حق منها حقه بالقسطاس المستقيم. وعجزه يأتي من ناحيتين:

1 ناحية محدودية عقله وعلمه، وذلك تابع لطبيعته البشرية المخلوقة المائية المتأثرة – حتمأ – بالزمان والمكان المحيط والوراثة

2  وناحية تأثير الميول والأهواء والنزعات عليه، سواء أكانت ميولا شخصية أم أسرية أم إقليمية أم طبقية ام حزبية أم قومية. وكل واحدة من هذه لا تخلو من تأثير عليه من حيث يشعر أو لا يشعر، والمعصوم من عصمه الله وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي:

“إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلأ من بعد الوجوه، والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له، فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله إليها عاجلا لا أجلا. أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة، أو يكون فيها مفسدة تربی – في الموازنة – على المصلحة، فلا يقوم خيرها بشرها، وكم من مدبر أمرا لا ينم له على كماله أصلا، ولا يجني منه ثمرة أصلا، وهو معلوم مشاهد بين العقلاء، فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فإذا كان كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه وصول المصلحة… بخلاف الرجوع إلى ما خالفه …

من المقاصد العامة للشريعة درء المفاسد لرعاية المصالح :

إذا كانت المقاصد العامة للشريعة تسعى لرعاية المصالح، فهي بالتالي تقصد إلى إزالة المفاسد ومنعها، حتى إن بعض الذين اعتبروا المصلحة دلية شرعية مستقلا استندوا إلى حديث: “لا ضرر ولا ضرار” وهو وإن كان بلفظه حدیث احاد، فهو بمضمونه مقطوع به من استقراء الأحكام الجزئية الكثيرة الثابتة بالقرآن والسنة

وقال أبو داود : الفقه يدور على خمسة أحاديث.. وعده منها.

ومعنى: “لا ضرر ولا ضرار” اي لا يضر الإنسان نفسه ولا يضار غيره، أو لا يضر غيره ابتداءا ولا يضاره جزاء، وإذا ثبت نفي الضرر والضرار لزم أن ترعی المصالح والمنافع وتحفظ

وقد أخذ العلماء منه، أن الأصل في المضار التحريم، لأن كلمة “ضرر” جاءت نكرة في سياق النفي فنعم كل ضرر كان بخلاف المنافع، فالأصل فيها الإباحة لقوله تعالى : “خلق لكم ما في الأرض جميعا”

وقد تقدمت إشارة الشاطبي إلى أن حفظ المصالح أو المقاصد الشرعية تكون من جهتين : إيجابية بحفظ ما يثبت قواعدها ويقيم أركانها .. وسلبية، بدرء الاختلال الواقع أو المتوقع عنها.

ومن ثم كان درء المفاسد لازمة لإقامة المصالح، بل هو داخل في مراعاتها من جهة العدم كما قال الشاطبي رحمه الله، وعلى هذا الأساس العريض قامت أوامر الشرع ونواهيه

يقول الإمام القرافي : إذا علم أن الأوامر تتبع المصالح، كما أن النواهي تتبع المفاسد، والمصلحة إن كانت في أدنى الرتب كان المرتب عليها الندب، وإن كانت في أعلى الرتب كان المرتب عليها الوجوب. ثم إن المصلحة تترقي ويترقی الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب ، بل أدنى مراتب الوجوب.

وكذلك نقول في المفسدة: التقسيم بجملته – يعني إذا كانت في أدنى الرتب رتبت عليها الكراهة، أو في أعلاها فالحرمة, وترتقي الكراهة بارتقاء المفسدة، حتى يكون أعلى مراتب المكروه، يلي أدنى مراتب التحریم

وقد بين القرافي أن الشارع إنما خصص المرتبة العليا بالوجوب، وحث عليها بالزواجر، صونا لتلك المصلحة عن الضياع، كما خص المفاسد العليمة بالزجر والوعيد، حسما لمادة الفساد عن الدخول في الوجود، تفضلا منه تعالى.

 تعارض المصالح والمفاسد وموقف الشريعة :

ولكن ما الحكم إذا تعارضت المصالح فيما بينها، أو تعارضت المصالح والمفاسد؟ على معنى أن يكون الشيء مصلحة الفرد أو فئة من الناس وهو في الوقت نفسه مضرة لغيرهم. أو يكون الشيء نفسه مشتملا على النفع من جهة، والضرر من جهة أخرى، كما هو الشأن في اكثر أحوال العالم التي تمتزج فيها المصالح بالمفاسد واللذات بالآلام.

هنا يسلك الشرع سبيل التوفيق أو سبيل التغليب والترجيح.

سبيل التوفيق :

فالتوفيق بين المصالح كما في تعدد الزوجات، فقد ذكر القرافي أن مضارة المرأة بجمعها مع امرأة أخرى في عصمة، وسيلة للشحناء في العادة، ومقتضى ذلك التحريم مطلقا.. وقد جعل ذلك في شريعة عيسى عليه السلام كما هو المنقول عندهم، فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة، تقديمة لمصلحة النساء بنفي المضارة والشحناء.

وعكس ذلك تماما في شريعة موسى عليه السلام، فالتوراة تجوز للرجل زواج عدد غير محصور من النساء يجمع بينهن، تغليبة لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة النساء في نفي الشحناء والمضارة.

والشريعة الإسلامية بطبيعتها الوسطية، وفقت بين مصلحة الطرفين : الرجل والمرأة فاجازت للرجل بأكثر من واحدة، ولكنها جعلت الحد الأقصى اربعة، لا كما فعلت التوراة. كما أنها جعلت العدل شرطة لإباحة التعدد، والزمت الرجل المساواة بين نسائه في النفقة والكسوة والمبيت، وكل ما هو مستطاع من صور العدل.

وبهذا قدرت مصلحة الرجل، ولم تنس مصلحة المرأة. وهذا هو التوفيق بين المصالح،

وهذا ما فعلته الشريعة في القضية الإنسانية الكبرى في عصرنا، قضية الفرد والمجتمع، فلم تغل مع الفرديين الذين ضخموا شخصية الفرد وأطلقوا له عنان الحرية، وأسرفوا في الحقوق الممنوحة له، دون أن يقابل ذلك قيود والتزامات تذكر, كما لم تجنح إلى غلو الجماعيين من الاشتراكيين المتطرفين الذين ألغوا شخصية الفرد أو كادوا، ولم يجعلوا له حرية تذكر، وضغطوا عليه باسم مصلحة المجتمع فسحقوه سحقا. أما شريعة الإسلام فاعترفت بملكية الفرد وحريته وحقوقه الإنسانية ، ولكنها قيدت كل ذلك بقيود لمصلحة المجتمع بحيث يتحقق العدل والتوازن بين الطرفين بلا إفراط ولا تفريط

سبيل التغليب والترجيح:

أما التغليب والترجيح، فإن المصالح فيما بينها تتفاوت، فالتحسينات ليست في رتبة الحاجيات، وهذه ليست في رتبة الضروريات، إذ الضروريات أهم المصالح وأولاها بالرعاية ، فإذا تعارض تحسيني وحاجي قم الحاجي، وإذا تعارض أحدهما وضروري قدم الضروري قطعا.

والمكمل لواحد مما ذكر ليس في مرتبة المكمل، ولهذا أجاز العلماء الجهاد مع ولاة الجور، قال مالك: لو ترك ذلك لكان ضررة على المسلمين، قال الشاطبي : «فالجهاد ضروري، والوالي فية ضروري، والعدالة فيه مكملة للضروري، والمكمل إذا عاد للأصل بالإبطال لم يعتبر، ولذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبي صلى الله عليه و سلم»

والضروريات فيما بينها تتفاوت أيضأ، وأعلاها الدين ثم النفس… وأدناها المال.

ولهذا إذا دار الأمر بين إحياء النفس وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال، كان إحياء النفس اولی .

فإن عارض إحياؤها إماتة الدين، كان إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتتها، كما في الجهاد في سبيل الله، وقتل المرتد وغير ذلك.

وكذلك إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة, كان إحياء النفوس الكثيرة اولی

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!