المساهمة والمشاركة في الجريمة

مفهوم المساهمة والمشاركة في الجريمة

المساهمة والمشاركة في الجريمة

سنعرض أولا المساهمة في الجريمة ، لنتناول، فيما بعد، المشاركة بشيء من التفصيل لكن قبل ذلك ينبغي إدارة الانتباه بداية إلى أن دراسة الجريمة، عموما، وبغض النظر عن أركانها الثلاث ، هي ليست فقط فعل أو امتناع بتدخل المشرع الجنائي لتجريمه وتحديد عقوبة خاصة به، بل هي أيضا فعل فاعل، قد ينعت في قاموس القانون الجنائي إما بالفاعل الأصلي أو بالمساهم أو بالمشارك, وعليه سنقوم بدراسة المساهمة والمشاركة في الجريمة

و لعل بداية الإشكال، في نظرنا، تنطلق من عدم اعتماد المشرع الجنائي المغربي التعريف خاص بالفاعل الأصلي، يميزه عن التعريف الذي أضفاه على المساهم والمشارك. ولعل هذا الموقف، الذي نجد له تماثلا مع تشريعات أخرى، هو الذي جعل الفقه يعتبر المساهمة تتحقق في حالة تعدد الفاعل الأصلي.

ونحن من جهتنا تفضل، الإبقاء على هذه المؤسسات الثلاث ، وفق مقاربة جديدة تنسجم مع التصور السليم لدراسة تجليات التورط في ارتكاب الجريمة“، وهذه عبارة، ينظرنا المتواضع ، تفي بالغرض أكثر من مفهوم “التنقية المادي للجريمة “، الذي يشمل” الفاعل الأصلي” والمساهم دون المشار

إشكالية الفاعل الأصلي للجريمة

من دون الادعاء بأننا سنأتي بتنظير جديد في القانون الجنائي بهم مؤسسة الفاعل الأصلي، نقول بكل بساطة أن أي جريمة في الصور المشرع الجنائي، على مستوى ارتكابها، لا تخرج عن احتمالين :

إما أن تنجز في إطار مشروع فردي، ينقذ من بدايته إلى نهايته من طرف شخص واحد، أو تنجز في إطار مشروع جماعي، يتوزع فيه التنفيذ. من دون وصف حتى لا يقع الخلط مع الاصطلاح التشريعي بين شخصين أو أكثر في الاحتمال الأول، تكون لا محالة أمام فاعل وحيد للجريمة، لا حاجة لنا لمعرفة الدور أو الأدوار التي اضطلع بها في تنفيذه لها، بحيث يكفي إنبات إسناد الفعل إليه ليكتمل البنيان المادي للجريمة

أما في الاحتمال الثاني، وبحكم تدخل أكثر من شخص في إنجاز المشروع الإجرامي، يصبح من اللازم معرفة دور كل واحد من المتدخلين، باعتبار هذه المعطاة تشكل الشرط الضروري الأولى للمرور لعملية إثبات إسناد الفعل.

ولعل الصعوبة ينظرنا المتواضع تطرح بداية مع عبارة “الفاعل الأصلي” في حد ذاتها، والتي اعتاد الفقه أن ينكرها إلى جانب عبارة “المشارك”. وهذا يوحي منذ البداية عن خطأ. بأن المشاركة ما هي إلا تصور ملطف للتورط في ارتكاب الجريمة، الشيء الذي يمكن أن تنتظر منه عقابا ملطفا بالمقارنة مع العقاب الذي ينبغي أن يطال الفاعل الأصلي، الذي ترجع له التسمية، أصالة انتساب الجريمة أفعله، وقد يطال المساهمين، عقد تعدد الفاعل الأصلي.

 ولربما منطق الفصلان 128 – الخاص بالمساهمة و 129 – الخاص بالمشاركة من مجموعة القانون الجنائي المغربي يساعد على طرح هذا الإشكال من زوايا أخرى۔ فالفصل الأول، يعتبر مساهما كل من ارتكب شخصيا عملا من أعمال التنفيذ المادي للجريمة. بينما الفصل الثاني، يعمد إلى تصنيف بعض الأفعال حصريا بالمشاركة في الجناية أو الجنحة ممن يأتيها ولم يساهم مباشرة في تنفيذها وهي أفعال تتعلق إلى التوالي  ب :

أولا– بالأمر بارتكاب الفعل أو التحريض على ارتكابه، وذلك بهية أو وعد أو تهديد أو إساءة استغلال سلطة أو ولاية أو تحايل أو تدليس إجرامی

ثانيا۔ بتقديم أسلحة أو أدوات أو أية وسيلة أخرى استعملت في ارتكاب الفعل، مع العلم بأنها ستستعمل لذلك

ثالثا– بمساعدة أو إعانة الفاعل أو الفاعلين الجريمة في الأعمال التحضيرية أو الأعمال المسهلة لارتكابها، مع العلم بذلك.

رابعا– التعود على تقديم مسكن أو ملجأ أو مكان للاجتماع ، لواحد أو أكثر من الأسرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال مع العلم بسلوكهم الإجرامي

 ولعل حسم المشرع الجنائي المغربي في عقاب المشاركة في الجناية أو الجنحة  بنفس العقوبة المقررة لهما، و الخطورة المتميزة التي تتسم بها كل صور المشاركة المذكورة أعلاه ، ليحررنا من أي عناء قد تبذله في الدفع بالتخلي عن عبارة “الفاعل الأصلي للجريمة المحلية، بعبارة بسيطة ودالة “الفاعل مرتكب الجريمة “بل نؤكد، حتى للقائلين بانسجام العبارة الأولى مع مفهوم المشاركة، ولو بشكل أولي، في انتظار تحليلنا لهذه المؤسسة المهمة في القانون الجنائي، أن إشكالية التسمية تلزمنا بالخوض في تقدير نسبة الخطورة لكل متدخل في تنفيذ المشروع الإجرامي،

وهذا أمر لا يستلزمه المشرع لا صراحة ولا ضمنيا، في بعض الجرائم، قد تتسم المشاركة بخطورة أكبر، إن كانت لا تلزم القاضي بانتقال الكم العقابي في جانب مرتكبها، فينبغي أن يحترم نفس المنطق اتجاه الفاعل مرتكب الجريمة، ولعله نفس منطق المشرع الذي ساوي العقوبة.

المساهمة في ارتكاب الجريمة

بعد التعريف التشريعي المشار إليه أعلاه، يمكن القول أن الفقه، محاولة منه في احتواء كل المتورطين في ارتكاب الجريمة، يحاول، وانسجاما مع منطق المشرع نفسه، أن يتوسع في مفهوم المساهمة، بإدخال الحالات المبدئية، إن صحت هذه العبارة، والمتعلقة بمساهمة الفاعل في العمل التنفيذي، لا فرق بين أن يربط بين المساهمين اتفاق جنائي أم لا، وسواء أكان العمل رئيسيا أو ثانويا ونحن هنا نسجل تحفظنا ولو نسبيا على هذا التوسع، فالأمر يتعلق بتحديد صفة المساهم من الناحية الجنائية، وفيها لا بد من الاحتكام لمبدأ الشرعية فالمشرع نفسه يتحدث عن ” الارتكاب الشخصي لعمل من أعمال التنفيذ المادي للجريمة “،

ونحن من جهتنا وخارج الحالات الاستثنائية التي يخرج فيها المشرع عن هذا التقييد، تنصح بتمسك الفضاء الجنائي بإضفاء صفة المساهم، فقط على من يمكن أن ينسب له دور في التنفيذ المادي المباشر لارتكاب الجريمة، وإلا ما الهدف من خلق مؤسسة مجاورة للمساهمة، أي المشاركة، تكمل الأولى يشكل منطقي ومعقول، ينسجم مع مفهوم التورط في ارتكاب الجريمة الذي تدافع عنه

صحيح، أن المشرع ولاعتبارات يراها، قد يذهب إلى اعتبار بعض الأعمال، مساهمة، ولو أنها لا تدخل في الركن المادي للجريمة، حيت مثلا، في الفصل 304 من مجموعة القانون الجنائي، يعتبر مرتكبا للعصيان من حرض عليه سواء بخطب ألقيت في أمكنة أو اجتماعات عامة أو بواسطة ملصقات أو إعلانات أو منشورات أو كتابات بل قد يفرضها افتراضا.

أي المساهمة وهي حالة الرؤساء والمنظمون والمديرون والمحرضون على المشاجرة أو العصيان أو التجمع الثوري، حيت يقرر المشرع معاقبتهم كما لو كانوا هم الذين ارتكبوا أفعال العنف المشار إليها. ولسنا هنا في حاجة إلى قبول مثل هذا التوظيف الخاص، الذي تري له انسجاما مع تميز الخطورة الإجرامية التي عليها الأفعال المذكورة

يبقى أن الفقه يذكر أيضا، إلى جانب الحالات أعلاه، حالة ثبوت وجود اتفاق مسبق بين الفاعلين، على تنفيذ الجريمة. فمن باب أولى هنا أن لا ننتبه لما إذا كان الفعل يدخل ضمن الأعمال التنفيذية للجريمة، لأن حصول الاتفاق الجنائي يغني عن ذلك هنا لا بد أن نسجل تحفظنا مما ذهب إليه الفقه من كون المساهمة الجنائية تقوم ولو لم يعرف من قام بالفعل المادي، بحكم أن التطور العلمي الذي بدأ يميز الإثبات الجنائي يمكن أن يقدم المعطاة المساعدة على التعرف على ذلك.

المشاركة في الجريمة

ربما أكثر المشاكل على الإطلاق التي تثيرها المشاركة، كتقنية جنائية، يهدف من خلالها المشرع احتواء كل المتورطين في ارتكاب الجريمة ولو بشكل غير مباشر ، خروج صورها عن مفهوم القيام بعمل من أعمال التنفيذ المادي الجريمة، بحيث يطرح التساؤل المشروع، احتراما دائما لمبدأ الشرعية الجنائية، عما هي الحدود المعقولة التي يمكن من خلالها تحديد دائرة المتورطين في الجريمة؟

لقد مر معنا في الفصل 129 أعلاه حصر المشرع الجنائي المغربي، شأنه شأن أغلب التشريعات الجنائية، لصور المشاركة ويشكل لا يسمح للقاضي الجنائي بتمديدها على حالات خارجها. ولعل هذا الموقف، بنظرنا المتواضع، يحيل على مسألتين أساسيتين،

الأولى، أنه خارج حالة المساهمة الجنائية، والتي يمكن إثباتها ماديا بيسر، بحكم التصاقها بالتنفيذ المادي للجريمة، لا بد من تدقيق وصف الحالات الأخرى، لكي لا يمتد التجريم بشكل يخالف منطق المساءلة نفسه إلى أشخاص لا علاقة لهم به والثانية، تتمثل في مراعاة الوضعيات التي تصيح فيها المساعدة على ارتكاب الجريمة أي خارج حلقة المتورطين في التنفيذ. تكتسي من الخطورة ما يكفي لتصبح، إلى جانب حالة المساهمة شاملة لكل الوضعيات الإجرامية التي يحتملها منطق تعدد الجناة في الجريمة الواحدة

قبل الرجوع الصور المشاركة، لا بد من تأصيل الأساس القانوني لعقابها. وفي هذا الباب يمكن الحديث عن نظريتين:

 الأولی تسمى نظرية استعارة الإجرام من الفاعل الأصلي، الذي حاولنا أن نعطيه تسمية الفاعل مرتكب الجريمة و الثانية تعرف بنظرية استقلال جريمة المشاركة بالنسبة للنظرية الأولى، تجريم المشاركة مرتبط بعلاقة سببية مع النشاط الإجرامي للفاعل مرتكب الجريمة، فلا عقاب عليها إذا لم تقع فعلا الجريمة التي ساعد عليها، إما امتناعا أصلا أو عدولا عنها اختیارا أو حتى أن سقطت الجريمة بالتقادم  أو شملها عفو شامل فهذه حالات حسب النظرية أعلاه، تمنع من تحقق استعارة التجريم،

بحيث أفرغت الفعل من إمكانية ذلك بل إن الظروف العينية المتعلقة بماديات الجريمة سواء منها المشددة للعقوبة كظرف الليل في السرقة أو التي تخففها۔ سرقة زهيدة .، تسري على المشارك ولو كان غير عالم بها، فمهما كانت فيه وقصده، فهو يتحمل استعارة الفعل الإجرامي بكل أوصافة سواء منها التي تأخذه نحو التشديد أو تلك التي تشمله بالتخفيف.

أما بالنسبة للنظرية الثانية، فهي تعقد بالخطورة الإجرامية التي يتسم بها فعل المشارك، بحيث بنظرها، ليس هناك ما يمنع من القول باستقلال نشاطه عن نشاط الفاعل مرتكب الجريمة، ومن ثم فمسؤوليته الجنائية مستقلة كذلك بناء عليه، ستكون النتائج مختلفة تماما عما مر معنا بخصوص النظرية الأولى فالمسؤولية الجنائية للمشارك تقوم ولو تراجع الفاعل عن مشروعه الإجرامي أصلا، أو سقطت الجريمة بالتقادم أو شملها عفو عام بل إن الظروف العينية المرافقة الجريمة التي يرتكبها الفاعل، لا يسأل عنها المشارك إلا إذا كان عالما بها عند قيامه بنشاطه.

بالنسبة للمشرع المغربي، فأغلب الظن أنه ينحو نحو نظرية الاستعارة، حيت يستشف ذلك، حسب الفقه، من ذات النص المقرر للمسؤولية الجنائية على الجرائم الفصل 132. حيت وبعد أن يؤكد المشرع مسؤولية الشخص عن الجرائم التي يرتكبها، يتحدث عن الجنايات أو الجنح التي يكون مشاركا في ارتكابها فهذه العبارة الأخيرة تحمل من الدلالة ما يكفي لقي استقلال تجريم المشاركة،

صور المشاركة

إن المتأمل بعمق في صور المشاركة التي مرت معنا في معرض حديثنا عن مقتضيات الفصل 129، ليلاحظ جيدا مدى تمس أن المشرع بالحالات الواقعية التي يمكن أن تصبح معها المساعدة على ارتكاب الجريمة، وليس المساهمة فيها، تحمل نفس خطورة ارتكاب الفعل، ولو بالتقييد الذي حاولنا أن نقف على بعض جوانبه فالأمر والتحريض. الصورة الأولى، وتقديم وسيلة ارتكاب الجريمة الصورة الثانية،

والمساعدة أو الإعانة على الأعمال التحضيرية أو المسهلة لارتكاب الجريمة الصورة الثالثة ، والتعود على تقديم مسكن أو ملجأ. الصورة الرابعة ،كلها بنظرنا أفعال، فضل المشارك أن لا يقوم فيها بأي دور مباشر في التنفيذ المادي للجريمة، بحيث، وبالرغم من رغبته في أن يرتكب مبني للمجهول الفعل المؤدي إلى حصول النتيجة الإجرامية المرجوة، اختار لنفسه دورا مساعدا لا يمكن، بنظرنا المتواضع، أن يخرج عمليا عن الصور المذكورة

حتى لا نتيه في الجزئيات لا بد من تقديم الخلاصات التالية :

الأولى : أن الصورتان الأولى والثانية تتحققان بأعمال سابقة على ارتكاب الفعل، بينما الصورة الثالثة قد تتحقق بأعمال معاصرة لتنفيذ الجريمة، أما الصورة الرابعة فقد تتحقق بأعمال لاحقة على ارتكاب الفاعل للجريمة

الثانية : صورة الأمر والتحريض على ارتكاب الجريمة، والتي تسجل على أن المشرع استوجب أن تتم بهية أو وعد أو تهديد أو إساءة استغلال سلطة أو ولاية أو تحايل أو تدليس إجرامي، الظاهر على أنها الصورة الأمل التي توضح مدى استحقاق المشارك لنفس عقوبة الفاعل مرتكب الجريمة، كان لا بد على المشرع أن ينطلق منها لاحتواء الصور الأخرى ولسنا بحاجة لاشتراط جدية التحريض ومدى تشجيعه للفاعل للإقدام على ارتكاب جريمته.

 الثالثة : اشتراط المشرع، في الصور الثانية الثالثة والرابعة، علم المشارك بما يعتزم الفاعل مرتكب الجريمة فعله هذا يشترط الفقه أن يكون هذا العلم حقيقي ، من دون أن يمتد، كما سبق بيان ذلك، للظروف العينية لارتكاب الجريمة، حيت ينبغي تطبيقها عليه بالرغم من جهله لها.

 رابعا : بخصوص الصورة المتعلقة بالمساعدة على الأعمال المسهلة لارتكاب الجريمة، ويضرب لها الفقه مثل الشخص الذي يقوم بتجريد الضحية من سلاحه ليسهل على الجاني قتله أو الاعتداء عليه، ومن دون الدخول في الآراء المختلفة، التي إما تدخلها في المساهمة أو تحافظ لها على الوصف التشريعي لها كمشاركة، وحتى لا ندخل في متاهة تحكيم واحد من المعيارين الموضوعي أو الشخصي،

نقول أنه كان على المشرع المغربي أن لا يحشر القاضي في هذا الإشكال، باعتبار هذه الصورة من صور التنفيذ المادي للجريمة فينظرنا المتواضع، كلما تطورت المساعدة لتعمل وبشكل مباشر على إنجاح التنفيذ المادي المذكور، كلما أصبحت تحمل وصف مساهمة فسهولة إثبات فعل المساعدة من الناحية المادية من جهة، وصعوبة فرزها عن أعمال التنفيذ الأخرى، من جهة أخرى، يجعل هذه الصورة تبتعد وبشكل واضح عن مفهوم المشاركة

 خامسا : الصورة الرابعة والأخيرة، اقترض فيها المشرع المشاركة، مع اشتراط الاعتياد على تقديم المسكن أو الملجأ إلى الأشرار. ومن دون أن تدخل في أي تعقيد لهذه الصورة التي تستحق احتواءها بالتجريم والعقاب، يكفي أن نقول أن هناك من الفقه من يطرح إمكانية احتوائها بالجريمة المستقلة، ونحن نفضل وصفها بالمشاركة افتراضا لأنه لا تنطبق عليها الاعتبارات الكافية لتصنيفها ضمن التجريم الوقائي.

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك







 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!