أركان المسؤولية عن الفعل الشخصي

المسؤولية عن الفعل الشخصي

محتويات المقال

المسؤولية عن الفعل الشخصي

 المسؤولية عن الفعل الشخصي : الأصل في المسؤولية التقصيرية أنها مسؤولية تقوم على خطا واجب الإثبات يكمن في أن كل شخص ألحق بخطئه ضرر للغير لزمه جبره. فالقاعدة العامة تقضي بعدم الإضرار بالغير، وكل إخلال بهذا الواجب القانوني العام يعتبر خطأ يلزم مرتكبه تعويض ما لحق الطرف المضرور جراء ذلك الخطأ من ضرر في نفسه أو في ماله.

وقد قرر المشرع المغربي عذه القاعدة العامة في الفصل 77 من ق.ل.ع الذي جاء فيه ما يلي :” كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا أثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر”.

فمن خلال هذا الفصل يتبين أنه لقيام المسؤولية عن الفعل الشخصي يلزم توافر ثلاثة أركان: هي الخطأ، والضرر،. والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر ، فمتى توافرت هذه الأركان فإن جزاء المسؤولية هو نشوء الحق للمضرور في الحصول على تعويض.

أركان المسؤولية عن الفعل الشخصي

 نتناول في هذا المبحث أركان المسؤولية على النحو المحدد أعلاه

المطلب الأول : الخطأ التقصيري كركن من أركان المسؤولية عن الفعل الشخصي

عرف المشرع المغربي الخطا في الفصل 78 من ق.ل.ع بقوله ” ….. والخطا هو ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه ، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر”

وقد عرف بعض الفقه الخطأ بأنه نوع من الانحراف في السلوك المألوف للشخص العادي ، في حين أنه حسب الفقيه ” بلانيول” إخلال بالتزام قانوني سابق بعدم الإضرار بالغير وذلك عن بينة واختيار، وهو ما يقتضی عنصر الإدراك والتمييز، وعليه فالخطا يستلزم توافر رکن مادي وآخر معنوي. إذ أن كل إخلال بالتزام قانوني ينبغي أن يكون مقترنا بإدراك المخل لنتائج أفعاله

الفقرة الأولى: الركن المادي في الخطأ

يتمثل الركن المادي في الإخلال بالتزام قانوني، وهذا الالتزام إما أن يكون منصوصا عليه في القانون أي في نصوص تشريعية، وإما أن يكون من قبيل الواجبات العامة التي تفرض احترام حقوق الغير وعدم المساس بسلامة الأفراد.

والخطأ بهذا المعنى إما أن يكون إيجابيا يتمثل في فعل ايجابي ، أو سلبيا يكمن في فعل سلبي مثل الامتناع عن إتيان عمل يترتب عنه ضرر، كامتناع طبيب عن إسعاف مريض ، أو امتناع شخص عن مد غریق بأداة يمسك بها وتقيه من الغرق.

وكما يكون الخطأ إيجابيا أو سلبيا ، فإنه قد يتخذ من جهة صورة خطأ عمدي بقصد الإضرار بالغير بحيث تتجه إرادة من يصدر عنه الفعل أو الترك إلى ارتكابه وإحداث نتيجته الضارة، و من جهة أخرى قد لا يكون الخطأ عمديا أي مقصودا في ذاته وإنما ناتج عن مجرد إهمال وعدم تبصر وحيطة. وسواء كان الضرر ناتجا عن خطأ عمدي أو عن إهمال و عدم التبصر فإن للمضرور في الحالتين معا الحق في طلب التعويض.

هذا وإذا كان المشرع المغربي عمل من خلال مجموعة من النصوص التشريعية إلى إخضاع نشاط الأفراد القواعد دقيقة من شأنها أن تساهم في تحديد أكبر عدد من الأخطاء، فإنه في الوقت ذاته أشار إلى مفهوم عام للخطا في الفصلين 77 و 78 من ق ل ع يتمثل في الإخلال بواجب قانوني عام مؤداه عدم الإضرار بالغير، على نحو يسمح للقاضي بحرية أكبر في تعيين الواجبات القانونية دون تقييد بنص قانوني. لكن ما هو السبيل في هذه الحالة لتحديد وقوع الإخلال بهذا الالتزام، وكيف يتم تقدير الانحراف عن السلوك المعتاد ، والقول من تم بوجود خطأ تقصيري.

أولا : المعيار المعتمد لتقدير الانحراف في السلوك

إن المعيار المعتمد لتقدير الانحراف في السلوك الواجب والمعتاد هو معیار موضوعي ومجرد، ينظر فيه إلى الفعل الخاطئ ذاته دون النظر إلى فاعلها، وظروفه الشخصية، وقدراته الذاتية ومدى فطنته ويقظته. فالسلوك الواجب هو السلوك الذي يجب أن يسلكه الشخص العادي في يقظته وتبصره وعنايته لو وجد في نفس الظروف الخارجية التي أحاطت بالشخص الذي صدر عنه السلوك ، لا الظروف الداخلية المتصلة بشخصه، مثل كونه مسن أو مريض أو ضعيف البصر . هكذا فلو أن سائق سيارة في طريق مزدحم، وفي وقت خيم فيه الظلام ، فإن مثل هذه الظروف الخارجية تؤخذ بعين الاعتبار عند تقدير سلوك السائق، إذ تجري مقارنة سلوكه مع ما كان سيسلكه الرجل العادي في مثل هذه الظروف.

غير أن بعض الأفعال وأنواع الانحراف في السلوك حتى وإن كانت تعتبر خطأ فإن القانون ينفي عن مرتكبيها المسؤولية لتوفر ظروف دفعتهم إلى ارتكابها على نحو يجعل هذه الأفعال مشروعة

ثانيا : حالات يشكل فيها الانحراف في السلوك عملا مشروعا
 1- حالة الدفاع الشرعي

إذا صدر عن شخص فعلا أضر بالغير في نفسه أو ماله وهو في حاله دفاع شرعي عن نفسه أو ماله، فإنه لا يكون مخطئا وتنفي عنه المسؤولية، وهذا ما نص عليه الفصل 95 من ق ل ع بقوله: “لا محل للمسؤولية المدنية في حالة الدفاع الشرعي…”

وحالة الدفاع الشرعي هي تلك التي يجبر فيها الشخص على الفعل الضار لدفع اعتداء حال غير مشروع موجه لنفسه أو لماله، أو لنفس الغير أو لماله.

وعليه يشترط لانتفاء المسؤولية على أساس حالة الدفاع الشرعي أن يكون الخطر المراد دفعه حالا، أو وشيك الوقوع ، وأن يكون عملا غير مشروع، أما إن كان عملا مشروعا فإنه لا يجوز التصدي له، فرجل الشرطة الذي يحاول القبض على مجرم يقوم بعمل مشروع لا يجوزاالتصدي له. كما يستلزم لانتفاء الخطة التقصيري أن يكون العمل لدفع الاعتداء متناسبا مع خطورته

2 – إعطاء بيانات بحسن نية ودون علم بعدم صحتها

يشترط لانتفاء المسؤولية في هذه الحالة أن يكون الشخص الذي أعطى البيانات حسن النية، وألا يرتكب خطأ جسيما أو تهورا بالغا ، وان يكون جاهلا عدم صحتها ، وهو ما نص عليه الفصل 95 من ق.ل.ع

3- النصيحة أو التوصية

مجرد النصيحة أو التوصية لا ترتب أي مسؤولية على صاحبها إلا إذا أعطى النصيحة قصد خداع الطرف الآخر، أو إذا ارتكب بسبب تدخله في المعاملة بحكم وظيفته خطأ جسيما ما كان ينبغي أن يرتكبه شخص في مركزه، ونتج عن هذا الخطأ ضرر للطرف الآخر ، أو إذا ضمن نتيجة المعاملة ، ( الفصل 83 من ق ل ع ).

ثالثا : الخطأ التقصيري حالة التصرف في استعمال الحق

باعتبار أن الخطا يشكل انحرافا في السلوك يكون إيجابيا أو سلبيا، عمديا أو تن مجرد إهمال وتقصير ، فإن ذلك يتحقق حتى في حالة استعمال الشخص لحقه متى تعسف في استعمال ذلك الحق على نحو يتعارض مع الهدف الاجتماعي الذي أنشئ من أجله هذا الحق، وذلك في الأحوال التالية:

– إذا لم يقصد سوى الإضرار بالغير، مثل الجار الذي يقدم على بناء مدخنة بسطح منزله في مواجهة نافذة جاره قصد إيذائه.

– إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها، كالمالك الذي يقيم حائطا في حدود ملكه وكان ممن شأنه حجب النور والتهوية عن جاره دون أن يكون له نفع ظاهر من هذا الحائط.

– إذا قصد من استعمال حقه تحقيق هدف أو مصلحة غير مشروعة، وتكون المصلحة غير مشروعة إذا كان تحقيقها ينطوي على مخالفة لأحكام القانون، أو متعارضة مع النظام العام أو الآداب، أو مع الغاية التي تقرر من أجلها هذا الحق اقتصادية كانت أو اجتماعية. ولعل التعسف بهذا المعنى يعتبر مظهرا من مظاهر الخطأ التقصيري حتى لو كان فعل التعسف غير مقصود في ذاته.

هذا وقد تناول المشرع المغربي بشكل غير مباشر مفهوم التعسف في استعمال الحق عندما تصل في الفصل 94 من ق ل ع على أنه :” لا محل للمسؤولية المدنية إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحق في فعله، غير أنه إذا كان من شأن مباشرة هذا الحق أن تؤدي إلى إلحاق ضرر فادح بالغير وكان من الممكن تجنب هذا الضرر أو إزالته من غير أذى جسيم لصاحب الحق فإن المسؤولية المدنية تقوم إذا لم يجر الشخص ما كان يلزم لمنعه أو إيقافه” ولعل المشرع بهذا الفصل حاول إيجاد مبدأ عام كضابط لتحديد معيار التعسف في استعمال الحق.

الفقرة الثانية : الركن المعنوي في الخطا: الإدراك أو التمييز

 مناط المسؤولية التقصيرية هو التمييز، فالشخص لا يكون مسئولا عن فعله الضار إلا إذا كان مميزا ومدركا لنتائج فعله، لا فرق في ذلك ابين أن يكون الفعل مقصودا في ذاته أو أن يكون قد تسبب فيه عن طريق الإهمال و التقصير.

وعليه فالصبي غير المميز والمجنون فاقد العقد لا يمكن أن ينسب إليه خطأ لكونه غير مدرك لسلوكه الخاطئ، وهذا ما نص عليه الفصل 77 من ق ل ع الذي يستلزم لترتيب المسؤولية على الأفعال التي تصدر عن الإنسان من غير أن يسمح بها القانون أن تكون عن بينة – واختيار، كما أن الفصل 96 من ق ل ع أكد صراحة على ما يلي :

– القاصر عديم التمييز لا يسأل مدنيا عن الضرر الحاصل بفعله ، وبالعكس من ذلك يسأل القاصر عن الضرر الحاصل بفعله، إذا كان له من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعماله. وهو ما يعني عدم اشتراط أهلية كاملة لديه أي بلوغ سن الرشد كما هو الشأن في المسؤولية العقدية.

– المجنون فاقد العقل لا يسأل عن الأفعال الحاصلة في حالة جنونه المطبق. أما بالنسبة لذوي العاهات كالصم والبكم فقد تناول المشرع حكم مسؤوليتهم التقصيرية عن أفعالهم أو أخطائهم في الفصل 97 من ق ل ع حيث استلزم لمساءلتهم أن يكون لهم من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعمالهم.

المطلب الثاني : الضرر

يعتبر الضرر الركن الثاني من أركان المسؤولية المدنية عقدية, كانت أو تقصيرية ، بل هو قوامها إذ لا يكفي لقيام المسؤولية عن الفعل الشخصي وقوع الخطأ ، بل يتعين أن يترتب عن هذا الخطأ ضرر وإلا انتفت مصلحة المدعي في المطالبة بالتعويض. وهذا ما أكده المشرع في الفصلين 77 و 78 من ق ل ع، حيث اشترط لتحقق مسؤولية مرتكب الفعل أن يكون قد ألحق بفعله ضرر للغير. فما المقصود بالضرر ، وما هي أنواعه ، وما هي شروطه؟

الفقرة الأولى: تعريف الضرر وأنواعه

طبقا للفصل 98 من ق.ل.ع، فإن الضرر في مجال المسؤولية التقصيرية – المسؤولية عن الفعل الشخصي – هو ” الخسارة التي لحقت المدعي فعلا والمصروفات الضرورية التي اضطر والتي سيضطر إلى إنفاقها الإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب أضرارا به، وكذلك ما حرم من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل…”

ويعرف الفقه الضرر بأنه الأذى الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه ، أو مصلحة مشروعة ، سواء كانت مادية أو معنوية. فالضرر الذي يخول الحق في التعويض إما أن يكون ماديا أو معنويا.

أولا : الضرر المادي

هو إخلال بحق أو مصلحة مالية للمضرور سواء تعلق الأمر بالاعتداء على حق المضرور في سلامة جسمه من قبيل الضرب والجرح وبتر عضو من أعضاء الجسم ، إذ يشكل ذلك ضرر جسماني من شأنه أن يخل بقدرة الشخص على الكسب ويكبده نفقة العلاج، أو تعلق الأمر بالإخلال بحق عيني أو شخصي للمضرور، كالتعدي على ملكه، وإتلاف أمواله، أو حرمانه من استعمال حق من حقوقه. فكل ذلك ينتج عنه ضرر مادي يلحق الذمة المالية للمضرور ويشمل طبقا الفصل 98 من ق ل ع الخسارة التي لحقت المضرور فعلا والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الضار

ثانيا: الضرر الأدبي أو المعنوي

هو الضرر الذي يصيب الشخص في مصلحة غير مالية، باعتباره .. الألم الذي يلحقه إثر المساس به سواء في نفسه وشعوره أو كرامته وسمعته، كما في حالة السب و القذف والتشوه الذي يصيب الجسم إثر حادثة جسدية.

وقد يحصل أن ينشأ عن الفعل الواحد ضرر مادي ومعنوي في الوقت ذاته، كما هو الشأن في جرائم القتل والضرب، فقتل الأب ينتج عنه ألم لأولاده وزوجته على نحو يشكل ضررا معنويا يعوض عنه، كما ينتج عنه حرمان هؤلاء من حقهم في النفقة وهو ضرر مادي.

هذا ويجمع الفقه والقضاء ومختلف التشريعات الحديثة على جواز التعويض عن الضرر المعنوي، وإن كان ليس من شأن هذا التعويض جبر کامل تبعات هذا الضرر. ووفق هذا التوجه نص المشرع المغربي في الفصل 78 من ق ل ع على أن ” كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي والمادي الذي أحدثه…”.

الفقرة الثانية: شروط الضرر

يشترط في الضرر حتى يكون محلا للتعويض شرطان: أن يكون محققا، وأن يتضمن المساس بمصلحة مشروعة.

أولا: أن يكون الضرر محققا

لا محل للتعويض إلا إذا كان الضرر محققا، ويكون كذلك سواء كان حالا أي وقع فعلا، أو أنه سيقع حتما في المستقبل. فإصابة شخص بعاهة في جسمه أدت إلى بتر عضو من أعضائه تحدث له ضرر حال يتمثل في العامة التي لحقته وما يترتب عنها من تحمل المصاريف العلاج وشعور بألم نفسي، كما يقع له في الوقت ذاته ضرر محقق الوقوع في المستقبل هو عجزه عن العمل وعدم قدرته على الكسب. كما يدخل في عداد الضرر المستقبلي حالة تفاقم الضرر الناتج مباشرة عن الفعل الضار مما يولد للمضرور عجز لاحقا.

غير أن الضرر المستقبل إذا لم يكن محقق الوقوع وإنما محتملا فقط فإنه لا مجال للتعويض عنه، فالضرر ينبغي أن يكون محققا في الحال أو المستقبل.

هذا وينبغي التمييز بين الضرر المحتمل الذي لا يكون محلا للتعويض وتفويت الفرصة الذي تعتبر ضررا محققا يجب التعويض عنه بالقدر الذي كان محتملا فيه كسب تلك الفرصة. كمن فوت عن غيره فرصة المشاركة في مباراة التوظيف من خلال إخفاء استدعائه إذ يشكل ذلك في حد ذاته ضررا محققا وليس احتماليا لكون المضرور کان له الحق في استخدام الفرصة المتاحة له ولو كانت نتيجتها غير محققة.

ثانيا: أن يتضمن الضرر مساسا بحق أو مصلحة مشروعة

إن الضرر الذي يكون مثلا التعويض ينبغي أن يتضمن إما اعتداء على حق يستأثر به الشخص أسئثارا يحميه القانون، كالاعتداء على سلامة جسم المضرور، أو الاعتداء على شخص بقتله مما يضيع على أولاده حق النفقة، إذ يشكل ذلك مساسا بحق ثابت لهم قانونا.

أما إن تعلق الأمر بالمساس بمصلحة للمدعي فإنه ينبغي أن تكون هذه المصلحة مشروعة يحميها القانون، كما لو كان شخصن يعول أحد أقربائه دون أن يكون ملزما بذلك، فإن فقد هذا العائل يشكل مساسا بمصلحة مشروعة للقريب يستحق عنها التعويض، ولو أن الأمر لا يرتقي إلى حق ثابت قانونا.

وفي المقابل فإن المساس بمصلحة غير مشروعة لا تستوجب التعويض لكونها ليست محل حماية قانونية، فالخليلة التي توفي خليلها نتيجة فعل ضار صادر عن الغير لا تستحق التعويض عما حصل لها من ضرر مادي و معنوي لكون هذا الضرر نشأ عن إخلال بمصلحة غير مشروعة

المطلب الثالث: علاقة السببية

لا يكفي لقيام المسؤولية عن الفعل الشخصي وقوع خطأ من شخص معين وحصول ضرر لشخص آخر، بل يجب أن يكون الخطا هو السبب في الضرر، وهذه هي علاقة السبيية التي تعتبر الركن الثالث من أركان المسؤولية التقصيرية، وهي ركن مستقل عن ركن الخطا، إذ ليس هناك تلازم حتمي بينهما. فالخطأ قد يقع دون أن تكون له أدني علاقة لحدوث الضرر، وقد توجد العلاقة السببية بين نشاط معين وضرر دون أن يشكل ذلك النشاط فعلا خاطئا. وقد يحدث أحيانا أن تتعدد الأسباب المؤدية إلى الضرر، أو تتعدد الأضرار الناشئة عن السبب الواحد الأمر الذي يقتضي تحديد معايير للقول بتحقق علاقة السببية أو انتفائها.

الفقرة الأولى: المعايير المعتمدة لإثبات علاقة السببية

لا خلاف في كون علاقة السببية بين الخطأ والضرر تستلزم أن يكون الضرر ناتجا عن الخطأ. فالمسؤولية – المسؤولية عن الفعل الشخصي – تنتفي إذا لم يكن الضرر ناتجا عن الخطا. كما لو قاد شخص سيارة بدون رخصة دهس رغم اتخاذه الاحتياطات المطلوبة أحد الراجلين لكون هذا الأخير لم يحترم الإشارة الضوئية والمكان المخصص لعبور الراجلين. ففي هذه الحالة لا يكون الضرر الحاصل للراجل نتيجة لخطأ السائق.

ونفس الشيء يحصل إذا ألقى أحد المارة بنفسه في الطريق ليصدمه شخص يقود السيارة بدون رخصة، فخطأ السائق لم يكن هو السبب المباشر في حصول الضرر.

ثم أنه لا يكفي أن يكون الضرر نتيجة للخطأ، بل يجب أن يكون نتيجة مباشرة له، إذ لا تعويض عن الضرر غير المباشر. وعليه إذا تعددت الأضرار الناشئة عن الفعل الواحد، فإن التعويض لا يستحق إلا عن الضرر المباشر، وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في الفصل 78 من ق ل ع بقوله ” الخطأ هو السبب المباشر في حصول الضرر”. فلنفرض أن تاجر مواشي باع بقرة موہوءة انتقلت منها العدوى إلى مواشي المشتري، فماتت سائر المواشي، واضطر المشتري إلى الاقتراض لسداد الديون المستحقة عليه، وأمام عجزها عن الوفاء قام الدائنون بحجز أرضه وبيعها بثمن بخس، فهل في مثل هذه الحالة يسأل : تاجر المواشي عن سائر الأضرار المتسلسلة التي تسبب فيها.

القاعدة في هذا الصدد هي أن التعويض لا يكون إلا عن الضرر المباشر، وهو في المثال موت البقرة الموبوءة وعدوى بقية المواشي وموتها، أما ما تلا ذلك من أضرار للمشتري فهي أضرار غير مباشرة لا يستحق عنها التعويض

ولكن ما هو المعيار المعتمد في حالة تعدد الأسباب المنشئة للضرر الواحد، فهل تعتبر كلها متعادلة في وقوع الضرر بحيث يسأل كل من صدر عنه فعل شكل سببا للضرر، أم أن المسؤولية لا تقع إلا على من كان فعله سببا منتجا للضرر.

ظهرت في هذا الإطار نظريتان فقهيتان هما نظرية تعادل أو تكافؤ الأسباب، ونظرية السبب المنتج أو الفعال.

أولا: نظرية تعادل الأسباب

انطلقت هذه النظرية من فكرة مؤداها أن جميع الأسباب متعادلة ومتكافئة في إحداث الضرر، فطالما أن الضرر هو وليد مجموعة من الأسباب ولم يستغرق أحدهما الآخر ، فإنه لا مجال للتفريق بينها بحسب أهميتها وخطورتها في إحداث الضرر. فلو أن شخصا ترك سيارة في الطريق وأبوابها مفتوحة، فيأتي شخص ويسرقها، ثم يسير بها بسرعة فائقة ليصدم على إثر ذلك أحد المارة ويرديه قتيلا، ففي هذه المثال يكون كل من مالك السيارة والسارق طبقا لنظرية تعادل الأسباب مسؤولين عن الضرر با عتبار أن خطأ كل منهما كان سببا في وقوعه.

ثانيا: نظرية السبب المنتج أو الفعال

بمقتضى هذه النظرية فإن العبرة بالسبب المنتج والذي يؤدي بحسب العادة و المألوف إلى حدوث الضرر، أما غيرها من الأسباب فتبقى عارضة ولا قيمة قانونية لها. ففي المثال السابق يكون سارق السيارة وحده مسؤولا عن الضرر على اعتبار أن خطأه هو السبب المنتج في حدوث الضرر بحسب المألوف والعادة، أما خطا مالك السيارة فيبقى مجرد عارض لا غير.

الفقرة الثانية: حالات انتفاء علاقة السببية

تنتفي علاقة السببية إذا أثبت المدعى عليه أن الضرر نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه. والسبب الأجنبي الذي تنتفي به رابطة السببية قد يكون قوة قاهرة، أو حادثا فجائيا، أو خطأ المضرور أو خطأ الغير.

أولا: القوة القاهرة والحادث الفجائي

يذهب جمهور الفقه إلى عدم التمييز بين القوة القاهرة والحادث الفجائي، وأن حكمهما واحد متى توافرت الشروط الواجبة لقيامهما، وهي أن يكون الحادث غير ممكن التوقع من جهة، ومستحيل الدفع من جهة أخرى، وهو ما نص عليه المشرع المغربي في الفصل 95 من ق ل ع والذي جاء فيه ما يلي: “لا محل للمسؤولية المدنية …. إذا كان الضرر قد نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة … لم يسبقها أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه …”.

كما أن الفصل 269 من ق ل ع عرف القوة القاهرة “هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه،” كما نص نفس الفصل في فقرته الثانية على أنه “لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه”.

وعليه يجب أن تكون الواقعة المكونة للقوة القاهرة أو الحادث الفجائي غير ممكنة التوقع لا من جانب المدعى عليه فحسب، بل من أشد الناس حرصا ويقظة لشؤونه، كالظواهر الطبيعية من فيضانات وجفاف وزلزال وأوبئة، وكذا غارات العدو … كما يجب أن يكون عدم التوقع مطلقا لا نسبيا أي أنه يقاس وفق معيار موضوعي لا ذاتي.

أما شرط استحالة الدفع فيقتضي أن يكون الحادث الفجائي أو القوة القاهرة مما يستحيل على الشخل المعادي دفعه، أي أن الاستحالة ينبغي أن تكون مطلقة، أما إذا كانت نسبية قاصرة على المدين وحده فإنها لا تشكل سببا للإعفاء من المسؤولية.

ويجب كذلك أن يكون الحادث مما من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا استحالة مطلقة بحيث لا تكون مستحيلة بالنسبة للمدين وحده بل استحالة بالنسبة لكل شخص يكون في موقف هذا الأخير.

ثانيا : خطأ المضرور

يعتبر خطأ المضرور سببا أجنبيا يؤثر على علاقة السببية بين خطأ المدعى عليه والضرر، الأمر الذي قد يؤدي إما إلى إعفائه إعفاء كليا من المسؤولية متى ثبت أن خطأ المضرور كان سببا وحيدا للضرر في غياب أي سلوك خاطئ للمدعى عليه، كمن يلقي بنفسه في قارعة الطريق وتدهسه سيارة يقودها صاحبها بحذر واحتياط مراعيا أنظمة السير.

كما يعفى المدعى عليه جزئيا من المسؤولية متى اقتصر خطأ المضرور على المساهمة في حدوث الضرر مشتركا في ذلك مع خطأ المدعي، كما هو الشأن في حوادث السير التي يشترك فيها كل من خطأ السائق والضحية في إحداث الضرر، إذ يتم تشطير المسؤولية بينهما حسب درجة مساهمة خطأ كل منهما في وقوع الضرر. بل قد يستغرق خطأ المضرور خطأ المدعي كما لو اقتصر خطا هذا الأخير على مجرد الإهمال والتقصير في حين كان خطأ المضرور جسيما ومتعمدا ففي هذه الحالة يتحمل المضرور كامل المسؤولية إذ أن ثبوت الخطأ العمدي للمضرور يجعله يستغرق خطأ المدعى عليه بحيث لا يكون لإهمال هذا الأخير وتقصيره أي دور في إحداث الضرر.

ثالثا : خطأ الغير

يقصد بالغير شخص ثالث أجنبي عن المضرور والمدعى عليه، فمتى ثبت أن الضرر هو نتيجة خطأ الغير فإن ذلك يشكل سببا أجنبيا ينفي عن المدعى عليه المسؤولية لانتفاء علاقة السببية بين خطئه والضرر.

وقد يساهم خطأ الغير مع خطأ المدعى عليه في إحداث الضرر، ومن ثم فإنه لا يصلح كسبب أجنبي يعفي بالكامل المدعى عليه من المسؤولية وإنما يعفيه جزئيا منها، حيث تتوزع المسؤولية بينهما حسب مساهمة خطأ كل منهما في وقوع الضرر، وعند تعذر ذلك فإنهما يعتبران مسؤولين بالتضامن اتجاه المضرور.

أما في حالة استغراق خطأ الغير لخطأ المدعى عليه، كما لو كان هذا الأخير غير عمدي و الأول عمديا فإن المسؤولية تنتفي عن المدعی عليه لكون خطأ الغير الذي يكون عمديا يشكل بذاته سببا أجنبيا ينفي علاقة السببية بين خطأ المدعى عليه والضرر.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!