أنواع المسؤولية المدنية

أنواع المسؤولية المدنية ونطاقها وأساسها

أنواع المسؤولية المدنية ونطاقها وأساسها

المسؤولية المدنية تنقسم إلى مسؤولية عقدية ومسؤولية تقصيرية

الفقرة الأولى: التمييز بين المسؤولية العقدية والتقصيرية :

المسؤولية العقدية هي التي تنشأ عن إخلال المتعاقد بالتزامه العقدي الناشئ عن عقد صحيح كان طرفا فيه، في حين أن المسؤولية التقصيرية مردها الإخلال بواجب قانوني عام سابق متمثل في عدم الإضرار بالغير. وعليه أن مدين بالتزام عقدي متى أخل بهذا الالتزام كان مسؤولا مسؤولية عقدية أمام الدائن المتعاقد معه، كما هو الشأن في عقد البيع حيث يلتزم البائع بعدم تعرضه على الشيء المبيع ونقل ملكيته إلى المشتري.

أما لو حصل هذا التعرض من شخص الأجنبي عن العقد واعتدى على حق المشتري في الانتفاع بالشيء الذي انتقلت ملكيته إليه، فإن مثل هذا الاعتداء يشكل عملا غير مشروع من جانب الشخص الأجنبي تتحقق معه مسؤوليته التقصيرية.

ويترتب عن هذا التمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية نتائج هامة من حيث النظام القانوني لكلتا المسؤوليتين على النحو التالي:

– من حيث التضامن: في المسؤولية العقدية فإن التضامن لا يفترض بل هو لا يتقرر إلا بمقتضى اتفاق المتعاقدين، في حين أن التضامن في المسؤولية التقصيرية ثابت بمقتضى القانون ( الفصلين 100 – 99 من ق ل ع).

– من حيث مدى التعويض: في المسؤولية العقدية فإن التعويض لا يشمل إلا الضرر المباشر المتوقع فيما عدا حالتي الخطأ العمدي والخطأ الجسيم ( الفصل 264 من ق ل ع )، أما في المسؤولية التقصيرية فإن التعويض يغطي كل ضرر مباشر، متوقع كان أو غير متوقع ( الفصل 98 من ق ل ع )

– من حيث مدى جواز الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية:

لا يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية التقصيرية ( الفصلين 77 و 78 من ق ل ع ) في حين أن مثل هذا الاتفاق يبقی جائز في المسؤولية العقدية باستثناء حالتي الغش والخطأ الجسيم ( الفصل 232 من ق ل ع )

– بالنسبة للتقادم، فالقاعدة العامة أن دعوى المسؤولية العقدية تتقادم بمضي خمس عشرة سنة ابتداء من تاريخ إبرام العقد ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ( الفصل 387 من ق ل ع ) أما دعوی المسؤولية التقصيرية فإنها تتقادم وفقا للمبدأ العام بانقضاء خمس سنوات من الوقت الذي علم فيه المتضرر بوقوع الضرر وبالشخص المسؤول عنه ( الفصل 106 من ق ل ع ) ما لم يوجد نص يقضي بخلاف ذلك، . وتتقادم في جميع الأحوال المرور عشرين سنة تبتدئ من وقت وقوع الضرر.

– بالنسبة للأهلية: لما كانت المسؤولية العقدية تنتج عن الإخلال بينود العقد، فإنه يفترض في الشخص المدين بالالتزام العقدي تمام الأهلية. أما بالنسبة المسؤولية التقصيرية فإنه لا يتطلب في الشخص المسؤول أن يكون كامل الأهلية، بل يكفي أن يكون له من التمييز الإدراك نتائج و عواقب أفعاله

الفقرة الثانية: نطاق المسؤوليتين العقدية والتقصيرية ومدى جواز الجمع أو الخيرة بينهما

 أولا: نطاق المسؤولية العقدية والتقصيرية

رأينا أن المسؤولية العقدية تنشأ عن خرق التزام عقدي في حين أن المسؤولية التقصيرية هي جزاء الإخلال بواجب قانوني عام سلبي يتمثل في عدم الإضرار بالغير. ولعل هذا التمييز من شأنه أن ينعكس على تحديد نطاق ومدى كل من المسؤوليتين.

فالمسؤولية العقدية يحدد مداها عقد سابق، في حين أن المسؤولية التقصيرية يتولى تحديد مداها القانون .. وعليه فإن نطاق المسؤولية العقدية يتحدد بشرطين اثنين:

الشرط الأول: قیام عقد صحيح يرتب التزامات عقدية بين طرفي العقد، أحدهما يكون مدينا بالالتزام العقدي والثاني دائن به, فلا مجال للحديث عن مسؤولية عقدية إذا لم يحصل التوافق بين الطرفين على – إحداث أثر قانوني. فقبل تحقق الإيجاب والقبول ليس هناك عقد كما في المفاوضات التي تسبق انعقاد العقد، ومن ثم فإن الخطأ الذي يرتكبه المتسبب في قطع المفاوضات لا يمكن أن تنشأ عنه سوى مسؤولية تقصيرية

كما أنه يجب أن ينشأ العقد، صحيحا، فمتى تقرر بطلان العقد أو إبطاله فالمسؤولية لا تكون سوى تقصيرية. وعليه فالمتعاقد الذي يقع ضحية تدليس من طرف المتعاقد معه يكون له متى تقرر إبطال العقد المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقته جراء ذلك التدليس طبقا القواعد المسؤولية التقصيرية لا العقدية باعتبار أن العقد باطل ولم تنشأ عنه التزامات.

الشرط الثاني: أن يكون الضرر ناشئا عن الإخلال بالتزام عقدي

لا يكفي لتحقق المسؤولية العقدية قيام عقد صحيح، وأن يكون الشخص المسؤول طرفا في العقد، وإنما يشترط أيضا أن يكون الضرر ناتجا عن عدم تنفيذ المدين لالتزامه العقدي. وعليه إذا أخل المدين في العقد بالتزام غير عقدي، فإن مسؤوليته لا تكون إلا تقصيرية وليست عقدية حتى لو كان الضرر قد حصل بمناسبة تنفيذ العقد. وعليه فإقدام البائع على توجيه السب والقذف للمشتري أثناء تنفيذ العقد أو بمناسبته يعد جريمة يعاقب عليها القانون، وعملا غیر مشروع مما يرتب مسؤولية تقصيرية في حق البائع.

هذا وإذا أثار البحث حول ما إذا كان الفعل أو الامتناع الذي تسبب في الضرر يعتبر إخلالا بالتزام عقدي أم لا، فإن الأمر يقتضي تحديد مضمون العقد بالبحث عن إرادة المتعاقدين، وكذا اللجوء إلى تفسير العقد باعتبار هذا الأخير يشمل ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف والعدالة في الفصل (231 من ق ل ع )

ثانيا: مدى جواز الجمع أو الخيرة بين المسؤولية العقدية و المديونية قيصيرية

قد يجتمع في الفعل الواحد المسبب للضرر شروط المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية في آن واحد، فيثور التساؤل عن مدى جواز الجمع بين المسؤوليتين أو الخيرة بينهما. ومثال ذلك الناقل في عقد النقل الذي يتسبب بإهماله في إصابة المسافر أثناء عملية النقل، فالناقل في مثل هذه الحالة تكون مسؤوليته مسؤولية عقدية عن الإخلال بالتزامه العقدي في المحافظة على سلامة المسافر أثناء عملية النقل، وهو في الوقت ذاته مسؤول مسؤولية تقصيرية لارتكابه فعل ضار.

ففي مثل هذا الفرض يجمع الفقه من جهة على عدم جواز الجمع بين المسؤوليتين أي مطالبة المسؤول بالتعويض مرتين، مرة عن الإخلال بالتزامه العقدي، ومرة أخرى عن تقصيره، ذلك أن جبر الضرر يتحقق بالحصول على تعويض واحد وفي إطار دعوی واحدة مبنية إما على أساس أحكام المسؤولية التقصيرية أو العقدية. وهو ما يعني من جهة أخرى عدم جواز الجمع في دعوى واحدة بين أحكام المسؤولية العقدية وأحكام المسؤولية التقصيرية؛ بحيث ينتقي الدائن بالتعويض في دعواه انتقام التي تحقق مصلحته. كأن يرفع المدعي دعوى المسؤولية العقدية مستندا في الوقت ذاته على أحكام المسؤولية التقصيرية بخصوص التضامن بين المدينين، أو المطالبة بالتعويض عن الضرر المتوقع وغير المتوقع.

فمثل هذا الخلط بين أحكام المسؤوليتين في دعوى واحدة يجعلنا أمام صورة جديدة من صور المسؤولية غير المنصوص عليها قانونا، إذ لا هي عقدية ولا هي تقصيرية وهو أمر غير جائز.

وإذا كان عدم جواز الجمع بين المسؤوليتين أمر محسوم فقها وقضاء، فهل يجوز ترك الخيرة للمضرور بين المسؤوليتين متى تحققت في الفعل الواحد شروط المسؤولية العقدية والتقصرية.

الرأي الراجح فقها وقضاء هو أنه ليس للمضرور أن يختار دعوی المسؤولية التقصيرية متى توافرت شروط المسؤولية العقدية. فأمام وجود عقد نقل مثلا لا يكون للمسافر الضحية المطالبة بالتعويض عن الضرر المتوقع و غير المتوقع استنادا لأحكام المسؤولية المدنية التقصيرية، ذلك أن وجود عقد بين الطرفين المتعاقدين، واتجاه إرادتهما إلى إحداث أثر قانوني معين في العقد، و وفق شروط محددة، يقتضي الاحتكام إلى هذه الشروط باعتبارها هي التي التي تحقق التوازن بين الطرفين. وعليه فوفق الرأي الراجح تحكم المسؤولية العقدية وحدها العلاقة الرابطة بين المتعاقدين، أما من لا تربطهم رابطة عقدية فتحكمهم قواعد المسؤولية التقصيرية.

الفقرة الثالثة: تطور نظام المسؤولية المدنية وأساسها

باستقراء التطور التاريخي للنظام القانوني للمسؤولية المدنية يتبين أنها في المرحلة الأولى ارتبطت بالمسؤولية الجنائية واختلطت بها، إذ كانت تأخذ معنى الثأر من الجاني لما اقترفه سواء في شكل قصاص في العصور البدائية، أو الدية حيث يستعيض المضرور عن إلحاق الأذى بخصمه شخصيا باقتضاء مبلغ من المال.

ومع ازدیاد نفوذ السلطة الحاكمة في عهد القانون الروماني لم يعد للمضرور سوى المطالبة بالتعويض الإصلاح الضرر، حيث عدد المشرع الروماني أفعالا جرمية معينة حدد لكل منها المبلغ الذي يقتضيه المضرور بصرف النظر عن قيام الخطأ في جانب مرتكبيها من عدمه. فالجريمة في هذه المرحلة لم تكن مبنية على فكرة الخطأ، بل على فكرة الضرر كأساس للمسؤولية المدنية، إذ أن كل من أصاب الغير بضرر يعد مسؤلا عن هذا الضرر خاطئا كان أو غير خاطئ.

وفي عهد القانون الفرنسي القديم بدأ التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية، وأسس الفقيه “دوما” مبدأ عاما يقيم المسؤولية على أساس الخطأ مفاده أن كل ضرر يتسبب فيه الشخص نتيجة لعدم التبصر أو الخفة أو الجهل بما تجب معرفته، أو أي خطا مماثل لزمه التعويض عنه ولو لم تكن لديه نية الإضرار.

وقد تبنى القانون المدني الفرنسي في مدونة نابليون لسنة 1804 هذا المبدأ وتم وضع نص عام يقضي بالمسؤولية التقصيرية عن كل خطأ، عمديا كان أو غير عمدي يتمثل في الإهمال وعدم التبصر. أما في مجال المسؤولية العقدية فقد تم تنظیم صور هذه المسؤولية التي تنشأ عن خطأ المدين المتمثل في الإخلال بالتزامه العقدي.

هذا وقد أدى التطور الصناعي في العصر الحديث، وازدياد حجم استعمال الالات الميكانيكية وشتی وسائل النقل إلى تفاقم حجم المخاطر الناجمة عنها، وبات من المتعذر على ضحايا الحوادث التي تسببها هذه الآلات إثبات الخطأ في حق صانعيها ومالكيها ومستعمليها، الأمر الذي كان وراء ظهور نظرية جديدة قوامها أن الخطأ لا يكفي وحده كأساس المسؤولية المدنية. ذلك أن هناك من المخاطر التي تنجم عنها أضرار يتعذر فيها على الضحايا إثبات الخطأ في حق المتسببين فيها، كما هو الشأن بالنسبة لضحايا حوادث الشغل والنقل، وأن العدالة والمنطق يقتضيان تحمیل هؤلاء المخاطر الناجمة عن نشاطهم باعتبارهم يجنون تماره، ويغنمون منه، وما عليهم إلا أن يتحملوا تبعته ، فالغنم بالغرم، وهذه هي نظرية تحمل التبعة والتي تجعل المسؤولية المدنية تبني على أساس موضوعي قوامه الضرر وليس أساسا شخصيا أي الخطأ. فتبعة النشاط الضار يجب أن يتحملها المستفيد من هذا النشاط وليس الضحية الذي لا بد له فيه.

فالعامل الذي يذهب ضحية حادثة شغل، والمسافر الذي يتعرض لحادثة أثناء عملية النقل، و الشخص الذي تصدمة سيارة وهو شاب الطريق، كل واحد من هؤلاء لا يمكن تحميله عبء إثبات الخطأ في حق رب العمل، أو الناقل أو حارس السيارة، فمثل هذا الإثبات يبقى أمر مرهق للمضرور، وأن العدالة تقتضي تحميل كل واحد من هؤلاء المخاطر الناجمة عن الأشياء التي توجد تحت حراستهم، علما أن تقنية التأمين كفيلة بضمان حصول الضحايا على تعويض عادل على نحو يحقق التكافل الاجتماعي.

هذا ورغم التطور الذي شهده نظام المسؤولية المدنية مع البدايات الأولى للثورة الصناعية و التكنولوجية، وما صاحبها من مخاطر دفع إلى اعتماد أساس موضوعي للمسؤولية بخصوص الأضرار الناجمة عن استعمال الآلات الميكانيكية وغيرها من المواد الخطرة بحسب بنية تكوينها فإن الخطأ لا زال يشغل حيزا كبيرا في حقل المسؤولية المدنية.

و يمكن القول اليوم أن القاسم المشترك بين مختلف صور المسؤولية المدنية هو وجوب تحقق ضرر من نشاط معين، خاطئا كان أم لا وعلاقة نسبية بين هذا النشاط والضرر، مع اختلاف في النظام القانوني للمسؤولية العقدية عنه في المسؤولية التقصيرية، وهو ما سنتناوله تباعا في فصلين مستقلين.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!