المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي

المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي

المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي

قد ترتكب الجريمة من قبل الشخص واحد ينفرد بتنفيذ مادياتها فتكون ثمرة لنشاطه الإجرامي ووليدة إرادته، وقد تقترف الجريمة من قبل عدة أشخاص لكل منهم دور يؤديه فمن هذا المنطلق يمكن الحديث عن نطاق المسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي

قد يكون المجرم فاعلا أصليا وقد يكون مساهما، ومشاركا في الجريمة (الفقرة الأولى) كما قد يكون المسؤول الجنائي فاعلا معنويا، كما يمكن أن تكون المسؤولية مسؤولية جنائية عن فعل الغير (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المسؤولية الجنائية للفاعل الأصلي والمساهم والمشارك

أولا: الفاعل الأصلي

الفاعل الأصلي أو المباشر هو الشخص الذي ينفرد بارتكاب الركن المادي للجريمة دون مساهمة من أحد، فالجريمة تكون ثمرة لنشاطه الإجرامي، وهو من أبرز إلى حيز الوجود العناصر التي تؤلفها.

هذا ولم يحدد المشرع الجنائي المغربي المقصود بالفاعل الأصلي في نص خاص

وإنما يفهم ذلك من الأحكام المتعلقة بالمساهمة الجنائية والمشاركة لجنائية التي تناولها المشرع في نصوص خاصة (الفصول من 128 إلى 131 من القانون الجنائي)

كما أن المشرع في الفصل 132 من ق.ج يحدد القاعدة العامة في المسؤولية الجنائية، فالأصل أن ترتكب الجريمة من قبل شخص واحد متمتع بالإدراك والإرادة الحرة

ثانيا: المساهمة الجنائية

تفترض المساهمة الجنائية تعدد الجناة في ارتكاب جريمة واحدة، بحيث يصدر من كل جانب نشاط يسعى من خلاله إلى إحداث النتيجة الإجرامية المقصودة ، وقد جاء في الفصل 128 من ق.ج ما يلي: “يعتبر مساهما في الجريمة كل من ارتكب شخصيا عملا من أعمال التنفيذ المادي لها”، إلا أن صفة مساهم في الجريمة لا تقتصر على حالة التنفيذ الفعلي لبعض الأعمال المكونة للركن المادي للجريمة ومما سبق يتضح أن المساهمة تتحقق فلي الحالات التالية:

1 – حالة ما إذا ساهم الفاعل في العمل التنفيذي كما جاء في الفصل 128 المذكور أعلاه، حيث أن كل من قام بعمل من أعمال تنفيذ الجريمة يعتبر مساهما أي فاعلا أصليا، سواء كان تعاونه مع المجرم أو المجرمين الآخرين عن طريق الاتفاق، أو جمعتهم الصدفة فقط دون أي اتفاق سابق، ولكن حصل منهم اتفاق ضمني، او معنوي لاتحاد قصدهم نحو هدف واحد كما إذا حضر شخصان صدفة إلى منزل بقصد سرقته

2 – قد تكون هناك أعمال لا تدخل في الركن المادي للجريمة إلا أن نصا تشريعيا اعتبر القيام بها مساهمة، فقد جاء في الفصل 304 من ق.ج أنه  “يعتبر مرتكبا للعصيان من حرض عليه سواء بخطب ألقيت في أمكنة أو اجتماعات عامة أو بواسطة ملصقات أو إعلانات أو منشورات، أو كتابات”. وقد جاء في الفصلين 405 و 406 من ق.ج ما يلي: “أما الرؤساء والمنظمون  -والمدبرون والمحرضون على المشاجرة أو العصيان أو التجمع الثوري فإنهم يعاقبون كما لو كانوا هم الذين ارتكبوا أفعال العنف المشار إليها”.

3 – تتحقق المساهمة في حالة وجود الاتفاق والتصميم بين الفاعلين على تنفيذ الجريمة، وحتى لو كان العمل الذي قام به بعض المساهمين في الاتفاق لا يدخل في الأعمال التنفيذية للجريمة كما لو تم الاتفاق بين أشخاص على سرقة منزل فيكلف أحدهم بالتنفيذ والآخر بحراسة الطريق اليمني والثالث بحراسة الطريق اليسري والرابع بإلهاء الحارس الليلي دون أي اعتبار لقيمة الدور الذي يقوم به كل منهم

ولا تكلف المحكمة نفسها عناء البحث عمن صدرت منه الإصابة فعلا إذا ما اتفق شخصان على ضرب الضحية أو قتله أو جرحه، حيث تعتبرهما مساهمين، إلا أن المشرع أجاز للقضاء إعفاء فئة من الأشخاص من العقاب بصفة مساهم

ثالثا:  المشارك

يراد بالمشاركة في الجريمة المساعدة على تحقيق الفعل المادي للجريمة عن قصد بواسطة أحد الأفعال التي حددها المشرع في الفصل 129 من ق.ج.

1 – أساس العقاب على المشاركة:

فيما يخص أساس العقاب على المشاركة فالفقه الجنائي يختلف في تحديد الأساس الذي يقوم عليه العقاب على المشاركة في الجريمة وفي هذا الإطار تبرز نظريتان اثنتان هما:

أ-  نظرية الاستعارة، مؤدى هذه النظرية أن أعمال المساهمة التي يقوم بها الشريك لا تعد في حد ذاتها جريمة يستحق عنها العقوبة، وإنما تكتسب هذه الصفة الإجرامية من خلال نشاط الفاعل الأصلي ولما يربط بينهما من علاقة سببية.

ب-  نظرية الجريمة المستقلة: ينطلق أصحاب هذه النظرية من فكرة أساسية مفادها أن العمل بالمسؤولية الشخصية يستوجب أن يتحمل الشريك والفاعل كل من جانبه المسؤولية عن عمله الشخصي، ومن تم فإن الفعل الذي يقوم به الشريك يكون جريمة مستقلة شأنها في ذلك شأن باقي الجرائم.

2 – العناصر المكونة للمشاركة

لكي تتحقق المشاركة لابد من توفر ثلاثة عناصر تتمثل في ارتباطها بفعل رئيسي معاقب عليه، وقيام الجاني بأحد الأفعال المادية للمشاركة، وتوفر النية الإجرامية.

3 – عقوبة المشاركة

نص الفصل 130 من ق.ج على ما يلي:” المشارك في جناية أو جنحة يعاقب بالعقوبة المقررة لهذه الجناية أو الجنحة”، ولا تتأثر الظروف الشخصية التي ينتج عنها تشديد أو تخفيض أو الإعفاء من العقوبة إلا بالنسبة لمن توفرت. أما الظروف العينية المتعلقة بالجريمة والتي ترفع العقوبة أو تخفضها فإنها تنتج مفعولها بالنسبة لجميع المساهمين أو المشاركين في الجريمة ولو كانوا يجهلونها”.

 يبدو من خلال هذا النص أن المشرع قد أخذ بنظرية استعارة المشارك الإجرام من الفاعل الأصلي، وترتيبا على ذلك قرر أن العقوبة التي تطبق على المشارك هي مبدئيا نفس العقوبة المقررة للفاعل الأصلي، وفيما يتعلق بظروف الجريمة فقد ميز في نطاقها ما بين الظروف الشخصية والظروف العينية.

الفقرة الثانية: المسوولية الجنائية عن فعل الغير والفاعل المعنوي

أولا: المسؤولية الجنائية عن فعل الغير

الأصل في المسؤولية الجنائية أنها شخصية أو لا تقوم إلا بالنسبة لمن ساهم في الجريمة، والعقوبة بالتالي لا تنال إلا من يسأل عن الجريمة وهذان المبدآن (مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية ومبدأ شخصية العقوبة) مبدآن جوهريان ويعتبران الحجر الأساس في التنظيم القانوني للمسؤولية الجنائية وللعقوبة، وذلك على عكس المسؤولية المدنية

لأن القانون المدني أقر صور للمسؤولية عن أفعال الغير، فمثلا المتبوع بسؤال عن جميع الأضرار التي يتسبب بها التابع للغير، وحارس الحيوان مسؤول عن الأضرار التي يسبها الحيوان، وحارس البناء وكذلك حارس الأشياء التي تتطلب حراستها بذل عناية خاصة مسؤول عما قد تحدثه هذه الأشياء من أضرار للغير، كذلك من له الولاية على القاصر مسؤول عن أفعال هذا الأخير وذلك بافتراض قيام قرينة الخطأ قبل المسؤولية

أما القانون الجنائي فلا يعرف الخطأ المفترض من أي نوع كان ومن يدعي صدور الخطأ من الجاني يلزم بإثباته، وإثبات صدور عنه شخصيا وإقامة علاقة السببية بين هذا الخطأ وبين النتيجة وللقاضي مطلق الحرية في تقدير الدليل وفلي النهاية مثوله أو استبعاده

فالأب لا يسأل جنائيا عن خطأ ابنه القاصر إلا إذا ثبت صدور خطأ شخصي منه هو أيضا فمن سلم مسدسا لابنه القاصر معدا للانطلاق فانطلقت الرصاصة منه فقتلت أو أصابت شخصا آخر فإن الأب يسأل عن القتل الخطأ لأنه كان عليه أن يقدر أن ولده القاصر يجب ألا يعبث بسلاح ناري معد للإطلاق وهذه المسؤولية لم تقم ضد الأب إلا لصدور خطأ منه يدخل ضمن القواعد العامة في القانون الجنائي، ويمكن إثبات هذا الخطأ على نطاق قواعد الإثبات الجنائي دون غيرها من قواعد الإثبات.

ثانيا: المسؤولية الجنائية للفاعل المعنوي

1 – المقصود بالفاعل المعنوي

يقصد الفاعل المعنوي أو – بالواسطة – كل شخص يقوم بتسخير شخص آخر غير مسؤول جنائيا على تنفيذ الجريمة بدله، وتفترض الجريمة في هذه الحالة وجود فاعلين:

أحدهما فاعل مادي قام بتنفيذ الجريمة دون أن تتوفر لديه المسؤولية الجنائية، وبالتالي فاعل معنوي قام بتسخير الأول نحو القيام بهذا التنفيذ وجعله أداة لتحقيق هذا الغرض،

ويتم هذا التسخير إما بطريق التحريض أو بتقديم المساعدة إليه، وهكذا يقترب دور الفاعل المعنوي من دور المشارك في الجريمة، فهو يتفق معه في التحريض أو المساعدة باعتبار أن كل منهما يقف وراء عملية تنفيذ الجريمة ولا يقوم بالتنفيذ المادي لها، إلا أنهما مختلفان من حيث ما للفاعل المعنوي من السيادة الفعلية على عملية تنفيذ الجريمة فهو الذي يقدر ارتكاب الجريمة وتتوفر لديه النية الإجرامية.

ومن الأمثلة على ذلك أن يطلب شخص من مجنون أو طفل غير مميز أن يسرق له ما الغير، أو يعطيه مسدسا محشوا بالرصاص ويطلب منه أن يفرغه في شخص آخر – غريما له – ويوجه المسدس نحوه ويقتله بالفعل أو يصيبه بجروح بليغة، ففي هذين المثالين كان الفاعل المادي مجرد أداة بشرية سخرها الفاعل المعنوي لتحقيق قصده الجنائي، ولذلك تنفى المسؤولية الجنائية في حقه،

كما يتسع مدلول الفاعل المعنوي ليشمل كل الحالات التي ينتفي فيها القصد الجنائي لدى الفاعل المادي الذي سخر لتنفيذ الجريمة ونحو ذلك أن يسخر شخص شخصا خر حسن النية في تنفيذ الجريمة، كأن يسلمه زجاجة بها سم لكي يقدمها إلى المجني عليه موهما إياه بأنها تحتوي على دواء، والرئيس الذي يصدر أمرا إلى مرؤوسيه للقيام بعمل يعتبر جريمة موهما إياه بمشروعيته، ففي مثل هذه الأحوال لا تقوم المسؤولية الجنائية في حق الفاعل المادي – حسن النية – ويتحملها الفاعل المعنوي لوحده.

هذا وقد تعرض المشرع الجنائي للفاعل المعنوي وخصه بفصل مستقل وهو الفصل 131 الذي ينص على أنه: “من حمل شخصا غير معاقب بسبب ظروفه أو صفته على ارتكاب جريمة فإنه يعاقب بعقوبة الجريمة التي ارتكبها هذا الشخص”.

2 – شروط تحقق صفة الفاعل المعنوي

بناء على نص الفصل 131 من ق.ج المشار إليه أعلاه – فلكي تتحقق صفة الفاعل المعنوي ينبغي أن تتوفر الشروط التالية:

– نشاط إجرامي إيجابي وإن كان لا يدخل في العناصر المادية للجريمة إلا أن له دور حاسم في تنفيذها، والملاحظ أن المشرع استعمل عبارة من “حمل” التي تتسع لكل الوسائل والطرق – غير المشروعة – التي يلجأ إليها الفاعل المعنوي من أجل دفع الفاعل المادي وتسخيره في عملية تنفيذ الجريمة سواء تم ذلك بالإكراه المادي كما استخدام سلاح لتهديد الفاعل المادي أو بالأمر أو التحريض أو مجرد تحايل إجرامي.

– إنتفاء العقوبة وكذا عناصر الجريمة بالنسبة للفاعل المادي الذي ينعدم القصد الجنائي لديه وفي هذا الصدد نلاحظ بإذن الفصل 131 من ق.ج استعمل تعبير “غير معاقب بسبب ظروفه أو صفته الشخصية” وهو من السعة والشمول بحيث لا يقتصر على حالة انعدام الإدراك أو التمييز كما هو الشأن بالنسبة للمجنون والقاصر عديم التمييز، بل يتسع لكل حالة يكون فيها الفاعل المادي غير معاقب لجود مانع من موانع المسؤولية – كحالة الجنون أو القصر – أو لانتفاء القصد الجنائي لديه، كمن يرتكب الجريمة بحسن نية أو بسبب وجود حالة من حالات التبرير أو الإباحة، كالدفاع الشرعي مثلا، أو بسبب صفته الشخصية، كما يدفع شخصا إلى الانتحار دون أن تكون لدى هذا الأخير نية سابقة على القضاء على حياته

3 – العقوبة المقررة للفاعل المعنوي

طبقا للفصل 131 من ق.ج فإن المشرع المغربي عاقب الفاعل المعنوي بنفس العقوبة المقررة للجريمة التي ارتكبها الفاعل المادي وهي عقوبة تبدو عادلة ما دام أن الفاعل المعنوي هو الذي قرر ارتكاب الجريمة وخطط وتوقر لديه القصج الجنائي، إلا أنه بدل أن ينفذها هو بنفسه سخر شخصا آخرا عديم القصد الجنائي كأداة كطيعة في يده لتنفيذها وتحقيق أهدافه الدنيئة،

 وهذا ما جعل الفقه يعتبر الفاعل المعنوي من أخطر المجرمين، وأنه جبان لا يقوى على تنفيذ جريمته بمفرده بل يسخر شخصا – أو وسيطا- غير مسؤول على تنفيذها كما أن منافع الجريمة تعود إليه وحده ولذلك فإنه لا يستفيد البتة من الظروف الشخصية التي يوجد عليها الفاعل المادي غير المعاقب طبقا لما قررته الفقرة 2 من الفصل 130 من ق.ج من أن” الظروف الشخصية التي ينتج عنها تشديد أو تخفيف العقوبة أو الإعفاء منها لا تؤثر إلا بالنسبة لمن توفرت فيه”

وإلى جانب الظروف الشخصية والعينية هناك الظروف المختلطة هذه من جهة شخصية نظرا لارتباطها بشخص الجاني ومن جهة ثانية تعتبره موضوعية بسبب تغير وصف الجريمة بسببها ومن أمثلتها جريمة قتل الأصول المنصوص عليها في الفصل396  وللإشارة فقد عمد القضاء الفرنسي إلى إلحاقها بالظروف العينية وبالتالي فإن أثرها يشمل كافة المساهمين والمشاركين حتى ولو كانوا يجهلونها.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!