المذهب الفردي

المذهب الفردي نشأته و الأسس التي يقوم عليها

المذهب الفردي : كان من نتيجة الإنعتاق الفكري الذي تميز به القرن السادس عشر في أوروبا الغربية ولاسيما في فرنسا، بتأثیر عوامل متنوعة، نجم أهمها من عهد الانبعاث من جهة وعن الحروب الدينية من جهة ثانية، أن توسعت بدورها الآفاق الفكرية بعد الأكمام الطويل الذي عاناه العقل الغربي، طيلة العصر الوسيط توسعا فلما عرف التاريخ مثيلا له۔

ومن هذا التوسع انطلقت البوادر الأولى لتلك الظاهرة التي التصقت بحياة أوروبا السياسية والاقتصادية، وهي التي وصفت فيما بعد بالليبرالية، هذه الظاهرة التي استمدت منها أوروبا بعض أسباب علمتها السياسية وتقدمها الأقتصادي، وعلى الأخص الدوافع إلى تصنيعها، تصنيعا كان من أثره التعديل الجوهري للأنظمة الاجتماعية القديمة.

فلقد تجلت هذه الحركة في القرن السادس عشر واستقرت بدعائمها الفكرية في القرن السابع عشر، واشتدت في تحرراتها الفلسفية الشاملة في القرن الثامن عشر في فرنسا إلى أن تفجرت في ثورات متوالية في انجلترا أولا، ومن بعدها في الولايات المتحدة، و كحصيلة لبلورها البعيدة في الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر (1789)، هذه الثورة التي دفعت أمم أوروبا وبقية الأمم الأخرى فيما بعد إلى التحرر في نطاق الفردية، بعد تبنيها و إعلانها المذهب الفردي وفلسفته التحررية أو الليبرالية التي اتخذتها أساسا لاستقلالها ومبدأ دساتيرها وقاعدة النشاطاتها الاقتصادية والأشكال حياتها الاجتماعية .

وقد كان ظهور المذهب الفردي في هذا العصر بالذات ضروريا وطبيعيا حيث كان بمثابة رد فعل إيجابي تجاه التعسف والاستبداد الذي عرفته الشعوب الأوروبية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا خاصة خلال العهد الإقطاعي وهيمنة المسيحية والملكية المطلقة، وهو التحالف الذي ظل زمنا طويلا يمارس السلطة والحرية ويفسرهما في دائرة مغلقة بناء على نظريات ثبولوجية.

لذا ابتدأت فلسفته من ضرورة الاعتراف بالفرد ومجال خاص له يستقل فيه وتظهر فيه قدراته الإبداعية، لأن الفرد هو اللبنة الأولى، وهو الأساس في المجتمعات والقوة الدافعة لها. وأن هدف إقامة أي مجتمع سياسي يكون محصورا بالغاية التي لأجلها هجر الأفراد حياتهم البدائية وهي حماية أفضل لحقوقهم وحرياتهم الطبيعية. وتجنبا للمصاعب التي تواجههم في صيانة النظام العام.

وبهذه الصورة عكست فلسفة المذهب الفردي مفهوما معينا للدولة، فمن أجل الحفاظ للفرد على ذاتيته وأولويته، فإن سلطتها لا تتجاوز حدودا معينة، بحيث تقتصر مهمتها على حماية الحقوق والحريات الفردية من أن يعتاد عليها من قبل الآخرين، وعلى تمكين الفرد من التصرف وفق رغبته و مشيئته شريطة ألا يتعدي على حق غيره المعادل حقه، هذا ما جعل أحد الكتاب يعرف هذه الفلسفة بكونهما: ” فلسفة تقييد السلطة لمنع الاستحواذ عليها والاستبداد بها، مما جعل الهدف النهائي من وراء ذلك، هو ضمان الحريات الفردية “

ولتوضيح أثر هذه الفلسفة ودورها في تحديد وظيفة الدولة الحديثة، أتعرض أولا إلى نشأة المذهبي الفردي، وأسسه الفلسفية والاقتصادية والسياسية التي استند إليها، والتي على أساسها تحددت وظيفة الدولة، وأتولى تحليل هذه الوظيفة من حيث طبيعتها ومدى محالها، ومن خلال كل ذلك تبرز انعكاسات هذه الوظيفة على ممارسة الحقوق والحريات العامة، ويتضح بالتالي مدى نجاح أو فشل المذهب الفردي في تحقيق هدفه المتمثل في تحييد الدولة من أجل ضمان الحريات الفردية

المبحث الأول : نشأة المذهب الفردي

تشير الأحداث التاريخية إلى أن المذهب الفردي كان في جوهره ومن حيث أصل نشأته مذهبا اقتصاديا ثم تطور في عصر الثورة الفرنسية فأصبح كذلك مذهبا سياسيا، أي أن ما له من مغزی قد غزا كذلك للميدان السياسي، فطبقته الثورة الفرنسية على ما وضعته من أنظمة سياسية

ولتبع مراحل نشأة المذهب الفردي أبين أولا الظروف الاقتصادية التي كانت وراء نشأته، ثم ظهوره كمذهب سیاسي إثر قيام الثورة الفرنسية واعتناقها له

 المطلب الأول: نشأة المذهب الفردي و صبغتة الاقتصادية

كانت نشأة المذهب الفردي على يد إحدى المدارس الاقتصادية في فرنسا في منتصف القرن الثامن عشر تعرف بمدرسة أو مذهب الطبيعيين (الفيزيوقراطيين) الداعين إلى إطلاق الحرية الكاملة في مختلف حقول التجارة والصناعة، وذلك كرد فعل ضد مساوئ السياسة الاقتصادية المتبعة في ذلك الحين تطبيقا لمذهب التجاريين ( الرأسمالية التجارية) الذي استمر ظهوره في القارة الأوروبية منذ بداية القرن السادس عشر، وظل سائدا من الناحية الفكرية ومن ناحية توجيهه للسياسة الاقتصادية في أوروبا حتى منتصف القرن التامن عشر.

فقد تميزت السياسة الاقتصادية للرأسمالية التجارية، التي كان يسيطر عليها وعلى أداة الحكم – طائفة كبار التجار الرأسماليين، يتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، فكانت تعمل على منع تصدير المنتجات الزراعية حتى تبقى معروضة بكميات كبيرة داخل الدولة فينخفض منها، وبالتالي تظل أجور العمال منخفضة، كما كانت تعمل على فرض الحماية الجمركية حتى لا تستورد سلع مماثلة لما ينتجه التجار في الداخل، وبذلك يستطيعون بيع منتجات في الداخل بالأسعار التي يفرضونها

و کرد فعل ضد هذه السياسة الاقتصادية ظهر مذهب الطبيعيين ليطالب بعدم تدخل الدولة في ميدان الحياة الاقتصادية، أي نادوا بترك الأفراد أحرارا في نشاطهم الاقتصادي، وبأن تطبق تلك الحرية الاقتصادية داخل الدولة وكذلك في العلاقات الاقتصادية مع الدول الأجنبية، ولخصت سیاستهم هذه في عبارة تحولت فيما بعد إلى رمز للسياسة الاقتصادية الحرة وهي قولهم “دع الأفراد يعملون، ودع السلع تتنقل دون تدخل الدولة،” تلميحا لما كانت تخضع له النشاطات الاقتصادية في عهدهم من قيود وعراقيل

مما تقدم نرى أن المذهب الفردي هو في جوهره مذهب اقتصادي، ويبدو لنا أن هذا المذهب إنما وضع ليكون في خدمة مصالح الرأسمالية الصناعية التي ظهرت منذ منتصف القرن الثامن عشر.

فنظرا لما كان من قوة تلك الرأسمالية في فترة نشأتها، ولما حققته المخترعات الجديدة في ميدان الصناعة على إثر ما حدث من ثورة صناعية، أي تلك الحركة الضخمة من الاختراعات التي أدت إلى إحلال الألات مكان الأدوات التي كانت مستعملة من قبل في الصناعة، فقد ساد الاعتقاد بان هذه الرأسمالية الصناعية في غير حاجة إلى تدخل الدولة لحمايتها كما كان الأمر في ظل الرأسمالية التجارية يضاف إلى ذلك أن المنتجين من المزارعين تبينوا أن تدخل الدولة بما وضعته من قيود على بيع منتجاتهم قد أضر بمصالحهم، فأدى ذلك كله إلى قيام المذهب الفردي أو الحر الذي يرى أصحابه عدم تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي، بحيث لا تقوم الدولة إلا بما لا يقوى الأفراد على القيام به

المطلب الثاني: الثورة الفرنسية والمذهب الفردي

استخدمت الثورة الفرنسية التي قامت ضد الحكم الملكي المطلق في عام 1789ء للمذهب الفردي لتبرير اتجاهاتها السياسية، حيث أخذت بفلسفة هذا المذهب الذي لم يظل محصورا كما نشأ في الميدان الاقتصادي بل امتد كذلك إلى الميدان السياسي اثر تبني رجال الثورة الفرنسية لمنظومة القيم السياسية الجديدة التي ظهرت بفعل الحركات الفكرية في غرب أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فأحدث بذلك للمذهب الفردي تغييرا هز کل منظومة القيم القديمة على نحو جذري،

وقد أعلنت الثورة الفرنسية المذهب الفردي لأول مرة في وثيقة إعلان حقوق الإنسان وللمواطن التي صدرت عن الجمعية التأسيسية في 26 أوت 1789 بسبع عشر مادة، تحسنت فيها الأفكار الفلسفية التحررية، وضم هذا الإعلان فئتين من الأحكام:

الأولى: خاصة بالحقوق الأساسية التي يتمتع بها الإنسان، كالمساواة، والحرية والملكية، و السلامة ومقاومة الطغيان.

الثانية: خاصة بممارسة الحكم والمبادئ التي يقوم عليها وهي سيادة الأمة، ومبدأ الفصل بين السلطات.

وكان حرص رجال الثورة كبيرا على جعل هذا الإعلان جزءا أساسيا من الدستور، بغية إشراکه بقدسيته وديمومته، ولذلك ظهر الإعلان کاملا في مستهل الدستور الذي كان الأول لفرنسا الجديدة وهو الدستور الصادر في 3 سبتمبر 1791.

كما كان لهذا الإعلان صفة عالمية، حيث أكد الحقوق الطبيعية التي تتعلق بالإنسان بوصفه إنسانا فقط، واعترف رجال الثورة الفرنسية بوجود هذه الحقوق الأساسية لجميع البشر في جميع العصور ومن هنا جاءت الازدواجية في تسمية الإعلان، فهو إعلان حقوق الإنسان وحقوق المواطن.

فحقوق الإنسان كما يرونها سابقة على نشأة المجتمع، وفي الحريات التي تسمح لكل فرد أن يعيش حياته الخاصة بالشكل الذي يراه مناسبا دون أن يكون للدولة حق التدخل فيها.

أما حقوق المواطن فهي النتيجة الطبيعية لحقوق الإنسان ولا يمكن تصور وجودها إلا بعد قيام المجتمعات السياسية

المبحث الثاني : الأسس التي يقوم عليها المذهب الفردي

تستند فلسفة المذهب الفردي إلى أسس عديدة يمكن تلخيصها فيما يلي:

– يقوم المذهب الفردي من الناحية الفلسفية على أساس أن الفرد هو الحقيقة الأولى السابقة على وجود الدولة، وكل فرد يتمتع بحقوق طبيعية لصيقة بطبيعته الإنسانية تولد معه وتلتصق به قبل أن تنشأ الدولة والجماعة المنظمة. ومن تم، تسمح لكل فرد أن يعيش حياته الخاصة بالشكل الذي يراه مناسبا دون أن يكون للدولة حق التدخل فيها.

– و يستند المذهب الفرد من الناحية الاقتصادية إلى كون النظام الاقتصادي الحر يؤدي إلى كثرة الإنتاج وتحسينه نتيجة المنافسة التي تحدث بين الأفراد من جهة، ولأنه يحفز الأفراد على الابتكار و بذل الجهد تحقيقا لمصالحهم الشخصية من جهة أخرى، وهذه المزايا لا تتحقق إلا بترك الحرية الكاملة للنشاط الفردي ومنع الدولة من التدخل في مجالاته.

– وأخيرا تستند فلسفة المذهب الفردي من الناحية السياسية على تقييد الدولة وتحييد سلطتها لمنع اعتدائها على الحقوق والحريات، فبعد ما سبق أن عاناه الأفراد من استبداد الملوك وطغيانهم انصرف اهتمام دعاة المذهب الفردي إلى تقوية الإرادة الشعبية في مواجهة إرادة الدولة

المطلب الأول: الأساس الفلسفي

نقطة البداية في المذهب الفردي هي أن الفرد هو اللبنة الأولى وهو الأساس في المجتمعات، ولكل فرد حقوق طبيعية غير مكتسبة من المجتمع يتمتع بها منذ عهد الفطرة الأولى باعتبارها امتیازات طبيعية لصيقة بكل فرد من الأفراد تولد معه، وقد توصل العقل إلى معرفتها، ويقوم باستنباط التشريعات الكفيلة بصيانتها وفق قواعد القانون الطبيعي

وتستمد فلسفة المذهب الفردي مضمونها هذا من تعاليم وأفكار بعض الاتجاهات أو المدارس الفكرية، حيث كان لكل من مدرسة القانون الطبيعي و نظريات العقد الاجتماعي أثر مباشر في تحديد معالمه.

فمن الأفكار التي ارتكزت عليها فلسفة المذهب الفردي ورددتها إعلانات الحقوق في القرن الثامن عشر أنه يوجد قانون طبيعي ذو عالمية شاملة نافذة على الناس جميعا باعتبارهم أفرادا متمتعين بالضمير والتمييز، ولما كان القانون الطبيعي ذا صفة شاملة، فهو يفلت من الاختلافات الذاتية للفكر الإنسان، ويتصف بالتبات والأزلية بحيث أن قواعدة التي كانت تحكم الناس في أقدم العصور قد مضت تحكمهم حتى في العصر الحديث، بل وستحكمهم في المستقبل أيضا، فهي غير قابلة للتغير وثابتة ثبات الطبيعة الإنسائية ذاتها، فطالما كان الإنسان إنسانا فإن القانون الطبيعي يبقى ثابتا لا يتغير، وهذا القانون الطبيعي هو الأساس المشترك للحلول التي تتطلبها مشکلات القانون الأساسية

وبذلك أسهمت فكرة القانون الطبيعي في إثراء مضمون المذب الفردي، وهي الفكرة التي اقترنت بمدرسة القانون الطبيعي التي كانت بحق مصدر هاما من مصادره، فقد دارت أفكارها حول الفرد واعتبرته حجر الزاوية في الوجود وأن الطبيعة قد حيته بنظام أبيدي لصيق بأدميته، ومن ثم فإن أي تنظيم شامل للحياة يكون ملزما ياستهداء قواعد القانون الطبيعي الذي وصفته بأنه ” قانون يقوم على تقرير حقوق وحريات طبيعية للإنسان سابقة على وجود الدولة والقانون الوضعي، وأن عدالة هذا الأخير تقاس بمدى اقترابه من دائرة القانون الطبيعي وعدم تعارضه مع الحقوق الطبيعية الممنوحة بتوجيه للأفراد »

المطلب الثاني: الأساس الاقتصادي

يعتبر الأساس الاقتصادي استمرارا وتطبيقا لفكرة الحرية الطبيعية في المجال الاقتصادي، ويجد هذا الأساس مصدره في مدرسة الاقتصاد الحر أو مذهب الطبيعيين التي قامت في منتصف القرن الثامن عشر مستقية فلسفتها الاقتصادية من قواعد القانون الطبيعي.

وقد انتصب على رأس تلك المدرسة بعض منظري الفكر الاقتصادي الأورني من أمثال فرنسوا کسناي، وآدم سميث، وينتام وكانت نقطة البدء في فكر هذه المدرسة في البحث عن الوسيلة التي تحقق أكبر شبع للأفراد، فبحلوا ما يعرف بالمنفعة و عرفوها بأنها: ” ذلك القدر من السعادة مطروحا منه المعاناة ” وخلصوا من هذا التعريف بعد تحليله إلى أن السعادة هي في الاقتصاد الحر الخالي من تدخل الدولة، وأن المعاناة والشقاء يكمنان في تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي

وأسس منظرو تلك المدرسة مذهبهم على مبادئ القانون الطبيعي، فقالوا بوجود قواعد طبيعية تحكم الظواهر الاقتصادية، وأن النظام الاقتصادي الأمثل هو ذلك النظام الذي يدور في فلك التعاليم الاقتصادية للقانون الطبيعي، وقد اجتهدوا في فهم قواعد هذا القانون التي تحكم الجانب الاقتصادي فوجدوها تجسد في مبدأين

المبدأ الأول: حيوية النشاط الاقتصادي

والمقصود بهذا المبدأ أن المصلحة الشخصية للفرد في الحافز الجوهري للنشاط الاقتصادي ومضاعفة الجهد، ويذهب هذا التصور إلى أن الفرد أصلح من يقدر مصلحته، إذ من غير المعقول أن الفرد يسعی مختارا إلى ضرره أو إلى ما يعتقد أنه ضار به، فالفرد كقاعدة عامة أحسن من يقدر أين توجد مصالحه، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق أكبر قدر من المنافع الشخصية والمنافع العامة في نفس الوقت، بمعنى أن الأفراد وهم يسعون إلى تحقيق مصالحهم الخاصة يحققون في نفس الوقت الصلحة العامة، وهي الفكرة التي بلورها آدم سميث يقوله: “إن من يعمل للمصلحة الشخصية يعمل في نفس الوقت لمصلحة المجتمع”

المبدأ الثاني : ضمان توازن النشاط الاقتصادي

ومعنى هذا المبدأ كما فسرته مدرسة الاقتصاد الحر أن الفرد وهو يسعى إلى تحقيق منافعه الشخصية لا بد وأن يدخل في منافسة مع غيره من الأفراد، وأن هذه المنافسة سوف تؤدي إلى كبح جماح الانطلاقة الفردية. ومن هنا فإن القانون الطبيعي سوف يحقق التوازن التلقائي بين المصلحة الخاصة للفرد، وبين المصلحة العامة لجموع الأفراد، وذلك دون تدخل من السلطة.

على هذا الأساس بنيت الليبرالية الاقتصادية التي تبناها المذهب الفردي والتي لخصها شعار ” دعه يعمل دعه يمر”، حيث ارتكزت على حرية الإنتاج التي تعني حرية المشروع الخاص، وعلى حرية التجارة التي تعني حرية المبادلات، والاثنان يرتكزان على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج التي تعتبر القاعدة الأساسية الليبرالية الاقتصادية

المطلب الثالث: الأساس السياسي

كان الهدف من فلسفة المذهب الفردية التي كانت تعير في ذلك العصر – القرن18۔ من طموحات الطبقة البورجوازية الواقعة تحت قمع الدولة وقوانينها من الناحية السياسية أن تمتنع الحقوق والحريات على تقييد الدولة لها بعد ما سبق أن عاناه الأفراد من الاستبداد والتعسف، سپاسیا واقتصاديا واجتماعيا، خاصة خلال العهد الإقطاعي وهيمنة المسيحية والملكية المطلقة.

لذلك ترکز نضال الليبراليين على ضرورة إلغاء القيود القانونية التي تكبل الطموحات السياسية للطبقة البرجوازية، وتحد من دورها الاجتماعي، تحت شعار الحرية والمساواة وإعطاء الضمانات القانونية للحقوق والحريات العامة

والحرية والمساواة، الذين نصت عليهما المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن يقولها: “يولد الأفراد ويعيشون أحرارا ومتساوين في الحقوق… كأساس للمذهب الفردي لیست مفاهيم مجردة وفلسفية فقط، بل إنها ذات مضامین سياسية واجتماعية نورية بالنسبة للقيم الاجتماعية الموروثة السائدة في أوروبا حتى سنة 1789

فالمساواة تعني ضرورة إزالة كافة الامتيازات التي تميز بين أفراد المجتمع، وهذا يعني رفض للأرستقراطية والملكية الوراثية، مما يشكل رفضا جذريا الأسس النظام الملكي القادم، كما أنها تعني حق الشعب في عدم الخضوع إلى أية سلطة لا تستند إلى الرضا والموافقة الشعبية اللذان يعبر عنهما بالانتخاب و النظام التمثيلي، وهذا يعني على صعيد المؤسسات السياسية إحلال الشرعية الديمقراملية المرتكزة على مبدأ الانتخاب مكان الشرعية الوراثية التي تستند على الولادة

والحرية تعني الحق بأن يفعل الإنسان كل ما تبيحه القوانين، ويجري التمييز في مجال الحرية بين الحريات المدنية التي تنظم النشاط الخاص الإنسان، وبين الحريات السياسية التي تخول الفرد الاشتراك في إدارة شؤون الحكم.

وتتميز كل من الحرية والمساواة في الأيديولوجية الليبرالية بخاصتين أساسيتين هما: الطابع القانوني، وعدم تدخل الدولة .

المبحث الثالث :  وظيفة الدولة في المذهب الفردي

 ينظر المذهب الفردي إلى السلطة السياسية على أنها خطيرة بطبيعتها، لأنها تدفع من يمارسها إلى إساءة استعمالها وإلى قمع المواطنين، لذلك يجب إضعافها واحتوائها واخد من صلاحياتها كي لا يقمع المواطنون.

لذا يجب في نظر الليبراليين التقليدين إرساء دولة ضعيفة تهدف أساسا إلى حماية مكونات المجتمع من بعضها البعض، وهذا ما يظهره الفكر الدستورية الليبرالي بجلاء باعتباره منظومة من التقسيمات والانفصالات أو بالأحرى منظومة من الفرامل الفعالة للتحكم في العمل الحكومي.

ففي رأي أحد الكتاب ” تسير الدولة الليبرالية على قاعدة انفصال مزدوج، فهناك أولا فصل بين المجتمع المدني والدولة الذي نستطيع أن تسمية انفصال خارجي، وهناك تانيا الفصل بين السلطات داخل الدولة أو الانفصال الداخلي”.

“وفيما يعني الانفصال الخارجي استقلالية الدولة تجاه الصالح العامة والطبقات والحياة الاقتصادية، يصيب الانفصال الداخلي كل الأجهزة السلطوية التي أنشأتها الدولة”

ويهدف الفصل الخارجي إلى “زرع الصفة الوراثية التي حملتها السلطة السياسية طوال العهود الإقطاعية، حيث ساهم كل من نظام القرابة والتضامن الإقليمي (أو غيره) بتحويل السلطة إلى جزء من ميراث أو أملاك بعض الأفراد، ومنذ نشأة الدولة الليبرالية أصبحت السلطة ملكا للجميع»

أي أن هذا الانفصال يهدف إلى إبراز الدولة كطرف حيادي في خدمة الجميع، وأن السلطة هي سلطة كل المواطنين

أما الفصل الداخلي فيشكل الأساس الأول و الرئيسي لأسلوب تنظيم السلطة في الدولة الليبرالية ويقضي بتوزيع وظائف الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية بين عدة هيئات تتمتع بكيان خاص يمكن كلا منها القيام بوظيفتيها على حدة، يلون أن تستطيع الأخرى الضغط عليها، وذلك بغية إيجاد توازن بين هذه السلطات، إذ في هذا التوازن تكمن الضمانة الكبرى ضد تمركز قوى السلطان وطغيانه

فقد أدت التجربة التاريخية وخاصة الاستبداد الذي عرفته أوروبا إلى استخلاص أنه من الضروري تقييد السلطة ومراقبة ممارستها، ذلك أن من يملك السلطة يميل إلى التعسف أو إساءة استعمالها، ويقول مونتسكيو بهذا الصدد: ” أثبتت التجربة الأبدية أن كل إنسان يملك السلطة يميل إلى التعسف في استعمالها وهو يذهب في ذلك بعيدا حتى يجد حدودا، وحتى لا يساء استعمال السلطة يجب، من خلال تنظيم معين للأمور، أن توقف السلطة بالسلطة »

ويعلق میشال مياي على ذلك بقوله أن الحرية السياسية قد تولدت من هذه المقولة بالذات، أي من فكرة مواجهة السلطة بالسلطة ذاتها مما يستدعي توزيع السلطة السياسية بين أجهزة مختلفة حيث لا تحتكر سلطة واحدة مختلف الوظائف، وقد عبرت المادة 16 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن عن هذه العلاقة بقولها: “كل مجتمع لا توضع فيه ضمانات الحقوق ولا يتم فيه الفصل بين السلطات يعتبر مجتمع بدون دستور”

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!