المذهب الاشتراكي

المذهب الاشتراكي نشأته و الأسس التي يقوم عليها

المبحث الأول : نشأت المذهب الاشتراكية

  المذهب الاشتراكي له أصول فكرية حقيقية لم تتبلور بصورة دقيقة واضحة إلا في القرن التاسع عشر على يد الرواد الأوائل للاشتراكية، وظهور الملعب الماركسي الذي يسمى بالاشتراكية العلمية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وتبع ذلك بروز النظم الاشتراكية التي ظهرت في القرن العشرين لتطبيق الفلسفة الماركسية ابتداء من الثورة الروسية البلشفية سنة 1917 وما تلاها من تطبيقات في الدول المستقلة حديثا, وبناء على ذلك، سأتعرض أولا إلى نشوء الفكر الاشتراكي، ثم لنشأة المذهب الماركسي.

المطلب الأول: نشوء المذهب الاشتراكي

سبق القول بأن المذهب الاشتراكي يمثل رد فعل مضاد للنزعة الفردية التي اتسم بها المذهب الفردي إبان ازدهاره في القرن التاسع عشر، فأول ما يجب إدراكه، إذن في هذا المقام، هو أن المظالم التي أفرزها كانت هي التربة التي نبت فيها المذهب الاشتراكي.

ففي تلك الظروف ظهر دعاة الاشتراكية الذين هاجموا المذهب الفردي بقوة واندفاع، وابرزوا ما تولد عن تطبيق مبادئه من مساوئ، ونادوا بالمبادئ الاشتراكية الإصلاح هذه المساوئ، بل وحاولوا تطبيق هذه المبادئ عمليا

وكان أول هؤلاء الدعاة هو الفرنسي باباف الذي حاول القيام بانقلاب على حكومة الإدارة التي تألفت بعد عدة سنوات من اندلاع الثورة الفرنسية، وتتلخص أفكاره التي أعلنها في “بیان الأكفاء” في عدم كفاية المساواة القانونية التي أعلنتها الثورة الفرنسية، ووجوب مصادرة الممتلكات الخاصة، وأن يلزم الجميع بالعمل الإجباري

وبرز أسم فرنسي آخر في ساحة الدعوة إلى الاشتراكية وهو سان سيمون الذي يعد رائد الاشتراكية الإنتاجية، والذي هاجم الملكية الفردية واستغلال العمال، ونادي بقيام دولة الإنتاج التي من واجبها إعادة تنظيم المجتمع على أساس علمي وعلى قوانين علمية بدلا من الأفكار المجردة التي نشرها الفلاسفة الطبيعيون، وأن تعمل الدولة على حل المشاكل الاجتماعية بالتوفيق بين المصالح المتعارضة، والأخذ بيد الطبقات الفقيرة وتنميتها عقليا وأخلاقيا وجسميا

ونجد أيضا المفكر الفرنسي شارل فوري  يعلن أن المشاركة وحدها هي التي ستؤدي إلى الحرية والإخاء والمساواة، وهذه المشاركة تقوم على كفالة حق العمل للجميع باعتباره أساس حقوق الإنسان، وأفضل وسيلة للمشاركة من وجهة نظره في خلق جماعات صغيرة ينبثق من خلالها نظام تحت رئاسة حاکم تكون مهمته الأساسية التنسيق بين تلك الجماعات.

أما الفيلسوف الانجليزي روبرت أوين فيذهب إلى أن بؤس الإنسان ومعاناته الحياتية إنما مصادرها نظام الحكم والظروف الاجتماعية التي تحيط به، وإذا ما أريد تحسين وضع الإنسان فمن الواجب إعادة بناء البيئة الاجتماعية وفقا لخطة مستمدة من الطبيعة و تتفق مع العقل والحكمة، تقوم الدولة على تطبيقها باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على تدعيم حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بما تملكه من هيمنة على الظروف الخارجية ومن قدرة على توجيه النظام الاجتماعي، وبعبارة أخرى فإن الدولة من وجهة نظره لا يجب أن تقف وظيفتها عند حد الدولة الحارسة، بل عليها أن تحول تلك الوظيفة من الفردية السلبية إلى التدخل الإيجابي لتحسين أوضاع المواطنين المادية والمعنوية، حتى ينعم بالحريات أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع

المطلب الثاني: نشأة المذهب الاشتراكي الماركسي

استقر مطاف الأفكار الاشتراكية السابقة عناد کارل مارکس، غير أنها أخذت عنده طابعا مختلفا، حيث بدأ يربط بين النظم الاجتماعية والسياسية القائمة في فترة زمنية معينة وبين أسلوب الإنتاج في الفترة ذاتها، وانتهى إلى نتيجة مؤداها أن فساد النظام الاجتماعي والسياسي في زمن معين لا يمكن علاجه بالأفكار المثالية أو بالبحث النظري المجرد، كما ذهب إلى ذلك من سبقه من أصحاب الأفكار الاشتراكية، وإنما بتحليل هذه النظم والوقوف على تطور مقوماتها الاقتصادية، واتجه لوضع فلسفة شاملة تفسر أحداث العالم تفسيرا عاما بحيث يمكن فهم التطورات التي يجب أن تحدث وبشكل حتمي في كامل مجالات الحياة.

و بدأ كارل مارکس ينشر مذهبه الذي سماه بالاشتراكية العلمية تمييزا له عن الاشتراكيات السابقة، وهي عنده اشتراکیات أحلام لا تقوم على غير الأمل والخیال

وخلاصة ما ذهبت إليه الفلسفة الماركسية، أن النظام الاقتصادي هو العامل الموجه لكل نظام سياسي و اجتماعي، فهو حجر الزاوية الذي تقوم عليه هذه النظم وبالتالي عليه يتوقف تقرير الحريات العامة، كما أن شكل الدولة وتكوين هيئاتها, إنما يجيء تبعا للنظام الاقتصادي السائد فيها، فالمجموعة التي تسيطر على أدوات الإنتاج تكون في نفس الوقت موجهة لأجهزة الحكم وللنظام السياسي الذي يحقق لها ضمان استمرار وجودها، ويدافع عن هذا الوجود، وفي ذلك يقول مارکس : ” إن ابحاثي قد أدت بي إلى الاعتقاد بأن العلاقات القانونية وأشكال الدولة نفسها لا يمكن أن تفسر نفسها، ولا يمكن أن يفسرها التطور المزعوم للنفس البشرية، فهذه العلاقات، وتلك الأشكال إنما تأخذ جذورها من ظروف الوجود المادي وحدها، فذاتية المجتمع يجب أن يبحث عنها في الاقتصاد السياسي»

فالمذهب الماركسي يرى أن السلطة التي تناهض الحرية في السلطة الاجتماعية التي تفرضها طبقات معينة (هي تلك التي تملك وسائل الإنتاج) على باقي الطبقات، وهذه السلطة الفعالة في سلطة اقتصادية، إذ ليست السلطة السياسية إلا ظلا للسلطة الاقتصادية.

ولذلك لا بد من إنهاء السيطرة الاجتماعية حتى يمكن تحقيق الحرية الحقيقية، ولا يتم ذلك إلا بتحطيم نظام الطبقات تبعا لإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وبذلك يصل الأمر إلى الشيوعية الكاملة حيث تختفي الدولة التي تتمثل فيها سلطة القهر، والتي يحتاج إليها النظام الفردي لحماية الطبقة الحاكمة من سائر الطبقات الأخرى

وحينئذ تزول الدولة ولا يكون هناك قانون ولا سيطرة ولا سلطة، بل تحل إدارة الأشياء محل السلالة السياسية، وبذلك لا يكون هناك مبرر لتقرير حريات للأفراد حيث لا توجد سلطة تعتدي لصالح طبقة معينة.

وفي سبيل تحقيق ذلك لا بد أن تقوم مرحلة انتقالية يتم فيها تحطيم النظام الرأسمالي و تفويضه حتى يتم القضاء عليه نهائيا، وهذه المرحلة تكون السيادة فيها لدكتاتورية الطبقة العاملة، وفي ذلك يقول مارکس: ” إنه يوجد بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي فترة تحول ثوري من الأول إلى الثاني، ويقابل هذه الفترة فترة انتقال سیاسی لا تكون الدولة سوى الدكتاتورية الثورية لطبقة البروليتارية »

المبحث الثاني : أسس المذهب الاشتراكي

يقوم المذهب الاشتراكي على إنكار أغلب الأسس والوسائل السائدة في الديمقراطيات الغربية ويعتبرها غير مجدية في احترام الحرية وحمايتها، وهو لا يقتصر على مهاجمة هذه الأقلية والتنكر الأوضاعها من الناحية النظرية، والوقوف موقفا سلبيا تجاهها، بل يضع الأصول العامية لنظام سياسي ودستوري متكامل، يؤدي إلى تحقيق الحرية و كفالتها حسب ما يراه هذا المذهب، ليس من الناحية الشكلية والنظرية فحسب، بل من الناحية الواقعية كذلك

ويلاحظ في البداية أن هذه الأسس توجد أساسا في المذهب الماركسي، وهو الذي يسمى بالاشتراكية العلمية السابق تعريفها، وهذا المذهب هو الذي طبق في الدول المسماة بالديمقراطيات الشعبية مع بعض الاختلافات التطبيقية فيما بينها، ولكن يجمعها أنها تأسس في المبادئ الأساسية على هذا المذهب

المطلب الأول: الأساس الفلسفي

يعتبر المذهب الاشتراكي الدولة نموذجا لقمة الصراع القائم بين الأفراد، والتي بواسطة أجهزتها تستطيع الطبقة الحاكمة خديعة أعضاء المجتمع السياسي، بما تقدمه لهم من مبادئ وأفكار شكلية ، فتحرمهم من ثمار الديمقراطية الفعلية التي لن تتحقق إلا بتدخل مطلق للسلطة في كافة جوانب الحياة السياسية، والاقتصادية والاجتماعية

ومن هنا يطلق المذهب الاشتراكي العنان لسلطة الدولة للتدخل في تنظيم جميع جوانب المجتمع في نظام يعلو فيه المجتمع فوق الفرد، و بالتالي يجوز للدولة أن تقيد حقوق وحريات الأفراد كيفما تشاء، لأن هذه الحقوق والحريات لیست امتیازات ثابتة وإنما هي حقوق من خلق المجتمع، تتطور بتطوره وتخضع لتنظيماته

وواضح إذن أن فلسفة المذهب الاشتراكي فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحرياته تقوم على أساس أن الجماعة هي صاحبة الحق وهي التي تمنحه الفرد ليؤدي المهمة الاجتماعية الملقاة على عاتقه فمصلحتها هي الأساس، و الفرد مسخر لخدمة هذه المصلحة

فما يؤمن به دعاة الاشتراكية هو أن الحقوق والحريات بمجرد قدرات عارضة يجب السعي لتحقيقها واكتسابها، وهي تتطور مع الجماعة ومضمونها يتحقق وفقا للنظام الاجتماعي الذي تمثله السلطة في المجتمع، وأن الجماعة هي التي تقرر ما يتمتع به الأفراد من حقوق لأنها غاية الحياة السياسية، والفرد لا وجود له مستقل عنها، فلا بد أن تكون حقوقها أعلى من حقوقه بل وتسمو عليه.

والسعي لتحقيق تلك الحريات يفترض أن يكون في تلات مراحل هي:

– مرحلة دكتاتورية البرولیتاريا، أو مرحلة الصراع لإقامة النظام الاشتراكي، وهي مرحلة مؤقتة تنتهي بانتهاء طبقة البورجوازية، وفي هذه المرحلة لا يمكن التمسك بحقوق الإنسان للحد من إعاقة النشاط الثوري، لأن هذه الحقوق ليست في الواقع إلا امتیازات للطبقة التي يجب القضاء عليها

– مرحلة الدولة الاشتراكية، مجرد بناء النظام الاشتراكي يتحقق المجتمع الخالي من الطبقات ومن صراعها وعند ذلك تستطيع الدولة أن تعترف للمواطنين بحقوق فعلية وعامة، لأنهم يستطيعون عند ذلك التمتع بالوسائل التي تمكنهم من وضع هذه الحقوق موضع التطبيق وذلك بفضل التنظيم الاشتراكي للعمل و الإنتاج.

– مرحلة المجتمع الشيوعي، إن وجود الدولة الاشتراكية هو وجود مرحلي، لأن هدفها النهائي هو بناء مجتمع شيوعي، وعندها تزول الدولة وتزول أدوات القمع التي تضمنها وتتنظم بصورة تلقائية التصورات الفردية باتجاه المصلحة المشتركة مما يسمح بازدهار الحرية واختفاء كل أنواع الخضوع، وبذلك يمكن للجميع أن يعيشوا حقوق الإنسان بدون أن يكون من الضروري تنظيمها قانونيا

المطلب الثاني: الأساس الاقتصادي

ينكر دعاة الاشتراكية قدرة المذهب الفردي على توفير ضمان أي حق أو حرية، وذلك للدور السلبي للدولة في الحالات الخارجة عن نطاق وظيفة الدولة الحارسة، وإغفالها للعامل الاقتصادي وأثره على كافة التنظيمات القائمة، في أي مجتمع سیاسی

فتشكل الدولة، ووظيفتها، وتقرير الحقوق والحريات، وإعمال مبدأ الديمقراطية، إنما تأتي كنتيجة للنظام الاقتصادي السائد في فترة زمنية معينة، هذا النظام هو الذي يكيف صورة الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية

فلم يقف الماركسيين عند إرجاع الظواهر الفكرية والروحية إلى الظواهر المادية، بل ذهبوا إلى أعمق من ذلك وأبعد عندما أعزوا هذه الظواهر المادية إلى الاقتصاد، وفق الإنتاج القائم بين الأفراد، ومن ثم فالتطور التاريخي للبشرية، بصورة عامة، ليس بوليد لقوى فكرية أو روحية، بقدر ارتباطه بعملية الإنتاج، وأن أي تغيير أو تطور في هذه العملية، يؤدي بصورة حتمية ومؤكدة إلى تغيير في طبيعة ومستوى العلاقات القائمة بين الأفراد، ومن ضمنها العلاقات السياسية.

وطبقا لهذه النظرية والمادية التاريخية يرى الماركسيون أن وسائل الإنتاج تكيف صورة الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بوجه عام ومن الأمور البديهية أن للدور العلوي رد فعل أو تأثير من الدور السفلي أو الأساس، حيث يقول مارکس: ” إن الروابط الاجتماعية وثيقة الصلة بالقوى الإنتاجية. فحين يحصل الأفراد على قوة إنتاجية جديدة يعبرون أسلوب إنتاجهم، وهم حين يغيرون أسلوب الإنتاج و كيفية كسب قوتهم، يغيرون أيضا رو ابطهم الاقتصادية، فطاحونة اليد تفرز المجتمع الإقطاعي، في حين تقيم الطاحونة البخارية مجتمع الرأسمالية الصناعية »

ولهذا فالمادية التاريخية تقوم إذا على أساس هو في الأصل في طبيعة اقتصادية قائم على أساس استغلال موارد الطبيعة اللازمة لإشباع حاجات الإنسان والذي يترتب عليه صرح أعلى يمثل السياسة والقانون والأخلاق والفكر. ولهذا كله يبدو لنا، طبقا للمادية التاريخية، أنه لكل مجتمع اقتصادي (الرق, الإقطاع, الرأسمالية ) أنظمته السياسية وقوانينه وفلسفته و مبادؤه والتي تفسرها نظرية التطور الاقتصادي هذه.

ويضيف المارکسیون, أنه في كل مرحلة من مراحل التاريخ يؤدي أسلوب الإنتاج إلى قيام طيقة مستغلة وطبقة غير مستغلة, و يتطور الإنتاج بتغير العلاقات بين الأفراد تبعا لذلك, وأن أي إخلال في التوازن بين البناء العلوي والبناء السفلي يؤدي إلى عدم تطابقهما، وبالتالي إلى الصراع بين هاتين الطبقتين, فالصراع إذن صراع اقتصادي نشأ عن استغلال إحدى هذه الطبقات الأخرى

المطلب الثالث: الأساس السياسي

يصف دعاة المذهب الاشتراكي الديمقراطية الغربية بالديمقراطية الطبقة أو بديمقراطية الأغنياء فقط وذلك على ضوء حتمية انتصارهم في كفاحهم مع الآراء والاتجاهات الأخرى بسبب التفوق الاقتصادي الذي تتمتع به هذه الطبقة، والذي يمكنها من الانتشار والسيطرة على مؤسسات الدولة واستخدامها لمصالحها للحفاظ على مكاسبها

فإذا كانت الديمقرطية التقليدية تعترف بالمعارضة والرأي الآخر، فإن هذا الاعتراف ما هو إلا دليل حي على الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي، الذي لا ينتهي إلا بانتصار الطبقة الكادحة وسيطرتها على كل وسائل الإنتاج لضمان إلغاء التفرقة بين الطبقة التي تملك، والتي لا تملك

ومن هنا إذا كانت الديمقراطية التقليدية تذهب إلى الاهتمام ببيان حق الفرد وحريته وتقرير المبادئ التي تضمن ذلك، كمبدأ الفصل بين السلطات، وتشكيل البرلمانات من مجلس أو مجلسين، وتطبيق مبدأ الشرعية وسيادة القانون، فإن الاشتراكية الماركسية لا تسلم بهذه المبادئ ولا تثق في صلاحيتها لتحقيق الغرض الذي وضعت من أجله، إن لم تعتبرها غير لازمة

فطبقا للفكر الاشتراكي الماركسي، فإن الحقوق والحريات لن تتحقق ولا يمكن كفالتها إلا عن طريق إقامة نظام اقتصادي و اجتماعي يضمن المساواة التي هي أساس الحرية الحقيقية، فالديمقراطية لا تتحقق بوجود حزب أو أحزاب، أو ممارسة المعارضة في البرلمان أو منعها، وإنما يأتي تحقيقها من خلال الشكل السياسي لنظام الحكم الذي يمثل البناء العلوي الذي ينعكس على علاقات الإنتاج السائدة في المجتمع.

و كما مارست البورجوازية دكتاتوريتها من خلال أنظمة الحكم القائمة على مبادئ المذهب الفردي، فلا بد للبروليتاريا أن تمارس دیکتاتوریتها في ظل سلطة اشتراكية أيضا، وهو ما يعرف بديكتاتورية البروليتاريا۔

فكان ذلك ماركس أول مفکر اشتراكي أضفى مضمونا شعبيا على مصطلح الدكتاتورية، حيث جعلها مرادفة للسلطة الشعبية للبروليتاريا التي تنقل القاعدة العريضة في مقابل دكتاتورية البورجوازية، ومن ثم إعطائها سلطة الدولة تسخرها لخدمة مصالحها، مثلما حازتها الطبقة البورجوازية وسخرتها لتحقيق أهدافها.

المبحث الثالث : وظيفة الدولة في المذهب الاشتراكي

 يبرز في الدولة الاشتراكية عنصران أساسيان هما: إعادة النظر في انفصال الدولة والمجتمع، وانفصال السلطات بينها

فمن ناحية أولى، تلغي الدولة الاشتراكية الانفصال الخارجي وما يتبعه – استقلالية الدولة تجاه المصالح العامة والطبقات والحياة الاقتصادية، إلغاء الديمقراطية التمثيلية وكل ما ينتج عنها من إعادة إنتاج النظام القيم والسلطات للمجتمع البرجوازي

ومن ناحية أخرى يتفكك المفهوم ” الطبيعي” ظاهريا لتقسيم المهام الذي يخفي الوحدة الحقيقية للسلطة والرامي إلى خدمة الدولة البرجوازية, فبناء على هذا ترفض الدولة الاشتراكية مبدأ الفصل بين السلطات وتأخذ بالمقابل بمبدأ وحدة السلطة.

بهذا الصدد، وبالرجوع إلى لينين وخاصة كتابة الدولة والتورة، حيث نظر إلى مستقبل الدولة الاشتراكية على ضوء تجربة كومونة باريس التي بينت كيف يمكن تحطيم الدولة البورجوازية بتحطيم هياكلها، تصور وحدة الدولة في ظل دكتاتورية البروليتاريا، کدمج للسلطات التقليدية الثلاث و كوسيلة أو أسلوب لتحطيم الدولة، ولذا فإن مبدأ وحدة السلطة يستدعي في هذه المرحلة القضاء على مختلف مظاهر الفصل وإلغاء الشكل الظاهري لتقسيم المهام، إلى درجة أنه يبدو كمجرد نقيض لمبدأ الفصل

لكن الكثير من الكتاب الليبراليين يرون أن النقيض الحقيقي لمبدأ الفصل بين السلطات هو مبدأ المركزية الديمقراطلية الذي لجأ إليه الفكر الاشتراكي للحفاظ على وحدة الدولة ووحدة النظام الاجتماعي والاقتصادي و بالتالي على وحدة السلطة في الهرم، إذ يشكل هذا المبدأ أساس البنية الهرمية للسلطة في الدولة و الحزب

فبالنظر إلى أن هذا المبدأ يستلزم خضوع الهيئة الدنيا للهيئة التي تعلوها، وبالتالي فإن سلطة الدولة تتركز أو تتوحد عمليا في الهيئات التمثيلية العليا

هذا لا يعني أن هذه المجالس العليا، تمارس كامل السلطة بنفسها، حيث يقوم القانون الدستوري الاشتراكي على تقسيم دقيق للوظائف، فرقت مبدأ الفصل بين السلطات لا يستبعد تحديدا للاختصاصات بين مختلف أجهزة الدولة، فالشعب يمارس سلطاته عن طريق نظام من التفويض المتتالي والمتدرج، إذ يراقب جهاز سلطة الدولة الأعلى الجهاز الأدنى منه الذي ينبثق عنه

إلا أن فكرة التوزيع الوظيفي للسلطة، التي يقول بها القانويون الاشتراكيون أيضا ذات مضمون يختلف تماما عن المضمون اللبرالي.

هنا يتم التمييز بين الوظائف على أساس اختلاف طبيعة كل نشاط عن غيره من الأنشطة الأخرى، بحيث تشكل الوظيفة عملية تتمثل في نشاط متجانس و موحد ودائم وضروري لبقاء أو استمرار مؤسسة أو جهاز ما، ويتميز باختلاف غايته عن غایات غيره من النشاطات الأخرى المتكاملة معه في المؤسسة أو الجهاز، فالوظيفة التشريعية غايتها إنتاج القانون والوظيفة التنفيذية تنفيذ هذا القانون، والوظيفة القضائية الفصل في المنازعات، وهكذا يتم في الفكر اللبرالي بصفة مبدئية إناطة كل وظيفة بجهاز خاص بھا

لكن في الفكر الاشتراكي ليس هناك توزيع للوظائف بهذا الشكل، حيث يمكن أن يمارس النشاط التشريعي أجهزة متعددة، أي أن الوظيفة التشريعية مقسمة بدرجات مختلفة على أجهزة مختلفة،

ولذا فإن الأقرب إلى الصواب القول أن هناك توزيع الاختصاصات أو المهام، بحيث أن اختصاص جهاز ما قد يشمل العمل التشريعي و العمل التنفيذي معا، وهذا ما يتفق مع القول أن الأجهزة التمثيلية العليا في البلدان الاشتراكية تحوز على كامل سلطة الدولة، وليست أجهزة تشريعية أو تنفيذية، بل تجمع كل مظاهر سلطة الدولة، وبناء على ذلك يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من الأجهزة الرئيسية في الدولة الاشتراكية وهي: الهيئات التمثيلية العليا التي كثيرا ما تسمى بالبرلمانات الاشتراكية، ومجالس رئاستها، والحكومات.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!