المذهب الاجتماعي

المذهب الاجتماعي نشأته و الأسس التي يقوم عليها

المبحث الأول : نشأة المذهب الاجتماعي

المذهب الاجتماعي لا يمثل مذهبا واحدا متميزا، أو اتجاها فكريا واحدا له قواعده المستقرة ومبادؤه الثابتة المتفق عليها، بل يعبر عن حالة اتجاهات فكرية ظهرت للحد من مساوئ المذهب الفردي، وأيضا وفي نفس الوقت للحد من مساوئ المذهب الاشتراكي

بناء على ذلك سأتولى توضيح ظروف نشأة المذهب الاجتماعي، إضافة إلى توضيح أهم مصادره الفكرية من خلال المطلبين الآتيين.

المطلب الأول: ظروف نشأة المذهب الاجتماعي

المذهب الاجتماعي، لا يعدو أن يكون مجرد مجموعة رؤى فكرية تدور في فلك الملامح العامة للمذهب الفردي، وقد قصد بتلك الرؤى الفكرية الحد من جموح النزعة الفردية للمبادئ التحررية التقليدية، والتخفيف من حدتها لصالح النظام الجماعي، أي أنه قصد من هذا المذهب إعلاء إرادة الجماعة على إرادة الفرد بغية إحداث التوازن الاجتماعي الذي أخل به تطرف النزعة الفردية واتقاء لمساوئ النزعة التورية التي تبناها المذهب الاشتراكي في صورته الشيوعية.

لذلك لا يعد المذهب الاجتماعي في نظر الكثيرين مذهبا قائما بذاته، وإنما يمثل مجموعة من المذاهب أو الاتجاهات الفكرية التي قامت للتخلص من تطرف المذهبين السابقين، ومن بين هذه الاتجاهات الفكرية : مذهب التضامن، ومذهب التدخل، والمذهب التاريخي الألماني

وقد رأى دعاة هذه المذاهب أن الوقت المعاصر يتعذر فيه أن تقف الدولة موقفا سلبيا، كما رأوا أن الكثير من الدول قد أحجمت عن اعتناق المذهب الاشتراكي، وبالذات الاشتراكية الماركسية فرأوا بناء على ذلك وجوب الأخذ بمذهب وسط يسمح من ناحية للدولة بالتدخل والمشاركة في الكثير من الأنشطة التي كانت تعد حكرا على الأفراد، كما تتولى الدولة من جهة أخرى إدارة المشاريع ذات الأهمية، وذلك حتى يتم إشباع الحاجات العامة الجوهرية لجميع المواطنين

على هذا الأساس نشأ المذهب الأجتماعي كمذهب وسط بين المذهب الفردي والمذهب الاشتراكي، إذ لا يذهب إلى ما ذهب إليه المذهب الفردي من إطلاق الحرية لنشاط الأفراد دون قيود، مع تحديد نشاط الدولة في مجالات محددة لا تتخطاها، كما أنه لا يوافق المذهب الاشتراكي في إعطاء الدولة حق التدخل في كافة المجالات التي كان المذهب الفردي يحظر عليها ارتيادها

وإنما يسمح للدولة بالتدخل بقدر معين لتحقيق مصلحة الجماعة وتحقيق أهدافها، مع ترك الأفراد يتمتعون بحقوقهم الفردية دون إلغائها، باعتبارها منح تحددها القانون، ويعادلها، ويبين مضمونها وشروط ممارستها، وليس باعتبارها حقوقا طبيعية مقدسة لا يجوز المساس بھا۔

المطلب الثاني: المصادر الفكرية للمذهب الاجتماعي

يمثل المذهب الاجتماعي بمجموعة من الأفكار الإصلاحية التي ترمي إلى الحد من سلطات الإرادة الفردية لصالح السلطان الجماعي، وهذه الأفكار لا تنسب إلى مفكر معين، بل تنسب إلى العديد من المفكرين

 ومع هذا التعميم فقد كان لكل من أوجست كونت  وليون دوجي فضل كبير في إيضاح وإبراز أهم معالم هذا المذهب، فكانت أفكارهما خير موجه للاتجاه الاجتماعي في الفكر السياسي والاقتصادي والقانوني

فبالنسبة لأوجست كونت، الذي لاحظ عدم قدرة المذهب الفردي على اشباع حاجات الأفراد المادية والمعنوية، لم يكن كافيا للقول بأن هناك حقوقا للأفراد سابقة على الجماعة لتقيد من سلطاتها عليهم، بل يجب الاعتراف للفرد بصفته الاجتماعية والتي لا يمكن سلخها عنه لأنه مدني بالطبع.

لذالك نادي أوجست كونت بالتقدم الاجتماعي الذي لا يمكن تصوره دون تنمية الشعور الاجتماعي والجماعي، لا الشعور الفردي الأناني، لذلك كان كونت من أعداء الحرية الاقتصادية و كان باستمرار ينادي يتدخل الدولة لتنظيم الاقتصاد وتوجيهه، وبالتالي فالملكية عنده وظيفة اجتماعية أكثر منها حق معلق.

وقد التقت أفكار أوجست كونت مع أفكار الفقيه الفرنسي دوجي والذي عبر عنها بنظرية التضامن الاجتماعي ، والتي وإن كانت تعترف بالفرد ككيان مستقل، إلا أنھا لا تقيم وزنا للحقوق الطبيعية، فالحقوق عند دوجي إنما تتحدد فقط من خلال التضامن الاجتماعي والتي تتغير تبعا لضرورات الحياة المشتركة، وبالتالي تستطيع الدولة أن تقرر الحقوق وتقيدها حسب ما يحتاجه التضامن الاجتماعي، بل أن الدولة ملزمة بعمل كل ما فيه تنمية المجتمع وتقدمه

وعليه تتلخص نظريته في أن الفرد يشعر بالرغبة في الحياة المشتركة والتضامن مع باقي الأفراد لإشباع حاجاته الخاصة، عن طريق تبادل الخادمات والمنافع، رغم أنه يتمتع بذاتية ومیول خاصة.

المبحث الثاني : أسس المذهب الاجتماعي

 إذا كان المذهب الاجتماعي لا يمتل فكرا جديدا مستقلا أصوله وأسسه، فإنه مع ذلك يمكن تحديد أهم المبررات التي كانت بمثابة الأسس التي استناد إليها دعاة المذهب في تصورهم لوظيفة الدولة وللحقوق والحريات،

المطلب الأول: الأساس الفلسفي

فحوى المذهب الاجتماعي في هذا الإطار، كما صاغه الفقيه أوجست كونت وليون دوجي، هو أن ما انتهت إليه التعاليم التحررية من القول بأن للإنسان حقوقا طبيعية سابقة في وجودها على وجود الجماعة، وأن هذه الأخيرة ما وجدت إلا من أجل حراستها، هو قول غير سليم، بل الصحيح أن تلك الحقوق ذات وظيفة اجتماعية، ومن ثم فلا يمكن ممارستها إلا في إطار جماعي، وطالما أنها بهذا الوصف، فيكون من حق الجماعة أن تنظمها، وتحفها بالقيود التي تراها مناسبة لحفظ توازن حركة الحياة الاجتماعية.

و استند دعاة المذهب الاجتماعي في ذلك إلى أن الفرد يشعر بالرغبة في الحياة المشتركة والتضامن مع باقي الأفراد لإشباع حاجاته الخاصة عن طريق تبادل الخدمات والمناقع رغم أنه يتمتع بذاتية و میول خاصة، وهذا التضامن الاجتماعي هو الذي يحدد نشاط الأفراد وحقوقهم، وأن عليهم أن يتعاونوا لتطويره وتدعيمه فيما بينهم

ولهذا فالحياة الاجتماعية تفرض على الفرد التزاما مزدوجا، فهو يلتزم من ناحية التزاما سلبيا بأن يمتنع عن إتيان ما من شأنه أن يعوق سائر أعضاء الجماعة عن إشباع مطالبهم المادية والمعنوية، ويلتزم من ناحية أخرى التزاما إيجابيا بأن يعمل كل ما في وسعه لتحقيق التضامن الاجتماعي وذلك بحسب تأهيله الشخصي ومركزه الخاص في الهيئة الاجتماعية

فحرية الفرد إذن في تصور المذهب الاجتماعي هي الالتزام بأداء الواجب حين أنه لا وجود للفرد إلا بوجود الجماعة التي تستمد حياتها من أداء الأفراد المضطرد لواجباتهم.

وهذا المدلول التضامني الحرية إذا كان يعترف للدولة بسلطات في التدخل لتنظيم الأفراد، فهو من ناحية أخرى يفرض على الدولة التزامات إيجابية، ومن تم تبرر النظرية التضامنية ضرورة ما يسمى بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للأفراد، باعتبار أن روابط التضامن الاجتماعي بين الأفراد توجب هذه الحقوق، وتسمح بقيامها جنبا إلى جنب مع الحريات الفردية، وبالتالي يوسع المذهب الاجتماعي من دائرة حقوق الأفراد قبل الدولة

 المطلب الثاني: الأساس الأقتصادي

يقوم المذهب الاجتماعي، من الناحية الاقتصادية، على أساس التوازن بين الفرد والمجتمع، حيث تعتبر الأيديولوجية هنا توفيقية، فهي محاولة للتوفيق بين الليبرالية والاجتماعية، بين الحرية و كفاءة النظام الاقتصادي، بين ضرورة مراعاة الاعتبارات الاجتماعية والاستفادة من كفاءات الفرد وقدراته و تمایزها و تغایرها، بين ضرورات التكافل الاجتماعي و الرشادة في المنافسة، بين مواجهة الاحتكارات و تصحیح آثار السوق الضارة، فهي محاولة تهدف إلى تحقيق التوازن بين الفرد والمجتمع دون التضحية بحقوق الفرد من جهة وحفظ حقوق المجتمع من ناحية أخرى

وتبعا لذلك، يجب في نظر أنصار المذهب الاجتماعي، أن يتعايش في هذا الاقتصاد المختلط قطاع خاص، خضع للقواعد التقليدية من حيث الملكية الخاصة كوسيلة وكأساس للعلاقات الاجتماعية و میکانیزم السوق كأسلوب الأداء وعمل الاقتصاد، مع قطاع عام بلمعنى الواسع والذي يشمل الحكومة والمشاريع العامة، وهذا الأخير يخضع لقواعد الاقتصاد العام من حيث العائد الاجتماعي كهدف والملكية العامة كوسيلة والتخطيط كأسلوب الأداء وعمل الاقتصاد والعلاقات بين القطاعين تتبع نوعية خاصة من التنظيم تجمع بين اقتصاد المشاركة حيث تتعاون الدولة والمشاريع الخاصة في العملية الإنتاجية، واقتصاد التوجيه حيث تحاول الدولة أن تؤثر يوسائل عدة في قرارات الاستثمار الخاص لكي تجعلها تتوافق مع الأهداف القومية

إن الأصل في هذا النظام هو أن الدولة لا تقوم بنفسها بالإنتاج، فهذه مهمة الأفراد والمشاريع الخاصة، وفي المجالات الاستثنائية التي تقوم فيها الدولة بالإنتاج مباشرة، فإنه ينبغي أن يكون ذلك بالقدر الذي يعجز فيه النشاط الفردي عن إشباع الحاجات العامة، وبالمقابل فإن الدولة عليها أن تضع الشروط والقواعد التي تسمح للسوق بأداء دورها على الوجه الأكمل وأن تزيل أمامها العقبات أو الامتيازات التي تكفل للبعض دون البعض الآخر الاستفادة منها

ولذلك فإن تخلي الدولة عن الدور الإنتاجي إنما هو استعادة لدورها الرئيسي والذي لا بديل عنه باعتبارها صاحبة سلطة تفرض بالسياسات والردع والخدمات العامة ما لا يمكن أن يوفره غيرها، كما أنه يعني إعادة الدور السوق في الاقتصاد تحت رعاية وإشراف الدولة.

 المطلب الثالث: الأساس السياسي

وصل اقتناع دعاة المذهب الاجتماعي، بعد أن رحلوا مساوئ الديمقراطية السياسية، إلى أن توفير أكبر قدر للأفراد من المشاركة في الحياة السياسية يسمح بضبط التوازن في حركة الحياة الاجتماعية، وأن تحول اقتصاد الدولة من اقتصاد حر متروك للمبادرات الفردية إلى اقتصاد موجه من قبل الدولة يمكن الأفراد من ممارسة الحرية السياسية ممارسة فعلية فتقوى على أداء مهمتها كوسيلة فعالة في حماية الحقوق والحريات الأخرى

لذلك رؤوا ضرورة تخلي الدولة عن السياسة الليبرالية السابقة، وإتباع سياسة تدخلية تؤدي إلى تطوير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سبيل التقريب بين الطبقات والتخفيف من التفاوتات إن لم يكن إزالتها، وفي الوقت نفسه تتبع الطرق الشرعية التي توفرها الديمقراطية السياسية من إنشاء أكثريات برلمانية منبثقة عن انتخابات عامة ودورية على أساس المساواة في حق الانتخاب و التعبير عن جميع الآراء، وتعدد الأحزاب والتنافس بين مرشحيها

وهكذا فإن القبول بمبدأ تدخل الدولة لتحسين أوضاع الطبقات العاملة لا يحول دون استمرار وتحدد الليبرالية الاقتصادية على أسس مدروسة تجعل منها ليبرالية منظمة وتحويل الديمقراطية السياسية (التقليدية) إلى ديمقراطية اجتماعية، أي ديمقراطية تتوفر فيها الضمانات الاجتماعية على اختلاف أنواعها لرفع مستوى الطبقات العاملة وتأمين حياة أفضل لها

وبذلك استطاع دعاة المذهب الأجتماعي أن يقفوا أمام الفلسفة الحديثة التي تجسدت بقالب الديمقراطية في الدولة الماركسية وأبوا اعتمادها، ليتمسكوا بالديمقراطية الموصوفة بالحرة أو السياسية بالرغم من إتباعهم سياسة اجتماعية غرضها الحد من التوتر بين الطبقات والإقرار للعمال حقوق وضمانات متزايدة .

المبحث الثالث : وظيفة الدولة في المذهب الاجتماعي

أحدث المذهب الاجتماعي أثرا ملحوظا في دول العالم المعاصر، إذ انتهجت معظمها سياسة التدخل في الكثير من الميادين الاقتصادية والاجتماعية. فقد أصبحت الدولة الحديثة تمارس وظائف متعددة اقتصادية واجتماعية بهدف ضمان النمو الاقتصادي والاجتماعي وزيادة الدخل القومي وتوجيه الاقتصاد الوطني وفق أسس علمية، ويهدف الحد من الفوارق الطبقية بين مختلف الفئات الاجتماعية

وقد أدى هذا التطور في وظيفة الدولة بتداخلها المتزايد في كافة النشاطات الإنسانية، إلى استفادة المؤسسة التنفيذية من هذا التحول وإحدات تأثير مباشر على تنظيم السلطة في الدولة ككل وفي انقلاب العلاقة التي كانت سائدة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية جذريا۔

لقد انتهى هذا التطور إلى أن الوظيفة التشريعية المتمثلة في وضع القواعد العامة لم تعد مقصورة على البرلمان، ومن ثم فإن الوظيفة الحكومية ليست وظيفة تنفيذية، مثلما أن الوظيفة البرلمانية ليست فقط وظيفة تشريعية.

إن مهمة الحكومة ليست فقط التنفيذ ولكن التخطيط والتوقع و الإدارة العامة والاستخلاص، أما وظيفة البرلمان فليست التشريع، وإنما النقد والرقابة والموافقة.

لقد انحصرت مهام المؤسسة التشريعية مع مرور الزمن، وبحكم العوامل السابقة، في وضع المبادئ الأساسية والخطوط العريضة، و بالتالي في العموميات، بينما انتقلت مهمة التشريع في التفاصيل والجزئيات وفي الأمور المستجدة إلى المؤسسة التنفيدية، وهكذا ضاق المجال التشريعي وأصبح في كثير من البلدان مجالا مقيدا، في حين اتسع المجال التنظيمي، بل استقل وأصبح غير مقيد ومن ثم أصبح المرسوم ” تقنية للحكم” يعكس ما كان عليه قديما حيث يفترض مبدأ الفصل بين السلطات خضوعه اللقانون.

ولذا يمكن القول أن مبدأ الفصل بين السلطات، الذي كان يعتبر في النظرية الدستورية التقليدية أحد أسس الديمقراطية، يلقی تراجعا في الوقت الحاضر ولم تعد له الأهمية التي كانت له في في الماضي، ففي الأنظمة المعاصرة التركيز اليوم على تعاون السلطات أكثر منه على الفصل بينها.

ووفقا لذلك تتوزع الوظيفة التشريعية بمعناها المادي بين البرلمان والحكومة، فالبرلمان يكتفي باقرار قواعد القانون العامة وغير الشخصية، تاركا للحكومة وضع القواعد التفصيلية بواسطة سلطتها التنظيمية.

ويتجاوز دور الحكومة مجرد تنفيذ القانون إلى وضع القواعد والمبادئ العامة لسياسة الدولة، واتخاذ القرارات في المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك لم يعد يسمح بوصف الحكومة في الدولة الحديثة بأنها مجرد سلطة تنفيذية. وإنما توصف اليوم بالسلطة الحكومية أو السلطة الحاكمة.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!