المحرر الثابت التاريخ في القوانين العقارية الجديدة

المحرر الثابت التاريخ في القوانين العقارية الجديدة

المحرر الثابت التاريخ في القوانين العقارية الجديدة

والملاحظ أن المشرع المغربي اعتمد مصطلح ” المحرر الثابت التاريخ ” ليس فقط في معرض حديثه عن توثيق عقد بيع العقار من خلال القواعد العامة وبالضبط الفصل 489 من ق.ل.ع. بل تعداه إلى ما سواه من النصوص الواردة في القوانين العقارية الحديثة، من جملتها المادة 12 من القانون رقم 18.00 المتعق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية و الفصل 3-618 من القانون رقم 44.00 المتعلق ببيع عقار في طور الإنجاز، والمادة الرابعة من القانون رقم 51.00 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار، ناهيك عن المادة 4 من مدونة الحقوق العينية، الأمر الذي يثير الاول عن ماهية وطبيعة المحرر الثابت التاريخ

ولذا ساركز في مبحث أول على المحررات الثابتة التاريخ من خلال القواعد العامة وبعض التشريعات العقارية الخاصة، وساتطرق في مبحث ثاني الى طبيعة المحرر الثابت التاريخ ومقتضيات المادة 4 من مدونة الحقوق العينية.

المبحث الأول : المحررات الثابتة التاريخ من خلال القواعد العامة والنصوص الواردة في القوانين العقارية الحديثة

 أولا: المحرر الثابت التاريخ في ق ل ع

ينص الفصل 489 من ق.ل.ع في الفرع الثاني منه المتعلق بتمام البيع على ما يلي:

“إذا كان المبيع عقارا أو حقوقا عقارية أو أشياء أخرى يمكن رهنها رهنا رسميا، وجب أن يجري البيع كتابة في محرر ثابت التاريخ، ولا يكون له أثر في مواجهة الغير إلا إذا سجل في الشكل التالي المحدد بمقتضى القانون “

وعليه يجب أن يجري البيع كتابة في محرر ثابت التاريخ، ولا يكون له أثر في مواجهة الغير إلا إذا سجل في الشكل المحدد بمقتضى القانون، غير أن اعتبار الكتابة في البيوع العقارية من الشكليات الجوهرية لوجود العقد وصحته لم يكن محط تأييد من قبل القضاء والباحثين، حيث منهم من يعتبر عقد بيع العقار قائما ومرتبا لآثاره القانونية بمجرد تراضي أطرافه، وما يتلوه من كتابة وتحرير لا يعدو أن يكون إلا مظهرا خارجيا للمعاملة التعاقدية، وصيغة إثباتية مهمة للحقوق الناشئة عن العقد، بينما يؤكد الرأي الآخر أن الكتابة في البيوع العقارية قد وصلت في الوقت الراهن درجة هامة تجعلها ركنا أساسيا في العقد وليست مجرد عقد إثبات.

فإبرام عقد البيع الوارد على العقار او اي حق أخر مما تم ذكرهم في الفصل 489 من ق.ل.ع يتوقف وجودا وعلما على توثيقه في محرر ثابت التاريخ

ولقد حدد الفصل 425 من ق.ل.ع كيفية إثبات تاريخ الورقة العرفية من خلال الوقائع التالية:

أ- من يوم تسجيل الورقة العرفية، سواء كان ذلك في المغرب أو في الخارج

ب- من يوم إيداع الورقة بين يدي موظف عمومي .

ج- من يوم الوفاة أو من يوم العجز الثابت إذا كان الذي وقع على الورقة بصفته متعاقدا أو شاهدا قد توفي او اصبح عاجزا عن الكتابة بدنيا

د- من يوم التاشير على الورقة من طرف موظف مأذون له بذلك أو من طرف القاضي سواء في المغرب أو في الخارج.

و امام ما عرفه الفصل 489 من ق.ل.ع من تضارب وتجاذب، قرر المشرع في قوانين عقارية خاصة وجوب تحریر العقد بيع العقار بموجب محرر رسمي أو ثابت التاريخ، يتم تحريره من طرف مهني ماذون له قانون بذلك تحت طائلة البطلان.

ثانيا: المحرر الثابت التاريخ في إطار القوانين الخاصة

سنعالج هذا الموضوع على ضوء القانون المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات البيئية والقانون الخاص ببيع العقار في طور الإنجاز، والقانون المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار.

أ – المحرر الثابت التاريخ في إطار القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية

تنص المادة 12 من القانون رقم: 18.00 المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية – ظهير 03 أكتوبر 2002 – على ما يلي:

“يجب أن تحرر جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية المشترکة أو بإنشاء حقوق عينية عليها أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية ومنظمة يخول قانونها تحرير العقود وذلك تحت طائلة البطلان. “

والرجوع إلى المادة 12 من هذا القانون، نجدها تقضي بوجوب توثیق التصرفات التي تجري على الملكية المشتركة كتابة وتركت الباب مفتوحا علی مصراعيه أمام أي نوع من التوثيق، فإما أن تفرغ هذه التصرفات في محرر رسمی ، وإما أن تجري كتابة في محرر عرفي ثابت التاريخ يحرر من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية ومنظمة، يخول لها القانون إمكانية تحرير العقود، وذلك بناء على لائحة سنوية يحدد بموجبها وزير العدل أسماء المهنين المقبولين لتحرير هذه العقود

 ب – المحرر الثابت التاريخ في إطار القانون رقم 44.00 المتطق ببيع العقار في طور الإنجاز

 ينص الفصل 3 – 618 من القانون المذكور على أنه : يجب أن يحرر عقد البيع الابتدائي للعقار في طور الإنجاز إما في محرر رسمي او بموجب عقد تابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة ويخول لها قانونها تحرير العقود وذلك تحت طائلة البطلان… كذلك جاء في القمل 618 – 16 من ق.ل.ع مايلي: ” يبرم العقد النهائي طبقا للفصل  618-3  وذلك بعد اداء المبلغ الإجمالي للعقار أو الجزء المفرز من العقار محل البيع الابتدائي

 فهذا الفصل يتطلب وجوب تحریر عقد بيع العقار في طور الانجاز إما في عقد رسمي يصدره عن موثقه أو من طرف العدول، أو في محرر عرفی يحرره محامی مقبول للترافع أمام محكمة النقض، ويتم تصحيح الإمضاءات بالنسبة للعقود المحررة من طرف المحامي لدى كتابة الضبط المحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي بدائرتها

ومن جهة أخرى يصدر بيع العقار في طور الإنجاز في شكل عقد عرفي يحرره مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة يخول لها قانونا تحریر العقود، ويحدد وزير العدل سنويا لائحة أسماء المهنيين المخولين لتحرير هذه العقود وبينت المادة 3-618 أن كل عقد تم تحريره خلافا لما ذكر فإن مصيره بطلانه

والأمر هنا لا يخلو من صورتين :

– المحرر الرسمي طبقا للفصل 418 ق ل ع

– المحرر الثابت التاريخ، شريطة أن يكون كاتبه مهنيا مأذون له، وأن يخضع المحرر للإجراءات التي تثبت تاريخه

ج – المحرر الثابت التاريخ في القانون رقم: 00-51 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار

تنص المادة 4 من القانون رقم: 00-51 على أنه “يجب أن يحرر عقد  الإيجار المفضي إلى تملك العقار بموجب محرر رسمي او محرر ثابت التاريخ، يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة يخول لها قانونا تحریر العقود وذلك تحت طائلة البطلان، “

يقيد باللائحة المحامون المقبولون للترافع أمام المجلس الأعلى (حاليا محكمة النقض) …، ،

ويتضح من هذا النص أن العقود المحررة بشان الإيجار المفضي إلى تملك العقار إما أن تكون عقودا رسمية، أو عقودا ثابتة التاريخ محررة من لدن المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض، او من طرف مهنيين ينتمون إلى مهنة منظمة يحدد وزير العدل لائحة خاصة بهم ولقد أوردت المادة 4 من القانون رقم 00-51 صراحة جزاء البطلان لكل عقد ايجار مفضي إلى تملك العقار خارج عن نطاق الأحكام المذكورة

 المبحث الثاني: طبيعة المحرر الثابت التاريخ والمادة 4 من مدونة الحقوق العينية

 بالرجوع إلى النصوص القانونية التي نظمت المحرر الثابت المشار إليها مسابقا، لا تجد المشرع المغربي يعرف المحرر الثابت التاريخ، الأمر الذي اختلف معه الفقه في تحديد المراد به، حيث ذهب البعض إلى تقسيم المحررات إلى رسمية وعرفية وثابتة التاريخ، في الوقت الذي لا يرى فيه البعض الآخر مبررا لهذا التقسيم مكتفيا بالقول ان الدقة القانونية تقتضي اعتماد تقديم على العقود المكتوبة، حيث هناك عقود رسمية وأخری عرفية. أما مسألة ثبوت التاريخ فهي صفة تلحق الطائفة الأولى بصورة تلقائية، في حين أنها تلحق الطائفة الثانية عند تحقق امور معينة نص عليها الفصل 425 من ق.ل.ع من بينها المصادقة على الإمضاءات بمعرفة العاملة الإدارية المختصة

وعليه، فإن المحرر الثابت التاريخ هو كل وثيقة عرفية يتم تحريرها وفقا الشروط التي بينها القانون من قبل محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، أو من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية ومنظمة ويخولها قانونها تحرير العقود ويعد اعتماده في لائحة سنوية يحددها وزير العدل .

والواقع أن المشرع المغربي لم ينظم مسألة ثبوت تاريخ الوثيقة العرفية المحررة وفقا للقواعد القانونية اعلاه، حيث لا نجد إلا نص خاص يتعلق بثبوت تاريخ المحرر الذي يحرره محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض بتصحيح الإمضاءات لدي رئيس كتابة ضبط المحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي بدائرتها .

إما إضفاء الصفة الثبوتية للتاريخ على محرر عرفي موثق من قبل مهني معتمد بلائحة سنوية يحددها وزير العدل، فظل محل جدل بين من يميزون المحرر الثابت التاريخ عن الورقة العرفية، وبالتالي لا يمكن إعمال قواعد هذه الأخيرة لإثبات تاريخ المحرر المذكور، وبين من لا يعتبرون المحرر الثابت التاريخ سوی وثيقة عرفية لحقت بها صفة ثبوت التاريخ يتحقق امور حددها الفصل 425 من ق.ل.ع وهي:

– تسجيل الوثيقة، سواء كان ذلك في المغرب أو الخارج.

– إيداع الورقة بين يدي موظف عمومي

– وفاة أو عجز من وقع الورقة بصفته متعاقدا أو شاهدا

– التأشير أو المصادقة على الورقة من طرف موظف مكون له بذلك أو من طرف قاض، سواء في المغرب او في الخارج

– وجود أدلة لها نفس القوة القاطعة من شأنها أن تضفي على الوثيقة الصفة الثبوتية للتاريخ.

وإذا كان الأمر كذلك فهل حالت طبيعة المحرر الثابت التاريخ في المادية من مدونة الحقوق العينية والتي تنص على مايلي:

يجب أن تحرر  تحت طائلة البطلان جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي او بمحرر ثابت التاريخ …

من خلال هذه المادة، يتضح أن المشرع المغربي اقر نظرية رسمية العقود، غير أنه لم يحدد طبيعة المحرر الثابت التاريخ: هل هو محرر رسمی، أو محرر عرفي، لم محرر من نوع خاص

بخصوص هذه المسلة انقسمت آراء الفقهاء فالبعض ذهب إلى القول إنه محرر عرفي انطلاقا من المفاهيم المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود و البعض الآخر يستند على مرجعية المصلحة التي تقتضي القول في نظرهم انه محرر رسمي اعتبارا لتدخل الدولة في تحديد الجهات المكلفة بتحريره

والغالب من الآراء يتجه نحو القول إنه محرر عرفي من نوع خاص لكن هذا الحل الوسط لا يؤدي بالضرورة إلى حل مشكلة التكييف التي تطرح عدة تساؤلات ذات أبعاد اقتصادية.

وانطلاقا مما سبق عرضه بشان الموضوع المطروح تقدم بعض المقترحات عساها تفتح الآفاق لما هو آت، وأبرزها:

– تعديل مقتضيات المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية بتحديد المقصود من طبيعة المحرر الثابت التاريخ ، وذلك منذا الباب التأويلات التي ستؤدي إلى تضارني الآراء بهذا الخصوص

– التخفيف من تكلفة التوثيق العصري بشكل يجعله في متناول كل الفئات المعنية بالعقار والتصرفات الواردة عليه.

– إصدار مرسوم تطبيقي لمدونة الحقوق العينية لا سيما فيما يتعلق بالمادة الرابعة، لتحديد العقود التي يحررها المحامي بدقة، وكذا بيان التزاماته وواجباته بشان إنشاء هذه العقود وتلقيها حماية للأطراف.

– إعادة النظر في صياغة المادة 12 من القانون 1800 والمدة 618 – 3 من القانون 00-44 و المادة 4 من القانون 00-51 من حيث تحديد المقصود بالمهلة القانونية والمنظمة، ومفهوم المحرر ثابت التاريخ.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!