دور المحامي والقاضي في تحقيق المحاكمة العادلة

دور المحامي والقاضي في تحقيق المحاكمة العادلة

ماهية المحاكمة العادلة وشروطها

المحاكمة العادلة حق من الحقوق الأساسية للإنسان، وقد وضع المجتمع الدولي مجموعة بالغة التنوع من المعايير لضمان المحاكمة العادلة، وهي تهدف إلى حماية حقوق الأشخاص منذ لحظة القبض عليهم، وأثناء فترة احتجازهم، قبل تقدمهم إلى المحاكمة، وعند محاكمتهم، وحتى آخر مراحل الاستئناف والنقض.

وتمثل انتهاكات هذه المعايير مبعث قلق كبير لمنظمة العفو الدولية في شتى أنحاء العالم لأنها تمثل انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في حد ذاتها ولأنها تساهم في وقوع شتی ضروب الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان.

ولو تساءلنا عن مفهوم المحاكمة العادلة فإننا نلتمس بأن المحاكمة لا يمكن أن تصبح عادلة أو أن يشهد لها الناس بالعدل إلا لو توافر لها شرطان على الأقل:

الأول هو أن تسترشد إجراءات المحاكمة كلها من بدايتها إلى نهايتها بمواثيق المحاكمة العادلة التي وضعها المجتمع الدولي. وأما الثاني فهو أن تقوم سلطة قضائية مستقلة ومحايدة بتنفيذ هته المواثيق.

وتنص المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي : ” لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه.

كما تنص المادة 14 للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المحاكمة العادلة : ” من حق كل فرد أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون.”

ومنه سنتطرق إلى موضوعنا وفق التقسيم التالي :

أولا : دور المعايير الدولية في إضفاء الصفة على المحاكمة العادلة

ثانيا : دور القاضي في تحقيق المحاكمة العادلة

ثالثا : دور المحامي في تحقيق المحاكمة العادلة

أولا : دور المعايير الدولية في إضفاء الصفة على المحاكمة العادلة

– أولا : لقد جاء الميثاق الدولي والمتعلق بحقوق الإنسان والذي يتضمن في طياته مبادئ وأسس تتعلق باحترام الفرد ومبادئ العدالة والتي مهدت لبدء نظام تحقيق المحاكمة العادلة، وجاءت بنصوص ومعايير يمكن لنا أن نتطرق إليها وفق ما يلى:

 الحق في افتراض البراءة

حيث تنص المادة 11 الفقرة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة علنية نكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه وهذا الحق منصوص عليه في المادة 36 من مجموعة المبادئ، وفي المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ويجب أن يكون مبدأ افتراض البراءة ساريا منذ لحظة إلقاء القبض على الشخص، حتى يتم تأكيد الادانة في مرحلة الاستئناف النهائية، وهكذا فإن عبء إثبات التهمة على المتهم عند محاكمته يقع على عائق الادعاء، وجاء في تعليق اللجنة المعنية لحقوق الإنسان معنی افتراض البراءة أي أن عب، إثبات التهمة يقع على كاهل الادعاء، وأن الشك يفسر في صالح المتهم.

ولا يمكن افتراض أن المتهم مذنب حتى يتم إثبات التهمة بما لا يدع مجالا لأية درجة معقولة من الشك.

الحق في المساواة أمام القانون من ضمانات المحاكمة العادلة

تنص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن الناس سواء أمام القضاء. ومعنى ذلك إتاحة الفرصة لكل شخص بعيدا عن أي لون من ألوان التمييز، وعلى قدم المساواة مع غيره، لأن يلجأ إلى القضاء، وأن تتاح ضمانات المحاكمة العادلة على قدم المساواة للجميع.

الحق والمثول أمام محكمة مختصة ومستقلة وحيادية منشأة بحكم القانون

حيث تنص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن إجراءات التقاضي في أية قضية جنائية يجب أن توكل إلى محكمة مختصة ومستقلة وحيادية ومنشأة بحكم القانون..

الحق في عدم التعرض للتعذيب

حيث يحظر القانون الدولي في جميع الظروف، تعريض أي شخص للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، حيث تقول المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وتوجد نصوص مماثلة في المعاهدات الدولية، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

عدم الاستشهاد بالأقوال المنتزعة تحت وطأة التعذيب

تنص المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب على «تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة التعذيب کدلیل في أية إجراءات إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال وبالمثل فإن إعلان مناهضة التعذيب تقول في مادتها 12 «إذا ثبت أن الإدلاء ببيان ما كان نتيجة التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاإنسانية أو المهينة، فلا يجوز اتخاذ ذلك البيان ضد الشخص المعني أو ضد أي شخص آخر في أية دعوى»، والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحق والسياسية والتي ترفض إرغام المتهم على الاعتراف ..

الحق في سرعة إجراء العدالة

حيث نصت المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية «كل مقبوض عليه أو محتجز في تهمة جنائية يجب أن يحال سریعا الى أحد الموظفين المثولین قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن خلال مدة معقولة أو أن يفرج عنه، وهذا ما أيدته المادة 14 حيث قالت “يحاكم دون تأخير لا مبرر له” وهذا ضمان آخر للمحاكمة العادلة و فقط بوقت بدء المحاكمة بل كذا بوقت انتهائها وصدور الحكم فيها.

الحق في علانية المحاكمة العادلة

حيث كفلت المادة 14 «1» من العهد الدولي الخاص بالحقوق مدنية و السياسية ذلك باعتبارها عنصرا أساسيا من عناصر المحاكمة العادلة والقاعدة أن تكون شفوية وعلنية مع ذكر معلومات عن المحاكمة ووقتها ومكانها وحضور الجمهور والأجهزة الإعلامية إلا ما شكل خطرا أو إضرارا بالمصالح الشخصية أو الدولة.

الحق في الاتصال بالأسرة وفي توكيل أحد المحامين وفي الرعاية الطبية أثناء الوجود في الحجز

حيث لكل شخص الحق في توكيل محام ينوب عنه ويصون مصالحه لما يتمكن منه من حيث إطلاع على خبايا القانون وإمكانياته في الأصلح لموكله فيه.

 إتاحة ما يكفي من الوقت والتسهيلات للدفاع

من حق كل منهم بارتكاب جريمة ما أن يتاح له من الوقت والتسهيلات ما يكفي لإعداد دفاعه بنفسه والاتصال بمحام يختاره بنفسه، المادة 14، ومنصوص عليه في المبدأ و من المبادئ الأساسية المتعلقة بدور المحامين، كما تضمن له نفس المادة تعيين المحكمة محام له للدفاع عنه دون مقابل.

كما نص المبدا 7 من المبادئ الأساسية المتعلقة بدور المحامين على أنه «يحق للمحتجزين الاستعانة بمحام فورا، وباية حال خلال مهلة لا تزيد عن 18 ساعة من وقت القبض عليهم أو احتجازهم كما أنه من حق كل محتجز أن يتشاور مع محاميه دون أن یکون ذلك على مسمع من احد “المبدأ 18 من مجموعة المبادئ” ويمتد هذا الحق طوال إجراءات المحاكمة

إضافة إلى كل ما ذكرناه عن هاته المعايير الدولية توجد معايير أخرى كحق الإبلاغ من حقوق المتهم وبسبب إلقاء القبض والسرعة في إجراء المسطرة لتحقيق العدالة وتقديم كافة التسهيلات له من استدعاء شهود وتقديم القانون الأصلح له وعدم رجعيته وغيرها من الضمانات التي تكفل حق المتهم والشفافية في إعلان الأحكام وتطبيقها تكريسا للحق وضبطا للقانون وروحه الأسمي.

ثانيا : دور القاضي في تحقيق المحاكمة العادلة

للقاضي دور كبير في إقرار صفة المصداقية للمحاكمة وعدالتها فهو المحرك لها والساهر على بنودها واستشكالاتها ولولاه لما تحقق العدل وما طبق القانون ولصارت الحياة غابة كبيرة تفترس فيها كل فريسة ضعيفة لا قوة لها ويتجلى أهم دور للقضاء في ذلك في استقلاليته وعدم انتمائه لأية جهة كانت وهنا تكمن قوته فقد سمي جهازا قضائيا لاتصاله المباشر بالملك وباعتباره الحارس على سير أجهزته وتطورها وهنا يظهر دور القاضي فليس من المحتمل أن تتسم المحاكمة بالانصاف بل ولن يرى الناس أنها منصفة، إذا كان المسؤولون عن إصدار الأحكام والعقوبات يفتقرون إلى الاستقلال والحياد،

ويقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأن البعد عن التحيز شرط جوهري، بصفة مطلقة، لإجراء المحاكمة العادلة، وقد أكدت اللجنة العليا المعنية بحقوق الإنسان، وهي هيئة مستقلة من الخبراء تتولى مراقبة تنفيذ الدول الأطراف في العهد الدولي المذكور، هذه النقطة من جديد عندما قالت إن حق المحاكمة أمام محكمة مستقلة ومحايدة، حق مطلق لا يجوز استثناء أحد منه

ويقوم هذا الشرط على المبدأ الذي ينص على أن كل جهاز من أجهزة الدولة يجب أن يتمتع باختصاصات محددة ومقصورة عليه و معنى هذا أن القضاء يجب أن يتمتع وحده بسلطة الفصل في القضايا المحالة إليه، و القضائية ككل وألا يتعرض كل قاض على حدة إلى التدخل في عمله من جانب أفراد بعينهم، ويجب أن يتمتع القضاة بحرية الحكم في المسائل المعروضة عليهم استنادا إلى الحقائق الثابتة وموجب القانون، بعيدا عن التدخل أو المضايقة أو التأثير من جانب أي فرع من فروع الحكومة أو الأفراد بصفتهم الشخصية, وقد وضعت هذه المعايير في وثيقة المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية “الأمم المتحدة” التي تتضمن المعايير اللازمة لضمان الحفاظ على استقلال السلطة القضائية واختصاصاتها، وبصفة خاصة فيما يتعلق بأسلوب تعيين رجال القضاء وتثبيتهم في وظائفهم، وتحديد جهة نظر القضايا، وعزل رجال القضاء من مناصبهم.

ومعنی اشتراط الحياد في المحاكم، أن على القاضي أن لا تكون له آراء مسبقة عن أية قضية ينظرها، وألا تكون له مصلحة في النتيجة التي ينتهي إليها نظر القضية, كما يجب أن تتاح له فرصة العمل بعيدا عن أي تأثير، مباشر كان أو غير مباشر من الهيئات الحكومية وبعيدا عن وسائل الإغراء أو الضغط أو التهديد أيا كان مصدره، وقد ذكرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن الحياد، “أن على القاضي ألا يظهر أية آراء مسبقة عن الموضوع المعروض عليه، وأن عليه ألا يسلك سبیلا يرجح مصلحة طرف على طرف آخر.”

فالدولة قد أعطت للقاضي نوعا كبيرا من الاستقلالية والأمان والحضانة، كما وفرت له موردا ماديا جيدا و امتیازات معيشية محترمة حتى يتعالى عن كل ما يمكن أن يؤثر عليه أو أن يعوق عمله الذي يجب أن يتسم بالمصداقية والضمير الحي حتى يحقق المراد منه وهو وضع العدالة في مسارها الصحيح.

ثالثا : دور المحامي في تحقيق المحاكمة العادلة

تشكل المحاماة الدعامة الأساسية لتحقيق العدل وهي الحماية، فهي مهنة مستقلة تشكل مع القضاء سلطة العدل، فلا تنعقد المحكمة تحت طائلة البطلان إلا بوجود محام، وهي تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدل وتأكيد سيادة القانون، وترتبط المحاماة بالحياة القانونية، كما تعيش في المحاكم وفي المجتمع ويقع على المحامي واجب خماسي الأبعاد : واجبه نحو موكله، واجبه نحو خصمه، واجبه نحو المحكمة, واجبه تجاه نفسه وواجبه تجاه النظام القانوني في الدولة، لكن الواجب الاعلی الذي يقع على المحامي هو واجبه وولاءه للعدل وأداء العدل، إنه من الخطأ أن تعتبر المحامي لسان موكله، والناطق باسمه فقط بقول ما يريد موكله، وانه ادائه لما پرشده إليه، إن المحامي ليس كذلك وإنما هو مدين بالولاء والاخلاص للقضية الأهم وهي قضية العدالة.

 فالمحاماة من الحماية وهي رسالة نصرة الحق والدفاع عن المظلوم واستقصاء للعدل, و المحامون شركاء للقضاة اتخذوا مهنة لهم تقديم المشاركة القضائية والقانونية لمن يطلبها، وإذا كان البعض يذهب إلى اعتبار المحاماة فنا رفيعا لازما التحقيق العدالة، وهي كذلك، إلا أن دور المحامي وطبيعة مهامه وعلاقته بموكله والقضاء والآخرين أوجد التحديد المتفق عليه ” المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة التي هي جوهر القانون ومرتكزه وفي تأكيد سيادته وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويمارس المحاماة المحامون وحدهم في استقلال ولا سلطان عليهم في ذلك إلا ضمائرهم وأحكام القانون.”

ولا تناقض بين مفهوم المحاماة كمهنة مستقلة ومفهومها كرسالة وفن رفيع، لأن نشوء المحاماة بعيدا عن سلطات الدولة ودونما خضوع لما تخضع له هذه السلطات، وانطلاقها من واجب الدفاع وتقديم المساعدة القضائية والقانونية، وتطلبها المعرفة والعلم والتأهيل الجيد، حدد مفهومها كمهنة حرة مستقلة، وحدد غرضها ودورها كأداة للدفاع عن المحتاج، وحدد مكانتها کفن رفيع جعلها بحق رسالة نصرة الحق وتحقيق العدالة.

ومفهوم المحاماة بمعنی متقدم جعل استقلاليتها أهم مقومات وجودها و فعالیتها . في أداء دورها، وإذا كان استقلال مهنة المحاماة جزءا من استقلال القضاء وكلاهما جزءان لا يتجزءان لازمان لإقامة العدل، فإن الاستقلالية المحاماة معنی و مفهومها يختلف عن مفهوم و نطاق استقلال القضاء، ومرد ذلك إلى أن المحاماة ليست سلطة كسلطة القضاء، أو كسلطة كبقية سلطات الدولة ” التنفيذية والتشريعية” فالمحاماة منذ نشأتها من خمسة آلاف سنة تقريبا وهي مهنة معاونة القضاء تكمله وتشاطره مهمة إقامة العدل، ومن هنا اعتبر استقلال المحاماة جزءا من استقلال القضاء،

ومن هنا أيضا اعتبر أن وجود النظام القانوني العادل والناجحلإقامة العدالة و الحماية الفاعلة لحقوق الإنسان وحرياته يتوقفان على استقلال القضاة وهذا المفهوم جرى تكريسه وتحديد مظاهره وعناصره في تشريعات امحاماة العربية بوجه عام.

ورغم ما يتعرض إليه المحامي من مضايقات في إطار عمله كتضييق حقه في إقامة العدل وخاصة في الدعاوي الجنائية وماله ذلك من خطورة وردع لأداء دوره بفعالية، ورغم تطبيق الحد من بعض سلطه والرقابة عليه من بعض الجهات وتوجيهه إلا أن كل ذلك لا يعيقه ولا يقف حائلا أمامه دون القيام بمهامه ودوره في تحقيق المحاكمة العادلة.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!