القضاء العسكري

القضاء العسكري و تنظيمه

القضاء العسكري و تنظيمه

مما لا شك فيه أن القضاء العسكري هو قضاء زجري يعنى بالبحث و التحقيق في الجرائم المرتكبة من طرف شريحة كبيرة من المجتمع المغربي ألا وهي قواتنا المسلحة الملكية و القوات المساعدة  و الدرك الملكي و الوقاية المدنية ، و البت فيها ، ونظرا لحساسية هذا القضاء فقد شمله المشرع بتنظيم خاص مستقل عن التنظيم القضائي، و أخضع قضاته و كتاب الضبط به لنظام خاص انطلاقا من ذلك سنعالج في هذا المبحث الطبيعة القانونية للقضاء العسكري و تنظيم  تم سنتطرق إلى تكوين القضاء العسكري

المطلب الأول: الطبيعة القانونية للقضاء العسكري و تنظيمه

نظرا لطبيعة تنظيم القضاء العسكري و طبيعة الأشخاص الذين يكونون المحكمة العسكرية يثار تساؤل هل المحكمة العسكرية محكمة مختصة أم استثنائية ؟

الفقرة الأولى : طبيعة القضاء العسكري

نصت المادة الأولى من القانون رقم 13.108 المتعلق بالقضاء العسكري على أنه :”تحدث بمقتضى هذا القانون محكمة عسكرية متخصصة ..”

انطلاقا من هذه المادة يظهر أن المشرع انسجم مع الدستور و نسخ المقتضيات التي كانت تنص على أن المحكمة العسكرية هي محاكم استثنائية ، لكن في نظرنا أن المحاكم العسكرية ذات طبيعة خاصة ،لا هي بالاستثنائية و لا هي بالمتخصصة الصرفة لعدة اعتبارات نجملها فيما يلي :

لم ينظمها المشرع ضمن التنظيم القضائي و هذا دليل على طبيعتها الخاصة لا من ناحية إختصاصها و لا من ناحية تنظيمها و تكوينها .

المسطرة أمام المحكمة العسكرية هي مسطرة خاصة سواء مسطرة البحث أو التحقيق أو البث في القضايا كما أنها لا تخضع لقانون المسطرة الجنائية باعتبار أن المحكمة العسكرية محكمة زجرية ، إلا في حالة عدم وجود نص في قانون القضاء العسكري انداك نرجع للمسطرة الجنائية .

القضاة العسكريون و كتاب الضبط و مستكتبوا الضبط لهم نظامهم الخاص 115 ولا يخضعون للقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الاساسي للقضاة، ولا للقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وقد قال أحد الباحثين ” إن القاضي العسكري هو ضابط أولا و أخيرا ،و أنه يخضع لكل ما يخضع له سائر الضباط من أحكام و أنظمة عسكرية بلا أدنى تفرقة أو تمييز، مما يجعلها عرضة للتدخل في عمله و لأنه يمارس عليه رؤساؤه المؤثرات ترغيبا و ترهيبا،

وعلى وجه الخصوص مدير القضاء العسكري الذي يتبع وزير الدفاع مباشرة، و الذي يملك أن يصدر إلى القضاة العسكريين الأقل منه رتبة و أقدمية التعليمات و التوجيهات مثلما يصدر القائد التعليمات الى ضباطه ولا يملك هؤلاء طبقا لقواعد الانضباط العسكري إلا أن يرضخوا و يستجيبوا و إلا حقت عليهم المسائلة التأديبية “.

رغم تعديل عدة مقتضيات مما ذكر الباحث و اعتمد عليها في بحثه إلا أن القضاة العسكريون هم ضباط و يخضعون لظهير الانضباط العام في حضيرة القوات المسلحة الملكية و ذلك حسب المادة 3 منه التي تنص على أنه ” يسري على القضاة العسكريين و الضباط كتاب الضبط و ضباط الصف مستكتبي الضبط نظام الانضباط العام في حضيرة القوات المسلحة الملكية “.

لهذه الاعتبارات ذهبنا في اتجاه أن المحكمة العسكرية هي محكمة ذات طبيعة خاصة لأنها تجمع بين خصائص المحاكم المتخصصة و المحاكم الاستثنائية، وهذا سيظهر جليا عندما سنتناول تكوين المحكمة العسكرية و اختصاصاتها.

الفقرة الثانية: تنظيم القضاء العسكري

مما لا شك فيه أن القضاة سواء قضاة الحكم أو النيابة العامة لا يخضعون للنظام الأساسي للقضاة و لا المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، و هكذا فإن القضاة العسكريون لا يخضعون لنفس النظام القانوني للعزل و الترقية و النقل الذي يخضع له القضاة المدنيون .أما كتابة الضبط فيقوم بها ضباط كتاب الضبط و ضباط الصف مستكتبي الضبط و كل هذه الأجهزة تخضع لنظام أساسي خاص بها مختلف عن الأنظمة الأساسية التي يخضع لها كتاب الضبط المدنيون.

أولا : القضاة العسكريون

يشكل القضاة العسكريون سلكا قضائيا مستقلا ذا تسلسل خاص بهم،و يشمل قضاة الاحكام و قضاة النيابة العامة و قضاة التحقيق ، ويتم تعينهم من بين ضباط القوات المسلحة الملكية .

بالعودة للقانون المتعلق بالنظام العام للانضباط في حضيرة القوات المسلحة الملكية و خصوصا الفصل 8 الذي يحدد النظام التسلسلي الخاص بالنساء ، يلاحظ أن المشرع نص صراحة على أنه ” لا تسند إليهن قيادة وحدة من الوحدات ماعدا فيما يخص المصالح أو المناصب التابعة للمصلحة الصحية و المصلحة الإجتماعية بالقوات المسلحة “. كما يلاحظ أيضا أن الرتب الذي يرتب بها القضاة العسكريون لا يمكن للنساء الترتيب فيها وانطلاقا من ذلك فالنساء لا يمكنهم أن يتقلدو المناصب القضائية و مناصب المسؤولية في القضاء العسكري.

ويمارس القضاة العسكريون بمختلف أصنافهم ،مهامهم بالمحكمة العسكرية طبقا للقانون رقم 13.108 المتعلق بالقضاء العسكري ، ومن الضمانات القانونية المكفولة لهم أنه لا يمكن إحالتهم على لجنة معالجة الملفات التأديبية إلا بأمر من صاحب الجلالة القائد الأعلى و رئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية ، كما أنهم يخضعون إذا ما ارتكبو فعل معاقب عليه بوصفه جنحة أو جناية أثناء مزاولة مهامهم أو خارجها لقواعد الإمتياز القضائي المنصوص عليها في المواد 265 و 266 و 267 من قانون المسطرة الجنائية .

ثانيا : كتابة الضبط

تتكون كتابة الضبط من جهازيين هما ضباط كتاب الضبط و ضباط الصف مستكتبي الضبط.

1 – الضباط كتاب الضبط

يرتب ضباط كتاب الضبط حسب الفصل 21 من النظام الأساسي الخاص بالضبط كتاب الضبط و ضباط الصف مستكتبي الضبط

ويترأس كتابة الضبط رئيس يتولى مهام التسيير الإداري لشؤون كتابة الضبط و تتبع أعمال كتاب الضبط و مستكتبي الضبط العاملين تحت امرته و السهر على حسن تطبيق القرارات و التدابير و الاجراءات الموكول تنفيذها إلى كتابة الضبط ،طبقا للنصوص التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل.

2 – ضباط الصف مستكتبو الضبط

يتم تعيين مستكتبو الضبط من بين ضباط الصف بالقوات المسلحة الملكية، المرتبين في رتبة رقيب على الأقل و المتوفرين على مالا يقل عن خمس سنوات من الخدمة الفعلية بصفة ضابط صف و البالغيين خمس و عشرين سنة على الأقل في تاريخ إجراء المباراة.

في نهاية هذا المطلب لا بد أن نشير إلى أن المحكمة العسكرية خلافا للمحاكم العادية، لا تتشكل من الرئاسة و النيابة العامة ، فلا وجود لرئيس المحكمة ولا وجود لقضاة أو كتاب الضبط تابعين للرئاسة و أخرون تابعين للنيابة العامة، و لا يوجد ببناية المحكمة العسكرية أي مكاتب سواء لقضاة الحكم المدنيين أو للمستشارين العسكريين.

و هكذا فإن الوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية يتولى تدبير الشؤون الإدارية لهذه المحكمة، وبذلك يرفع تقريرا سنويا حول حصيلة نشاطه إلى القائد الأعلى و رئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية.

ويستفيد العسكريون العاملون بالمحكمة العسكرية شأنهم شأن باقي العسكريين من عدة ضمانات و خصوصا في المجال القضائي ، حيث نصت المادة 11 من القانون رقم 12.01على أنه ” يستفيد العسكري الذي يكون محل متابعات تأديبية أو قضائية ، على الخصوص من الضمانات التالية :

الحق في ضمان محاكمة عادلة .

الحق في الدفاع ، و المساعدة القضائية و فق الأحكام التشريعية الجاري بها العمل.”

المطلب الثاني : تكوين المحكمة العسكرية

يختلف تكوين المحكمة العسكرية باختلاف الجرائم المعروضة عليها أو المتهم الماثل أمامها.

الفقرة الأولى: تكوين المحكمة العسكرية بالنظر للجرائم المرتكبة

المحكمة العسكرية كما هو معلوم يوجد مقرها بالرباط و تعقد جلساتها بهذا المقر،لكن يجوز أن تعقد جلساتها في أي مكان أخر بقرار من الوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية فعلى سبيل المثال في موقع العمليات أي موقع المعركة أو المناورات العسكرية.

وتضم المحكمة العسكرية خمس غرف فقط و هي غرفة الجنح الإبتدائية العسكرية تختص بالنظر ابتدائيا في الجنح و المخالفات المعروضة على المحكمة العسكرية ، وتتشكل هيئتها من مستشار بمحكمة الاستئناف بصفته رئيسا و من عضوين أحدهما أو كلاهما من القضاة العسكريين و بحضور وكيل الملك و مساعدة كاتب الضبط .

أما الغرفة الثانية و هي غرفة الجنايات الابتدائية العسكرية تختص بالنظر ابتدائيا في الجنايات المعروضة على المحكمة العسكرية ، وتتشكل هيئتها من مستشار بمحكمة الاستئناف بصفته رئيسا و من عضويين أحدهما مستشار بمحكمة الاستئناف و الاخر قاض عسكري أو مستشار عسكري، و بحضور الوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية و مساعدة كاتب الضبط .

في حين تختص غرفة الجنح الاستئنافية بالنظر في الاستئنافات المقدمة ضد المقررات الصادرة عن غرفة الجنح الابتدائية العسكرية و تبث و هي مكونة من مستشار رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بصفته رئيسا، و من عضويين أحدهما مستشار بمحكمة الاستئناف و الاخر قاض عسكري أو مستشار عسكري، و بحضور الوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية و مساعدة كاتب الضبط .

أما غرفة الجنايات الاستئنافية العسكرية فتختص بالنظر في الاستئنافات المقدمة ضد المقررات الصادرة عن غرفة الجنايات الإبتدائية العسكرية ، وتبت و هي مشكلة من مستشار رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بصفته رئيسا، و من أربعة أعضاء اثنان منهم مستشاران بمحكمة الاستئناف، والاخران أحدهما أو كلاهما من القضاة العسكريين أو من المستشاريين، وبحضور الوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية و مساعدة كاتب الضبط.

في حين تختص الغرفة الجنحية العسكرية بالنظر في الطعون المقدمة ضد أوامر و قرارات قاضي التحقيق العسكري و طلبات السراح المؤقت و تدابير الوضع تحت المراقبة القضائية المقدمة أمامها و بطلان إجراءات التحقيق، وتبت و هي مؤلفة من مستشار رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بصفته رئيسا،و من عضويين أحدهما مستشار بمحكمة الاستئناف و الاخر إما قاض عسكري أو مستشار عسكري ،و بحضور الوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية و مساعدة كاتب الضبط.

الفقرة الثانية : تكوين المحكمة العسكرية بالنظر لرتبة المتهم

تختلف تشكيلة هيئة الحكم بحسب رتبة المتهم سواء من حيت الرئاسة او المستشارين العسكريين

أولا : المستشارون المدنيون المناط بهم رئاسة هيئة الحكم

تسند رئاسة هيئة الحكم بالنسبة للجنح و المخالفات ابتدائيا إلى مستشار بمحكمة الاستئناف إذا تعلق الأمر بمحاكمة العسكريين و شبه العسكريين المرتبين في درجة ليوتنان كولونيل أو أقل ،أما استئنافيا فتسند الرئاسة إلى مستشار رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف

أما إذا تعلق الأمر بمحاكمة العسكريين أو شبه العسكريين من الرتب السابق ذكرها ،على أفعال تكيف جنايات سواء ابتدائيا أو إستئنافيا فتسند رئاسة الهيئة لمستشار رئيس غرفة بمحكمة الإستئناف .

في حين إذا ما ارتكب فعل يعد جريمة كيفما كان تكييفها القانوني من طرف كولونيل و كولونيل ماجور و جنرال،سواء في المرحلة الابتدائية أو الاستئنافية، فإن رئاسة الهيئة تسند إلى مستشار رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف.

رغم تنصيص المشرع على المستشارين الذين يحق لهم رئاسة الهيئة في المادة 15 إلا أننا نعيب عليه عدم تحديد درجة هؤلاء المستشارين باعتبار أن هناك قضاة لهم درجات عليا لكن يمارسون بالمحاكم الابتدائية .

ثانيا : القضاة العسكريون و المستشارون العسكريين

تختلف تشكيلة الهيئة باختلاف رتبة المتهم الجنود او ضباط الصف أو الضباط

1 – الجنود و ضباط الصف المادة  16 تبت المحكمة و هي مشكلة من ضابطان لهم رتبة قبطان على الأقل فيما يخص الجنح و المخالفات ابتدائيا ، أما استئنافيا فتشكل فقط من ضابط واحد.أما إذا تعلق الأمر بالجنايات إبتدائيا فتشكل من ضابط واحد و استئنافيا من ضابطان لهم جميعا رتبة كومندان على الأقل

2 – الضباط إلى رتبة كومندان على الاقل المادة 16  تحدد رتب القضاة العسكريين و المستشارين العسكريين المكونين لهيئة الحكم في القضايا المنسوبة إلى الضباط إلى رتبة ليوتنان كولونيل

3 – الضباط من رتبة كولونيل أو كولونيل ماجور أو جنرال المادة 18  تتشكل الهيئة إذا ما تعلق الأمر بهؤلاء الضباط سواء استئنافيا أو ابتدائيا ،في جميع القضايا من :

4 – مستشار رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بصفته رئيسا

5 – مستشارين بمحكمة الاستئناف بصفتهما عضوين.

6 – عضوين عسكريين أحدهما أو كلاهما من القضاة العسكريين أو المستشارين العسكريين رتبتهما مماثلة لرتبة المتهم أو أعلى منها

الفقرة الثالثة: تعيين هيئة الحكم

يتم تعيين رؤساء هيئات الحكم بالمحكمة العسكرية و أعضاؤها المستشارين بمحاكم الاستئناف في بداية كل سنة قضائية بقرار للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

هنا يطرح تساؤل ما الحل إذا ما انتهت مهمة المستشارين و مازالت القضية رائجة أمام المحكمة؟

أجاب المشرع على هذا التساؤل في الفقرة الثانية من المادة 25 حيث نص على أنه “يستمر رؤساء هيئات الحكم و أعضائها المستشارون المذكورون أعلاه في القيام بمهامهم القضائية إلى حين البت في القضايا التي قد ترأسو جلستها الأولى أو شاركو في عضويتها”.

هذا فيما يخص القضاة المدنين ،أما القضاة العسكريين فيتم تعينهم من طرف جلالة الملك القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، بمقتضى مقرر يحدد قائمة الضباط المؤهلين للمشاركة في أشغال المحكمة العسكرية بصفتهم مستشارين عسكريين ،وذلك حسب رتبهم و أقدميتهم .

ويقوم الضباط المقيدون في القائمة المذكورة بمهمة المستشارين العسكريين، بصفة متوالية و حسب ترتيب تقييدهم في القائمة، إلا إذا عاق أحدهم عائق سواء قبل أن يشارك أو أثناء المشاركة فيعوض بالضابط الذي يليه.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!