القبول في العقود الإلكترونية

القبول في العقود الإلكترونية

القبول الإلكتروني

القبول في العقود الإلكترونية هو الإرادة الثانية في العقد الصادر ممن وجه إليه الإيجاب، ويجب أن يتضمن النية القاطعة في التعاقد أي يصدر منجزا بلا قيد أو شرط، وبما أن العقد الإلكتروني يكون في الغالب من عقود الاستهلاك فإن القبول الإلكترونية يكون غير نهائي، ومن ثم فإن العقد غير لازم للمستهلك

وهو ما يشير إلى ضرورة بحث مسألة حق عدول القبول في العقود الإلكترونية، ويجب أن يصدر القبول مطابقا للإيجاب، والمقصود بتطابق الإيجاب والقبول ليس تطابقهما في المسائل التي تدخل في العقد بل تطابقهما في شأن المسائل الجوهرية والرئيسية وعدم إختلافهما في المسائل التفصيلية، وهو ما يثير مسألة غاية في الأهمية وهي إختلاف صيغ الإيجاب والقبول في العقود الإلكترونية

ومن هذا فسوف يتم عرض سمات القبول في العقود الإلكترونية والتعبير عنه، ثم مشروعية العدول وأخيرا اختلاف صيغ الإيجاب والقبول في العقود الإلكترونية وذلك على النحو التالي:

المطلب الأول : سمات القبول في العقود الإلكترونية والتعبير عنه

 أولا: سمات القبول الإلكتروني

يعرف القبول بأنه “تعبير عن إرادة الطرف الآخر الذي تلقي الإيجاب يطلقه نحو الموجب ليعلمه بموافقته على الإيجاب” وهذا يعني الإجابة بالموافقة على عرض الموجب، و بإضافته إلى الإيجاب يتكون العقل.

بينما القبول في العقود الإلكترونية لا يخرج عن مضمون هذا التعريف سوى أنه يتم عبر وسائط إلكترونية من خلال شبكة الإنترنت، فهو قبول عن بعد، ولذلك فهو لا يخضع لذات القواعد والأحكام التي تنظم القبول التقليدي، وإن كان يتميز بعض الخصوصية التي ترجع إلى طبيعته الإلكترونية

وهناك شروط عامة يجب توافرها في القبول التقليدي حيث أنه يخضع للشروط العامة المطلوبة في كل تعبير عن إرادة، فيجب أن يكون بثا و متصرفا ومحددا ومنتج لأثار قانونية وأن يصدر القبول في وقت يكون فيه الإيجاب قائما وأن يطابق القبول

فإذا كان القبول مطابقا للإجاب، ولا يتضمن أي تحفظات أبرم العقد، فالقبول إذن يجب أن يطابق الإيجاب مطابقة تامة، ولا يجوز أن يزيد فيه أو ينقص عنه وإلا اعتبر رفضا يتضمن إيجابا جديدا

ولا يشترط أن يصدر القبول في العقود الإلكترونية في شكل خاص أو وضع معين، فيصح أن يصدر عبر وسائط إلكترونية أو من خلال الطرق التقليدية للقبول، وذلك ما لم يكن الموجب قد اشترط أن يصدر القبول في شكل معين

ثانيا: طرق التعبير عن القبول في العقود الإلكترونية

يتم التعبير عن القبول في العقود الإلكترونية بعدة طرق منها الكتابة بما يفيد الموافقة أو باستخدام التوقيع الإلكتروني عبر البريد الإلكتروني، أو عن طريق اللفظ من خلال غرف المحادثة أو التنزيل عن بعد من خلال تنزيل البرنامج أو المنتج أو السلعة عبر الإنترنت وتحميلها على جهاز الكمبيوتر الخاص بالقابل، ومن طرق القبول الإلكتروني كذلك النقر مرة واحدة بالموافقة على العلامة الخاصة بذلك حيث عبارة «موافق»

ومع ذلك يشترط الموجب في إيجابه وبغرض التأكد من صحة إجراء القبول، أن يتم عن طريق النقر مرتين على الايقونة المخصصة للقبول و الموجودة على الشاشة، وفي هذه الحالة فإن النقر مرة واحدة لا يرتب أثرا بشأن انعقاد العقد ويصبح القبول عديم الأثر، وغالبا ما يلجأ الموجب إلى هذه الطريقة للتأكد من موافقة القابل على التعاقد،

وإذا كان الأصل العام أن القبول يمكن أن يتم صراحة أو ضمنا، فإن من التصور إمكانية ذلك في القبول في العقود الإلكترونية، حيث يتم التعبير صراحة عن القبول عبر الوسائط الإلكترونية المتعددة، وقد يكون ضمنيا كأن يقوم من وجه إليه الإيجاب بتنفيذ العقد الذي اقترح الموجب إبرامه، کالدفع مثلا عن طريق بطاقات الإئتمان بإعطاء الموجب رقم البطاقة السري، دون أن يعلم صراحة قبوله فيتم العقد وفق هذا القبول الضمني

ومع ذلك يذهب الرأي الراجح إلى أن التعبير عن إرادة القبول في العقود الإلكترونية لا يكون إلا صريحا، فالقبول الإلكتروني يتم عن طريق أجهزة و برامج إلكترونية تعمل آليا وهذه الأجهزة لا يمكنها استخلاص او استنتاج إرادة المتعاقد، ووفق هذا الرأي فإنه لا محل للقول بأن التعبير عن إرادة القبول الإلكتروني يمكن أن يكون إشارة متداولة عرفا أو باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكا في دلالته على حقيقة المقصود منه، أو السكوت المقترن بظروف يرجح معها دلالته على القبول

ثالثا: مدى صلاحية السكوت للتعبير الإلكتروني عن القبول

وإذا كان السكوت وفقا للقواعد العامة لا يصلح تعبيرا عن إنشاء الإيجاب فإنه العكس من ذلك قد يصلح أن يكون قبولا, ويثور التساؤل عما إذا كان السكوت يمكن أن يكون تعبيرا عن إرادة أحد الأشخاص في التعاقد الإلكتروني

فالأصل أن السكوت في حد ذاته مجرد من أي ظرف ملابس له لا يصلح أن يكون تعبيرا عن الإرادة، فالإرادة عمل إيجابي والسكوت شيء سلبي، وليس إرادة ضمنية لأن هذه الإرادة تستخلص من ظروف إيجابية تدل عليها، وقد قرر الفقه الإسلامي هذه القاعدة بقوله «لا ينسب لساکت قول»

ولكن استثناء من هذا الأصل فإن السكوت يمكن أن يكون تعبيرا عن الإرادة، ويعتبر قوة بناء على نص في القانون أو إتفاق طرفي التعاقد إذا أحاطت به ظروف ملابسة من شأنها أن تفيد دلالته على الرضاء، كما يعد السكوت قبولا إذا إتفق أطراف التعاقد أثناء المفاوضات صراحة على اعتبار سكوت الموجه إليه الإيجاب قبولا في ظروف معينة،

غير أن هذه الحالات الإستثنائية لا يمكن قبولها على علنها في شان القبول في العقود الإلكترونية نظرا لحداثة التعاقد عبر شبكة الإنترنت فلا يمكن القول بأن العرف يلعب دورا هاما وفعالا في هذا المجال لعدم وجود معاملات كثيرة ومستقرة تصل إلى مرحلة العرف، وبالنسبة للإيجاب الموحد لمنفعة الموجب إليه فهي حالة تتضمن عملا من أعمال التبرع دون أن يقع معه إلتزام على عاتق من وجه إليه الإيجاب فهو فرض غير مألوف على الإنترنت

وكذلك فإنه من الصعوبة – حسبما أری – اعتبار السكوت الملابس تعبيرا عن القبول في العقود الإلكترونية، كما في حالة التعامل السابق بين المتعاقدين، والذي يحدث كثيرا عبر شبكة المعلومات الإلكترونية، فإن ذلك لا يكفي من الناحية العملية لإعتبار السكوت قبولا، إلا إذا كان هناك إتفاق صريح أو ضمني بين أطراف التعاقد على ذلك،

وتطبيقا لذلك فإنه يجوز اعتبار السكوت قبولا أو رفضا في التعاقد الإلكتروني بحسب الأحوال، وذلك إذا كانت طبيعة التعامل أو العرف التجاري تدل على ذلك، أو كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين أو إتفاق صریح بينهم، أو أن يقترن السكوت بظروف أخرى يرجح معها دلالة السكوت على القبول،

ومع ذلك لم أجد في أي من التشريعات – بحسب علمي – سواء العربية أو الأجنبية، المتعلقة بالمعاملات الإلكترونية أي نص يشير إلى اعتبار السكوت وسيلة تعتد ما للتعبير عن القبول، واستخلاص القبول يعد مسألة موضوعية تدخل في نطاق السلطة التقديرية لقاضي الموضوع، ولا يخضع في ذلك الرقابة المحكمة الأعلى

المطلب الثاني : العدل عن القبول في العقود الإلكترونية

أولا: حق العدول ومبدأ القوة الملزمة للعقد

إن القوة الملزمة للعقد لا يستطيع بموجبها آیا من طرفيه الرجوع عنه، فمتى تم إلتقاء الإيجاب بالقبول، وقام العقد فإن تنفيذه يصبح ملزما ولا رجعة فيه، ولكن نظرا لأن المستهلك في العقد الإلكتروني ليس لديه الإمكانية الفعلية لمعاينة السلعة والإلمام بخصائص الخدمة قبل إبرام العقد فإنه يجب أن يتمتع بحق العدول،

ومن ثم تعليق إتمام العقد على صدور الإرادة الواعية المستنيرة للعميل، وذلك حين لا يستفيد مورد السلعة أو الخدمة من قصر الوقت المناح للمستهلك للنظر في العقد المعروض عليه ليحصل منه على التوقيع بصرف النظر عن احتمالات إعتراض المستهلك على بعض البنود في وقت لاحق على التوقيع حيث تكون لا فائدة من اعتراضه،

وهذا يعني تحويل المستهلك حق نقض العقد بعد انعقاده بالإرادة المنفردة، وهو ما يعد مخالفا لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون، ولذلك فإن هذا الحكم المخالف لتلك القاعدة يجب النص عليه صراحة إما في إتفاق الطرفين أو في القانون،

وقد أقرت الكثير من التشريعات، كالقانون الفرنسي والقانون الأمريكي والقانون الإنجليزي أحقية المستهلك في العدول بشأن العقود الإلكترونية خلال فترة السماح وتختلف هذه المدة من قانون إلى آخر باعتبار أن المستهلك في التعاقد عن بعد لا يرى المنتج أو السلعة، فقد يتسلم منتها لا يتفق والمواصفات المتعاقد عليها، ومن ثم يحق له إرجاع هذا المنتج خلال فترة معينة هي فترة السماح

ثانيا: الحق القانوني في العدول عن القبول في العقود الإلكترونية

تقرر هذا الحق للمستهلك بنص المادة 29/121 من تقنيين الإستهلاك الفرنسي التي نصت على أنه: «يحق للمشتري في كل عملية بيع عن بعد إعادة المنتج خلال مدة سبعة أيام كاملة تبدأ من تاريخ تسلمه سواء لإستبداله أو لاسترداد ثمنه دون مسئولية أو نفقات فيما عدا تكاليف الرد

 كما نص قانون الإستهلاك على حق المستهلك في الرجوع عن قبوله بالنسبة العمليات بيع السندات المالية خلال مهلة سبعة أيام فيما يخص العمليات الأولى، وخمسة عشر يوما خلال العمليات الأخيرة، وتتضمنها أيام الإجازات والعطلات، كما تم هذا القانون على مهلة ثلاثين يوما في حالة التأمين على الحياة، ويستثنى من تطبيق هذه النصوص عملیات الإقراض والتأمين وتوظيف الأموال

إن ممارسة المستهلك لحقه في العدول قد لا يجدي نفعا من الناحية العملية في بعض الحالات مثل عقود برامج الحاسب، وذلك إذا تم إرسالها بالبريد العادي، وقام العميل بفض الأختام ونزع الغلاف أو تم إرسالها إلكترونيا إلى ذاكرة الحاسب الخاص بالمستخدم

نص القانون الفرنسي للمعاملات الإلكترونية في المادة (29) على أنه يمكن للمستهلك العدول عن الشراء في مدة عشرة أيام تبدا بالنسبة للمنتجات من تاريخ تسلمها

و بالنسبة للخدمات من تاريخ إبرام العقد، ولكن القانون التونسي قرر استثناء على حق المستهلك في العدول، عدم جواز العدول عن الشراء في الحالات الآتية:

1- عندما يطلب المستهلك توفير الخدمة قبل انتهاء أجل العدول عن الشراء ويوفر البائع ذلك.

2- إذا تم تزويد المستهلك منتجات حسب متطلبات شخصية أو تزويده بمنتجات لا يمكن إعادة إرسالها أو تكون قابلة للتلف أو الفساد الإنتهاء مدة صلاحينها

3 – عند قيام المستهلك بنزع الأختام عن التسجيلات السمعية أو البصرية أو البرمجيات والمعطيات الإعلامية المسلمة أو نقلها آليا

4 – شراء الصحف والمجلات

ثالثا: الطبيعة القانونية للعقد الإلكتروني المتضمن حق العدول

الثابت أن الحق في العدول عن القبول أو العدول عن العقد طبقا لقانون الاستهلاك الفرنسي يتسم بالصفة التقديرية، فهو حق إداري محض ترك تقديره لكامل إرادة المستهلك، وفقا للضوابط القانونية، وهو حق يمس بالقوة الملزمة للعقد، ويشكل خروجا على هذا المبدأ

ولذلك ذهب كثير من الفقهاء في شأن تحديد الوصف القانوني للتعاقد مع الحق في العدول إلى بعض الأنظمة القانونية التي تتشابه معه مثل البيع بشرط التجربة أو المذاق، والبيع مع خيار العدول، والبيع المعلق على شرط واقف أو فاسخ، والوعد بالتعاقد، والعقد التدريجي.

ويرى جانب من الفقه أن حق العدول هو إعطاء المستهلك امكانيةفسخ العقد الذي ارتضاه على عجالة، وهو يعد إعتداء على مبدأ سلطان الإرادة في العقود

بينما ذهب جانب أخر من الفقه إلى القول بأن حق العدول هو مهلة قانونية معقولة للتفكير يرجى إبرام العقد خلالها، وذلك حماية للمستهلك من التسرع في إبرامه

على حين يرى البعض أن العقد الإلكتروني المتضمن حق المستهلك في العدول هو عقد غير لازم، فهو يعتبر في الواقع عقدا نافذا لانعقاده صحيا وبالتالي منتجا لآثاره القانونية ولكنه يتضمن حى العدول لمصلحة المستهلك فيستطيع العدول عنه وفقا لنظرية العقد غير اللازم لأحد طرفيه”

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي





أحدث المقالات
error: Content is protected !!