مفهوم الدولة

القانون الدستوري – مفهوم وعناصر الدولة

المطلب الأول : الإطار السوسيو تاريخي لنشأة الدولة :

مع تطور المجتمعات الإنسانية تطورت المؤسسات الاجتماعية وتطورت معها أنماط العيش وظهرت الحاجة إلى التنظيم داخل الجماعات الإنسانية, ويعتبر الزواج أول مؤسسة اجتماعية لجأ إليها الإنسان لتنظيم حياته ذلك أن الطبيعة البشرية مرتبطة بالغريزة الجنسية وقد حاول الإنسان تنظيم الغريزة الحرة وتهديها عن طريق أنظمة الزواج.

وبنشوء مؤسسة الزواج نشأت الأسرة ثم القبيلة فالعشيرة ونما لدى الإنسان الشعور بالانتماء لأفراد جماعة معينة, وقد ساهم اكتشاف الزراعة في تعزيز استقرار هذه الجماعات الإنسانية وتوطيد الشعور بالانتماء ليس فقط للجماعة الإنسانية بل للقطر أو البلاد التي تقطنها هذه الجماعات, حيث انتقلت هذه الجماعات من الحياة البدائية التي تقتضي التنقل طلبا للعيش إلى الحياة الاستقرار بعد اكتشاف الزراعة.

وتعتبر النزاعات و الخلافات المثيرة للحروب بين الجماعات الإنسانية المختلفة من بين العوامل التي ساهمت في توطيد أواصر الانتماء للجماعة وضرورة الدفاع عنها وعن ممتلكاتها وهذا ما يطلق عليه ابن خلدون مفهوم العصبية أي وجود شعور لانتماء بجماعة بشرية يؤدي بأصحابها إلى الإتحاد للدفاع عن تلك الجماعة و القتال من أجلها ويؤكد ابن خلدون أن الدولة تنشا بنشوء العصبية وتدوم بدوامها وبظهور الشعوب المختلفة و اللغات و الألسنة و العادات و الثقافات

المطلب الثاني : مفهوم الدولة

الدولة بالمعنى الاصطلاحي مشتقة من تداول يتداول أي تعاقب وتتالي على الشيء وقد ورد لفظ دولة في القرآن حيث يقول الله تعالى في المال الذي يدفعه الأغنياء للرسول زكاة الأموال: ” مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ” “آية 7 من سورة الحشر”.

أما بالمعنى القانوني فالدولة هي ” شعب يعيش بصورة دائمة فوق إقليم جغرافي محدد ويخضع في تنظيمه لسلطة سياسية معينة”

المطلب الثالث : عناصر الدولة :

ونستخلص من هذا التعريف أن الدولة تتكون من ثلاثة عناصر, الشعب و الإقليم و السلطة السياسية

الفقرة الأولى : الشعب :

يمثل الشعب عنصرا هاما من عناصر الدولة بل هو أساس وجودها فالجماعة الإنسانية الكثيرة العدد تشكل قوة وغلبة ضرورية لنشأة الدولة. لكن وجود الجماعة الإنسانية لا يكفي وحده لوجود الدولة ذلك أن هذه الجماعة لابد أن تتوفر على قدر من الانسجام و التالف الضروري لدوام استقرار الدولة, فلابد لهذه الجماعة أن يكون بين أفرادها شعور بالانتماء لنفس المصير, وهذا ما أدى بظهور مفهوم الأمة كأساس لنشأة الدولة

وقد تطور هذا المفهوم في أوروبا وأدى إلى ظهور عدة نظريات تحدد مفهوم الأمة ومميزاتها في ما يلي :

1 _ النظرية الموضوعية ترتكز هذه النظرية على تعريف الأمة بناء على عناصر موضوعية كاللغة و الدين والجنس والعرق, فالأمة بهذا المفهوم هي مجموعة من الأفراد المنتمين لنفس العرق وتربطهم نفس الروابط الدينية و اللغوية والتاريخية, وقد عرف هذا المفهوم للأمة أوجه مع التيار النازي الذي نادي بنظرية المحافظة على صفاء العرق الآري في ألمانيا وأدى بالتالي إلى ظهور ظاهرة التطهير العرقي والميز العنصري.

2 _ النظرية الشخصية : تطورت هذه النظرية في فرنسا وهي لا تركز على عنصر العرق بل تكتفي بالاعتماد على عناصر أخرى مثل الثقافة المشتركة والظروف التاريخية و الاقتصادية الرابطة بين أفراد الجماعة حيث تتميز الأمة بالشعور المشترك لذا الأفراد بالترابط و التضامن و الرغبة في العيش المشترك تحت نظام موحد, يقول جورج بوردو “الأمة هي حلم بمستقبل مشترك”

الفقرة الثانية : الإقليم:

الإقليم هو المساحة الجغرافية التي تبسط الدولة عليها نفوذها وتضم المجال الأرضي والجوي كما يمكن أن تضم أيضا المجال البحري, إذا كان الإقليم يقع جغرافيا على ساحل بحر أو أكثر , لذلك يقسم الإقليم إلى ثلاثة أقسام : الإقليم الترابي و الإقليم البحري و الإقليم الجوي

 أولا الإقليم الترابي : هي المساحة الترابية اليابسة التي تبسط الدولة عليها سلطتها, ولا يتوقف الإقليم الترابي عند سطح الأرض اليابسة بل يمتد إلى أعمق نقطة في مركز الكرة الأرضية بما في ذلك ما تختزنه الأرض من معادن كما يمتد إلى أعلى نقطة من المرتفعات الواقعة في حدود الدولة من هضاب وجبال.

ثانيا الإقليم البحري : ويقصد به المساحة الساحلية المتواجدة على أطراف الإقليم الترابي للدولة من شواطئ وبحيرات وتمتد مسافة الإقليم المائي على بعد 12 ميل بحري أي ما يعادل 852 كلم ابتداء من ساحل الدولة إلى غاية أعالي البحار التي تعتبر مجالا للملاحة الحرة المفتوحة لجميع الدول, ويدخل أيضا ضمن الإقليم المائي كل المساحات المائية الواقعة داخل حدود الإقليم الترابي من أنهار وبحريات تقع داخل حدود الدولة.

ثالثا الإقليم الجوي : ويشتمل المجال الجوي الذي يغطي المجال الترابي و المائي للدولة وذلك دون التقييد بعلو معين, وتمارس الدولة سلطتها على المجالات الثلاثة حيث تنظم الملاحة البحرية والجوية الواقعة داخل دائرتها الترابية و المائية وتدافع عن إقليمها بأجهزتها الأمنية الخاصة.

الفقرة الثالثة : السلطة السياسية :

السلطة السياسية هي القوة القاهرة التي تمتلكها الدولة لإخضاع الأفراد وإلزامهم باحترام القوانين وهي أيضا القوة القاهرة التي تسمح لها بحماية إقليمها الترابي والمائي والجوي فأين تمارس الدولة سلطتها السياسية؟ وما هي حدود هذه الممارسة؟ سوف نجيب على هذين السؤالين من خلال النقطتين التاليتين :

أولا : السيادة وهي السلطة والقوة القاهرة التي تمتلكها الدولة داخل حدودها القطرية و التي ينظمها القانون الدستوري على المستوى الداخلي للدولة ويحكمها القانون الدولي العام على المستوى الدولي الذي ينظم علاقة الدول فيما بينها,

وتتميز السيادة بالسمو والاستمرار الدائمين ذلك أنها تستمر باستمرار الدولة وليس باستمرار حكمها فتغيير الحكومات لا يؤثر على استمرار سيادة الدولة واستمرارها وذلك شريطة اعتراف المجتمع الدولي بشرعية هذه السلطة السياسية.

ثانيا : الشرعية وهي توافق الداخلي لأفراد الجماعة الإنسانية أو لأغلبيتهم على أحقية الحاكمين بامتلاك السلطة السياسية للدولة وينبغي تمييزها عن المشروعية التي يقصد بها التزام المؤسسات السياسية بالمقتضيات القانونية والدستورية التي سنها المشرع داخل الدولة,

فالمشروعية يقصد بها سيادة القانون والشرعية يقصد بها لأسس التي تقوم عليها سيادة الحاكم أو السبيل التي يمتلك بها سلطته.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!