الفرق بين البطلان و الإبطال

يعتبر كل من البطلان و الإبطال والفسخ جزاءات مدنية تم إقرارها من طرف المشرع لحماية أطراف العلاقة العقارية، والتي يلعب القضاء فيها دورا رئيسيا في تفعيلها.

ويتميز كل من البطلان والإبطال عن الفسخ في كون الإبطال يعود إلى خلل في تكوين العقد، بيد أن الفسخ يفترض فيه أن العقد نشأ صحيحا تماما لأركانه وشروط صحته، ثم أخل أحد طرفي العلاقة التعاقدية بتنفيذ التزاماته المحددة في العقد القائم بينهما، فيلجأ المتعاقد الأخر إلى طلب الفسخ ليتحلل هو أيضا من الإلتزام المترتب عليه. لذلك لا يتصور تطبيق الفسخ إلا في العقود التبادلية، على خلاف البطلان و الإبطال الذي يمكن تحقق تصورهما في العقود الملزمة لجانبين أو لجانب واحد

المبحث الأول: أحكام البطلان والإبطال

من أجل تحديد أحكام نظرية البطلان، فإننا نقف في البداية عند تعريفه وتمييزه عن غيره من المؤسسات المشابهة له، وتحديد حالاته (المطلب الأول)، قبل أن تنتقل إلى الحديث عن الإبطال (المطلب الثاني)

المطلب الأول: أحكام البطلان

سنتتطرق في هذا المطلب إلى تحليل ماهية نظرية البطلان، ومحاولة تمييزه عن المؤسسات المشابهة (الفقرة الأولى)، على أن نعرج للحديث عن حالاته (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: ماهية البطلان وتمييزه عن المؤسسات المشابهة له

في اللغة: بطل الشيء يبطل بطولا وبطلان: يعني ذهب ضياعا وحسرا. فهو باطل، والباطل نقیض الحق، والجمع أباطيل

أما في الاصطلاح: فقد أسهب الفقه في وضع تعاریف متعددة لهذه المؤسسية، من ذلك ما ذهب إليه الفقيه عبد الرزاق السنهوري حينما عرف بطلان العقد بأنه هو: “الجزاء القانوني على عدم استجماع العقد الأركانه كاملة مستوفية لشروطها”. وما ذهب إليه الفقيهين أوبري ورو اللذان عرفا البطلان بأنه: “عدم الصحة أو عدم النفاذ الذي يلحق تصرفا قانونيا لمخالفته لأمر أو نهي من المشرع “

غير أن هذه التعريفات كانت تغلب عليها سمة الجزاء الذي يعتبر نتيجة وليس تعريفا بالمفهوم الدقيق. إضافة إلى ذلك فالجزاء في حد ذاته مصطلح واسع يشتمل العقوبة و البطلان والتعويض

 وهذا كله يفضي إلى الالتباس والغموض. لذلك، فإن الفقيه حاول تفادي هذا العيب، وجاء بتعاريف للبطلان دون الوقوع في هذا الخلط، من ذلك ما ذهب إليه الأستاذ أحمد شكري السباعي” حيث عرف البطلان بأنه: “وصف يلحق التصرف القانوني لعيب فيه ويحرمه من آثاره”. ولعل ما يميز هذا التعريف كونه استطاع تجاوز العيوب التي وجهت للتعاريف السابقة.

البطلان والفسخ

يجتمع البطلان والفسخ في كونها يتفقان في الأثر المترتب على كل منها، المتمثل في انعدام الرابطة التعاقدية ، بل إن زوال العقد الباطل والعقد القابل للفسخ يتم بأثر رجعي. غير أن هناك اختلاف واضح بينهما، حيث إن البطلان هو بمثابة جزاء قانوني نتيجة عدم توفر أحد أركان العقد أو شرط من شروط الصحة. في حين أن الفسخ هو جزاء عن عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته المحددة في العقد القائم بينها.

البطلان والعقد الموقوف

 ينبغي تمييز العقد الباطل عن العقد الموقوف ذلك إذا كان العقد الباطل عقد منعدم، فإن العقد الموقوف هو عقد صحیح تام الأركان، لكنه لا ينتج آثاره سواء بين الأطراف أو اتجاه الأغيار إلا بإقراره أو إجازته، ومن أبرز نماذج العقل الموقوف حالة العقد الذي يتجاوز فيه الوكيل تعليمات الموكل حيث أن مصير هذا النوع من التصرفات تبقی موقوفة على إجازة الأصيل وإقراره لها.

 البطلان وعدم النفاذ

لقد قلنا سابقا أن البطلان يعدم العقد، ويمنعه من إنتاج آثاره سواء فيما بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير، وهو مختلف تماما عن عدم النفاذ الذي يقصد به عدم جواز الاحتجاج بالعقد في مواجهة الغير ولو كان هذا العقد صحيحا بمعنى أن آثار العقد تنحصر في نطاق أطراف العقد ولا تسري في مواجهة الغير بصورة كلية أو جزئية.

الفقرة الثانية: حالات البطلان

نصت الفقرة الثانية من الفصل 306 ق.ل.ع على ما يلي:

” ويكون الالتزام باطلا بقوة القانون:

1 – إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه

2 – إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه”

يتضح لنا من هذه الفقرة أن العقد یکون باطلا، إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقياسة (أولا)، أو في الحالات التي يقرر فيها القانون بطلان العقد بمقتضى نص خاص (ثانيا).

أولا: بطلان العقد لنقصان أحد أركانه

يقع العقد باطلا إذا كان ينقصه ركن من الأركان اللازمة لانعقاده، فهكذا مثلا إذا اقتصر تراضي الطرفين على شمول بعض العناصر الأساسية للعقد دون البعض الآخر، كأن يهمل المشتري والبائع تحديد الثمن في عقد البيع

أو إذا وقع تراضي الطرفين على بعض شروط البيع واحتفظا صراحة بشروط أخرى معينة لكي تكون موضوعا لاتفاق لاحق، فإن البيع في الحالتين لا ينعقد، ويكون باطلا تخلف ركن التراضي المعتبر فيه. وإذا صدر تصرف عن صغير غير مميز، كان تصرف باطل لأن ركن الأهلية لم يتحقق في هذا التصرف، و إذا كان محل الالتزام التعاقدي غير موجود، كأن يتم التعاقد على شيء قد هلك قبل التعاقد، أو كان مما لا يجوز التعامل فيه، كأن يتعاقد على مواد مخدرة فإن التعاقد يقع باطلا لتخلف ركن المحل.

وإذا كان الالتزام التعاقدي لا يتوفر على سبب، كان يتعاهد وارث للموصى له بتنفيذ الوصية، ثم يتبين أن الموصي قد رجع عن الوصية وقع العقد باطلان لأن ركن السبب لم يتوفر فيه.

ثانيا: البطلان بمقتضى نص في القانون

يقع العقد باطلا إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه. فقد يحصل أن يكون العقد مستجمعا لكافة أركانه، ولكن المشرع يري لاعتبارات تتعلق بالنظام العام أن يقرر بطلانه . فهكذا مثلا قرر المشرع بطلان كل تصرف يتعلق بتركة إنسان على قيد الحياة. وأيضا قرر بطلان اشتراط الفائدة بين المسلمين وبالتالي بطلان عقد القرض المتضمن اشتراطا من هذا القبيل

المطلب الثاني: أحكام الإبطال

إن دراسة هذا المطلب تقتضي منا البدء بمفهوم الإبطال (الفقرة الأولى) مرورا بالحالات التي يكون فيها العقد قابلا للإبطال (الفقرة الثانية) ثم الدعوى الناشئة عن الابطال (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: مفهوم الإبطال

الإبطال هو الجزاء الذي يرتبه المشرع إما على الإخلال بشرط من شروط صحة العقد كوجود عيب من عيوب الرضى، وإما بموجب نص قانوني يمنح حق الأبطال لأحد المتعاقدين” بحيث كان الإبطال في ظل النظرية التقليدية للبطلان يطلق عليه بالبطلان النسبي أي يدخل ضمن مفهوم البطلان، لكن مع النظرية الحديثة التي تم بموجبها التمييز بين البطلات والابطال باعتبار هذا الأخير جزاء للعقد مستقل عن الأول

الفقرة الثانية: حالات إبطال العقد

نص الفصل 311 من ق.ل.ع على أنه:

“يكون لدعوى الإبطال محل في الحالات المنصوص عليها في الفصول 4 و 39 و 55 و 56 من هذا الظهير، وفي الحالات الأخرى التي يحددها القانون، وتتقادم هذه الدعوی بسنة في كل الحالات التي لا يحدد فيها القانون أجلا مخالفا ولا يكون هذا التقادم محل إلا بين من كانوا أطرافا في العقد”

إذن من خلال قراءة المقتضي أعلاه يتبين لنا أن التصرفات الموجبة للإبطال تحدد فيما يلي:

أولا: حالة إبطال العقد بسبب نقصان الأهلية لدى أحد المتعاقدين سواء كان راجعا لعامل لسن أو يتعلق الأمر بسوء التدبير أو عدمه كما هو الشأن لسفيه والمجنون

ثانيا: حالة إبطال العقد بسبب عيب من عيوب الإرادة كالغلط والتدليس والإكراه أو الغبن متی توفرت الشروط المنصوص عليها في الفصول (54-55-56) من ق.ل.ع أي متى يرتبط الغبن بالاستغلال أو التدليس أو يكون المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية

ثالثا: يتقرر الإبطال كذلك بمقتضى نص قانوني صريح، ومن أمثلته نذكر ما جاء به الفصل 485 من ق.ل.ع بخصوص بيع ملك الغير، حيث تضمن الفصل المذكور أن بيع ملك الغير يقع صحيحا إذا أقره المالك أو إذا ملك البائع فيما بعد ملكية المبيع، وفي حالة رفض المشرع الإقرار كان للمشتري أن يبطلب فسخ البيع” والجدير بالذكر على أن بيع ملك بخصوص الجزاء المدني فيه نقاش بين من يقول انه تصرف قابل للإبطال حماية للمشتري الذي يفترض أنه حسن النية، وبين من يقول انه قابل للفسخ لاستحالة التنفيذ، وبين من يقول انه عقد موقوف على موافقة المالك، ويبدو الرأي الذي اعتمدته جل التشريعات هو القابلية للإبطال

الفقرة الثالثة: دعوى الإبطال

أولا: طبيعة دعوى الأبطال

تعتبر دعوى الإبطال دعوی شخصية تهدف الكشف عن أحد العيوب التي قد تصيب الإرادة و محو آثاره القانونية التي تنشأ عن عقد شابه عيب، بحيث قد تكون دعوى ذات طابع احتياطي عندما يطالب المتعاقد الذي يتقرر الإبطال لمصلحته بالإبطال قبل تنفيذ العقد، أو ذات طابع استردادي بأثر وجعي وذلك عندما يكون الهدف من لإبطال هو إرجاع الحال على ما كان عليه.

ويتضح لنا من خلال ما سبق أن الطابع الشخصي في دعوى الإبطال أكثر وضوحا منه في دعوى البطلان بقوة القانون وذلك في كون العقد القايل للإبطال هو في الأصل عقد موجود غير انه قد ينطوي على عيب قد يؤدي لإبطال العقد، كما يمكن إبطال العقد في حالة القرض بفائدة التي نص عليها الفصل 878 من ق ل ع .

ثانيا: الأشخاص الذين يحق لهم التمسك بدعوى الإبطال

إن كانت دعوى البطلان لا تقتصر على أشخاص يمكنهم إثارتها باعتبارها دعوى عامة ممزوجة بالنفع الخاص، غير أنه الحال على خلاف ذلك في دعوى الإبطال التي تهدف إلى حماية المصالح الخاصة إذ نجد جميع التشريعات بما في ذلك التشريع المغربي تجعل هذه الدعوى حقا لأحد الطرفين دون الآخر، وقد يكون هذا الطرف هو المتعاقد الذي ذهب ضحية عيب من عيوب الإرادة، كما لا يسوغ لممثل النيابة العامة أن يقيم دعوى الإبطال ولا تمتلك المحكمة أن تقضي بها من تلقاء نفسها.

أما الشخص الذي ترفع عليه الدعوي فهو المتعاقد الأخير الذي استفاد من غلط الضحية أو عدم خبرته أو حاجته أو طيشه أو مرضه”.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!