العوامل المؤثرة في اللامركزية الإدارية

العوامل المؤثرة في اللامركزية الإدارية

العوامل المؤثرة في اللامركزية الإدارية

إن نظم اللامركزية الإدارية تتباين من دولة لأخرى، كما قد تتباين في إطار الدولة الواحدة من مرحلة الأخرى، ويرجع ذلك إلى أن النظام المحلي نظام فرعي للنظام الاجتماعي ككل، ومن ثم فإنه يتأثر بالعوامل السياسية والاجتماعية و التاريخية والثقافية التي يوجد فيها، وإن دراسة بيئة النظام اللامركزية المحلي أو ما يسمى “ايكولوجية الإدارة المحلية” يساعد على تحليل و فهم الدور الذي تقوم به وحدات الإدارة المحلية أو عند مقارنة بين هذه الوحدات بعضها البعض، سواء داخل الدولة الواحدة، أو بين دولة و أخرى، وتتمثل العوامل البيئية المؤثرة في نظم اللامركزية فيما يلى:

المطلب الأول: العوامل الجغرافية والطبيعية:

تعتبر الظروف الجغرافية ووسائل المواصلات من العوامل المؤثرة على الإدارة المحلية، وتحديد بنائها التنظيمي و تشکيلتها، وتحديد الحدود الإدارية لوحداتها.

فنجد المناطق المعزولة جغرافيا يؤثر النظام اللامركزية على العلاقة بين العاصمة والمناطق الأخرى البعيدة عنها، نتيجة لضعف الاتصال بين المستوى المركزي والمستويات الأخرى الإقليمية، وكما يتأثر نظام اللامركزية بمساحة الدولة؛ فالدولة ذات المساحة الشاسعة ومترامية الأطراف تكون في حاجة ضرورية إلى وجود لامركزية قوية مثل الجزائر، وعلى العكس من ذلك، قد لا تكون هذه الحاجات في نفس الدرجة بالنسبة للدولة صغيرة الحجم مثل تونس.

وتؤثر تضاريس الدولة على النظام اللامركزية المطبق فيها، لاسيما ما يتعلق بتوزيع الأقاليم الطبيعية في نطاقها، إذ يرى بعض الملاحظين بأن النظام اللامركزية الذي يمكن تطبيقه في المناطق الصحراوية والجبلية يختلف عن ذلك الذي يطبق في السهول، لاختلاف طبيعة السكان وتباين وسائل معيشتهم، ففي المناطق الصحراوية والجبلية تسود أنماط الإدارة التقليدية بسبب عدم توفر مكونات المجتمعات الحديثة في هذه المناطق الكثافة السكانية وحركياتها الاقتصادية …، وتؤدي في الغالب عزلة المناطق الجبلية عن العاصمة بسبب ضعف المواصلات بينها إلى دعم الاستقلال الذاتي للسلطات المحلية وضعف علاقتها بالحكومة المركزية.

وعلى خلاف ذلك، فإن انبساط إقليم الدولة وخلوه من العوائق الطبيعية، يسهل من تدخل الحكومة المركزية في شؤون الوحدات المحلية ومد رقابتها إليها.

وتؤكد بعض الدراسات الميدانية أن الموقع له أهمية في نجاح الوحدة المحلية في تحقيق التنمية، بالمقارنة بوحدات محلية أخرى لا تتمتع بنفس الموقع، فنجاح السلطة المحلية يرتبط بوظيفة الموقع، لأنه هو الذي يحدد الإمكانات الاقتصادية والقاعدة الأساسية للدخل والإيرادات، فجميع الوحدات المحلية الناجحة إما هي في مناطق حضارية ذات حركة نسبيا أو في مناطق ريفية تتمتع بإمكانيات طبيعية مهمة، ومع ذلك فإن الموقع ليس شرطا كافيا للنجاح، إذ هناك وحدات محلية كثيرة في مناطق ذات إمكانيات عالية في دول عديدة، ولكنها ليست فعالة في تعبئة و استخدام الموارد.

المطلب الثاني: العوامل التاريخية

تتمثل العوامل التاريخية التي تؤثر في نظام اللامركزية في: أسلوب نشأة الدولة، الاستعمار، وأسلوب نشأة نظام اللامركزية وتطوره، وباختصار يكفي أن نشير إلى أنه في حالة نشأة الدولة من إتحاد عدد من الأقاليم ذات الخصائص المتميزة، فإن نظام الإدارة المحلية هنا لابد أن يعكس خصائص هذه الأقاليم، من حيث البناء التنظيمي و أسلوب تشكيل المجالس المحلية، ولكن نشير أيضا إلى أن الاستعمار يؤثر إلى حد كبير على النظام المحلي في الدول التي استعمرت، فنظم الإدارة المحلية في دول المغرب العربي قد تأثرت بنظام الإدارة المحلية في فرنسا).

حيث أصبحت الدول المغاربية تميل إلى الحكم المركزي أو عدم التركيز الإداري حتى تحكم قبضتها من خلال ممثليها في الأقاليم، رغم أن التاريخ السياسي يؤكد أن من حقوق المجتمعات المحلية حكم نفسها بنفسها، وهو ما يمكن أن يكون سندا لهذه المجتمعات في مقاومة أي تطوير النظام الإدارة المحلية طبقا للرؤية الخارجية.

المطلب الثالث: العوامل الاجتماعية والثقافية

تعتبر العوامل الاجتماعية والثقافية من بين العوامل الشديدة في النظام اللامركزية وتطبيقه، فتوزيع الكثافة السكانية غير المتجانسة على الأقاليم كتضخم حجم المدن وتكدسها بالسكان يصعب من إدارتها، وينعكس سلبا على الحضر والريف معا.

فمن ناحية، يؤدي النمو الحضاري السريع إلى زيادة المشكلات في الحضر وانتشار المناطق العشوائية، مما يصاحبه انتشار في الآفات الاجتماعية كالمخدرات والإيدز تهدد الأمن القومي، ومن ناحية أخرى يؤدي إلى حرمان المناطق الريفية من الكفاءات التي تكون في أشد الحاجة إليها.

كما تظهر معدلات النمو السكاني تأثيرها على الإدارة المحلية، حيث كلما كان انخفاض في معدلات النمو الطبيعي للسكان والتركيب العمري لهم كلما أدى ذلك إلى التقليل من درجة الفقر و ارتفاع مستوى المعيشة، لأن من وجهة الإدارة المحلية بأن السلطات المحلية عوض أنها تبقى تؤدي خدمات أساسية لانخفاض معدلات النمو السكاني فرصة للتوسع في خدمات الرفاهية للمواطنين المحليين، كما يؤدي انخفاض معدلات الزيادة السكانية إلى زيادة القدرات المالية للسلطات المحلية بارتفاع حجم فئة الممولين من دافعي الضرائب والرسوم المحلية، والحد من الإنفاق المحلي على الفئة غير المنتجة وهي فئة الأطفال التي تحتاج إلى الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية.

وكذلك فإن تعدد الأصول الجنسية في نطاق الدولة يؤثر على الإدارة المحلية، ويتوقف ذلك التأثير على كيفية معالجة هذه الظاهرة من طرف الدولة، فقد تمارس الدولة المزيد من الرقابة على الوحدات المحلية حتى تقضي على الطابع المميز لهذه الأقليات والطوائف وصهرها في المجتمع بقوة السلطة حتى لا تصبح مراكز قوة تهدد وحدة الدولة، فهو ما يعني إضعاف الإدارة المحلية.

ولكن إذا ترغب الحكومة المركزية في إنشاء وحدات محلية متجانسة اجتماعيا فإنها سوف تعمل على تقوية هذه الوحدات وزيادة درجة استقلالها و اختصاصاتها وسلطتها.

وعلى عكس ما سبق ذكره، فإذا كانت الدولة متجانسة، فإنه يكون من السهل تقسيم الدولة إلى وحدات محلية، وتطبيق نمط واحد من الوحدات المحلية وصلاحيات واختصاصات وتشكيل المجالس المحلية على مستوى الدولة.

المطلب الرابع: العوامل الاقتصادية

إن طبيعة النظام الاقتصادي في الدولة ينعكس على نظام اللامركزية فيها، إذ أن في الفترة التي كانت الدولة تتدخل في الحياة الاقتصادية كان للوحدات المحلية دور يتمثل في إنتاج السلع وتقديم الخدمات للمواطنين في إطار عملية التنمية الوطنية، ولكن في ظل التوجه العالمي إلى اقتصاد السوق وتبني سياسات الإصلاح الاقتصادي حدث تحول في دور الدولة، ومن ثم دور الوحدات المحلية، حيث لم تعد الوحدات المحلية المسؤولة الوحيدة في تقديم الخدمات المحلية والإنتاج، بل أصبح بمقدرتها إسناد بعض هذه النشاطات إلى القطاع الخاص من خلال التعاقد، ومع ذلك فإن الشيء الملاحظ في الدول التي تعتمد على قطاع النفط قد أثر على مواردها المحلية، حيث أنها تعتمد على التحويلات المركزية بدل استقلال مواردها المالية.

ومن جانب أخر، حتى تتصف الإدارة المحلية بصفة المحلية تتوقف في المجال الاقتصادي على طبيعة الاقتصاد المحلي، إذ في الواقع نجد أن النشاط الاقتصادي في المدنية يختلف عن القرية، كما يختلف بين المدن نفسها، فنجد مثل المدنية التجارية أو الصناعية، وهذه الاختلافات لها تأثيرها على الحياة السياسية في تلك المناطق من خلال تأثيرها على الثقافة السياسية للأفراد الذين ينقلون الاتجاهات والتوقعات الثقافية لمهنهم إلى العملية السياسية، وكما تقوم ظروف وبنية الاقتصاد المحلي في تحديد مدى قدرة الوحدات المحلية على القيام بدورها وتقديم الخدمات للمواطنين المحليين.

المطلب الخامس: العوامل السياسية

إن القيم والمبادئ السياسية في الدولة تنعكس على تشكل نظامها اللامركزية، لأن هذا الأخير يعتبر في المقام الأول نظاما فرعيا للنظام السياسي، فهو يتأثر بالعوامل السياسية، إذ ليس من المنطق قيام نظام محلي ديمقراطي في دولة لا تمارس ديمقراطية على المستوى المركزي

إن في الدول الديمقراطية المجالس المحلية يتم تشكيلها بالانتخاب المباشر، وتتمتع بصلاحيات واختصاصات أكبر نسبيا من مثيلاتها في الدول الديمقراطية التي لا تقبل بسهولة التنازل عن السلطة.

وبالنظر إلى واقع الدول النامية في ظل دور السلطة التنفيذية وعلاقتها بالسلطة التشريعية، فإن هذه الدول يتمتع رئيس الدولة وأعضاء السلطة التنفيذية بسلطات قوية في مقابل ضعف السلطة التشريعية، رغم إقرارها بالفصل بين السلطات، ولهذا يكون تحصيل حاصل في هذه الدول أن يكون دور المجالس المحلية محدودا في مواجهة الرؤساء التنفيذيين الذين يمثلون السلطة التنفيذية في أقاليمهم أو بلدياتهم.

إن عدم الاستقرار السياسي للدولة وبالذات عندما يتعلق الأمر بالسياسة العامة، يؤدي بالدولة الإعادة الاستقرار إلى إدخال تغيرات عديدة في الإدارة المحلية، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف عملية بناء النظام المحلي، بينما إذا كان سير الوظيفة المحلية يتماشى مع الاستقرار السياسي للدولة، فإن ذلك يمنح الفرصة للوحدات المحلية للتمتع بالمزيد من السلطات والاختصاصات، طالما أن الحكومة المركزية لا تجد مبرر تتخوف منه من الإدارة المحلية

 ومما سبق، يتضح بأن النظام المحلي في أي دولة من الدول هو وليد من العوامل المختلفة والمتفاعلة فيما بينها ولهذا من الضروري بمكان إدراك هذه العوامل عقد المقارنة بين نظام لا مركزي وآخر، أو عندما يتم البحث في مدى نجاح أو فثل الوحدات المحلية في داخل النظام المحلى الواحد.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!