العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

بدأت لجنة حقوق الإنسان في إعداد عهد دولي خاص بحقوق الإنسان منذ عام 1949، وفي قرارها رقم 421 المؤرخ بتاريخ 4/ 12 ديسمبر 1950، قررت تضمين مشروع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حقوقا اقتصادية واجتماعية وثقافية، غير أنها عدلت عن وضع عهد واحد، حين طلبت في دورتها السادسة المعقودة في عام 1952 إلى لجنة حقوق الإنسان إعداد مشروعي عهدين خاصين بحقوق الإنسان يشمل أحدهما الحقوق المدنية والسياسية ويشمل الأخر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والبروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد بقرارها رقم 2200 المؤرخ في 16 ديسمبر 1966، إذ أقرته الجمعية بأغلبية 106 أصوات وبدون معارضة، ودخل حيز النفاذ في 23 مارس 1976 طبقا للمادة 49 منه، بعدما صادقت عليه 35 دولة وهو العدد المطلوب لنفاذه

كما اعتمدت الجمعية العامة بموجب القرار 44/ 1128 المؤرخ في 15 ديسمبر 1989 بروتوكولا اختياريا ثانيا ملحقا بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، والمتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، ودخل حيز النفاذ بتاريخ 11 جويليه 1991، وذلك بعد أن صادقت عليه 10 دول وهو العدد المطلوب لدخوله حيز التنفيذ طبقا للمادة 8 من البروتوكول

1 – الحقوق المحمية في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

تضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ديباجة وخمسة أجزاء تشكل في مجملها 53 مادة، وقد تضمنت الديباجة الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة الدولية على أساس الحرية والعدالة والسلام وتعزيز الاحترام العالمي الحقوق الإنسان، وأن على الفرد واجبات إزاء الآخرين وإزاء الجماعة التي ينتمي إليها الفرد مسؤولية السعي إلى تعزيز ومراعاة الحقوق المقررة في العهد .

تجدر الإشارة إلى أن الديباجة لم تشر صراحة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كأساس للعهد أو كمصدر له، فهي تربط الأهداف المذكورة في العهد مباشرة بميثاق الأمم المتحدة، غير أنها تؤكد على أن حقوق الإنسان تكمل بعضها البعض ولا يمكن تجزئتها أو فصلها.

بينما يحتوي مضمون الاتفاقية على ستة أقسام حيث يضم مجموعة من الحقوق أوسع بكثير من تلك التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد تضمن القسم الأول حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحريتها في اختيار نظامها السياسي ، في حين تضمن القسم الثاني التزام الدول باحترام وتأمين الحقوق الواردة فيه لكل الأفراد دون تمييز لأي سبب كان، وبهدف تحقيق ذلك تتعهد الدول باتخاذ كافة التشريعات اللازمة التنفيذ أحكام العهد.

وقد أخذ العهد بعين الاعتبار التوازن بين مصالح واعتبارات الأمن القومي للدولة وضمان احترامها لحقوق الإنسان، حيث أجاز تعليق بعض نصوصه في حالات محددة كحالات الطوارئ الاستثنائية، وذلك بموجب المادة 4/1 .

وفي مقابل وجود نصوص تسمح بتعليق بعض الحقوق توجد نصوص تمنع انتهاك بعض الحقوق الأخرى في أي وقت من الأوقات وتحت أي ظرف من الظروف، وتسمى هذه الحقوق بالحقوق المقدسة لأهميتها بالنسبة للإنسان كالحق في الحياة والحق في السلامة الجسدية ومنع التعذيب والمعاملة القاسية أو الوحشية والرق وحرية الضمير والعقيدة والحقوق المرتبطة بالعدالة الجنائية كقرينة البراءة وعدم رجعية القوانين الجزائية و مبدأ شرعية العقوبة.

2- تدابير تنفيذ أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:

بغرض تنفيذ مختلف الأحكام التي تضمنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فقد أنشأ هذا الأخير بموجب المادة 28 منه هيئة من الخبراء للإشراف على تنفيذه تتمثل في اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، أسند إليها أربع وظائف رئيسية تتمثل في تلقي التقارير المقدمة من الدول الأطراف ودراستها سواء التي صادقت على العهد أو انضمت إليه، فيما يخص التدابير التي اتخذتها لتنفيذ أحكام العهد؛ تفسیر مختلف أحكام العهد الدولي، ومساعدة الدول على تنفيذه؛ تلقي شكاوى الدول، حيث يمكن لدولة طرف أن تقدم شكوى تفيد أن دولة أخرى طرف لا تفي بالتزاماتها المحددة بموجب العهد؛

تتلقى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان وتدرس الرسائل الواردة من الأفراد الذين يزعمون أن دولة طرفا في العهد إنتهكت حقوقهم الأساسية، وقد حددت هذه الوظيفة في البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد، والذي اعتمد من طرف الجمعية العامة بموجب القرار 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول/ديسمبر 1966، ودخل حيز التنفيذ في 23 آذار / مارس 1976 طبقا للمادة 09 منه.

تضم اللجنة المعنية بحقوق الإنسان 18 عضوا يشترط فيهم أن يكونوا من مواطني الدول الأطراف في العهد، و يكون الأعضاء من ذوي الصفات الخلقية العالية والمشهود بكفاءتهم في مجال حقوق الإنسان، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية اشتراك بعض الأشخاص من ذوي الخبرة القانونية، ويعمل أعضاء اللجنة بصفتهم الشخصية وليس كممثلين عن دولهم .

كما ينتخب أعضاء اللجنة باقتراع سري من طرف الدول الأطراف لولاية مدتها أربعة أعوام، وتجري انتخابات لنصف الأعضاء في فترات زمنية فاصلة على أساس كل سنتين بمقر الأمم المتحدة بنيويورك أثناء الدورة السنوية للجمعية العامة، وينتخب الأعضاء رئيسهم ومقررهم لولاية مدتها عامان.

إن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان تعقد غالبا ثلاث دورات تدوم كل واحدة منها ثلاثة أسابيع خلال العام الواحد، وتعقد هذه الدورات بمقر الأمم المتحدة بنيويورك و بمكتب الأمم المتحدة بجنيف في الصيف والخريف، لكن يجوز للجنة أن تجتمع في مكان أخر، و عليه عقدت بناء على دعوة جمهورية ألمانيا الاتحادية، دورة في بون عام 1981 ، وتتلخص وظائف اللجنة فيما يلي:

أ- تلقي التقارير المقدمة من طرف الدول ودراستها

عملا بالمادة 40 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فان جميع الدول المصادقة على العهد أو المنضمة إليه تلتزم بتقديم تقارير إلى اللجنة عن التدابير التي اتخذتها لتنفيذ الحقوق المقررة فيه، وعن التقدم المحرز في حماية تلك الحقوق، وذلك خلال سنة من بدء نفاذ العهد بالنسبة للدول المعنية، أو متى طلبت اللجنة من الدول تقديم هذا التقرير .

ب- دراسة البلاغات التي تقدم من دولة طرف ضد دولة طرف أخرى

استنادا إلى المادة 41 من العهد يجوز لأية دولة طرف في العهد أن تعترف باختصاص اللجنة في استلام التبليغات التي تتضمن ادعاءات دولة طرف بأن دولة أخرى لا تقوم بأداء التزاماتها المذكورة في العهد، شريطة أن تعترف الدولتان مسبقا باختصاص اللجنة في استلام هذه التبليغات ودراسته.

وفي حالة عدم تسوية الأمر بالتراضي خلال 06 أشهر من تاريخ استلام الدولة المستلمة للتبليغ يحال الأمر على اللجنة التي تنظر فيه بعد ما تتأكد أن كل الطرق المتوفرة قد استنفذت و بدون جدوى، وهنا تتدخل اللجنة باقتراح مساعيها الحميدة لإيجاد حل ودي، وإذا لم يتم ذلك تعين اللجنة لجنة توفيق تتكون من 05 أشخاص توافق عليها الدول المعنية استنادا لما جاء في المادة 42 من العهد. وتقوم لجنة التوفيق بإعداد تقرير ورفعه إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، يتضمن كل الوقائع والملاحظات المتعلقة بإيجاد حل ودي خلال 12 شهرا.

ج۔ دراسة شكاوى الأفراد

إن من أبرز الدلائل عن التطور الذي شهدته الحماية الدولية لحقوق الإنسان، حق الأفراد الذين يزعمون أن حقوقهم وحرياتهم قد انتهكت في مطالبة الدولة المعنية بتبرير أفعالها، إذا كانت الدولة طرفا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

بموجب المادة الأولى من البروتوكول الاختياري، فانه تعترف كل دولة طرف في هذا البروتوكول، باختصاص اللجنة في استلام ونظر الرسائل المقدمة من الأفراد الداخلين في ولاية تلك الدولة الطرف والذين يدعون أنهم ضحايا أي انتهاك من جانبها لأي حق من الحقوق المقررة في العهد، غير أنه لا يجوز للجنة استلام أية رسالة تتعلق بأية دولة طرف في العهد لا تكون طرفا في هذا البروتوكول.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!