العلاقة بين القانون الدولي العام والقانون الوطني

العلاقة بين القانون الدولي العام والقانون الوطني

العلاقة بين القانون الدولي و القانون الوطني

أثارت علاقة القانون الدولي بالقانون الوطني جدلا بين فقهاء القانون تمثل في الخلاف حول الأولوية بين القانونين، و مشكلة التنازع التي قد يتعرض لها القاضي الوطني. فهل توجد علاقة بين القانون الدولي والقانون الوطني؟ وهل هي علاقة مساواة أم استقلال أم علاقة اندماج ووحدة ؟ وما هي الآثار التي تترتب على هذه العلاقة؟

ويسود الفقه الدولي نظريتان حول العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي، ولكل نظرية حجج ومبررات ونتائج.

أولا : نظرية إزدواج القانون

يرى أنصار هذه النظرية أن القانونين منفصلين ويختلفان عن بعضهما سواء من حيث الجوهر أو الأساس أو الأشخاص أو المصدر. أما من حيث المصدر، فإن مصادر القانون الوطني هي عبارة عن مجموعة من القواعد تضعها السلطة الوطنية المختصة (التشريعية) أو أعراف نشأت داخل المجتمع، بينما مصادر القانون الدولي هي اتفاقيات أو معاهدات عقدتها الدول فيما بينها أو أعراف تكونت نتيجة التعامل الدولي.

كما يختلف القانونين من حيث السلطة القائمة على تطبيق القانون فلا توجد سلطة مركزية عليا في المجال الدولي كما هو الحال في المجال الداخلي، ويترتب على ذلك أن القانون الوطني قانون قسري تقترن فيه القاعدة القانونية بجزاء منظم، بينما يفتقر القانون الدولي إلى هذه الخاصية.

هذا بالإضافة إلى الأشخاص، فأشخاص القانون الدولي هم الدول والمنظمات الدولية ، أما أشخاص القانون الداخلي فهم الأفراد.

و قد تعرضت هذه النظرية إلى عدة انتقادات أهمها أنها تتجاهل حقيقة القاعدة القانونية وتخلط بين القاعدة ووسائل التعبير عنها. إن اختلاف مصدر القاعدة القانونية لا يمكن أن يكون سببا لاختلافها، كما لا ينبغي الخلط بين أصل القاعدة ووسائل التعبير عنها. فمصدر القاعدة في القانونين هو الدولة.

كما أن اختلاف المخاطبين بأحكام القاعدة القانونية لا يعني تغيير صفة القاعدة في القانون الداخلي هناك قواعد موجهة للأفراد وبعضها موجه للدولة. كما أن اعتبار القاعدة القانونية معدومة بالنسبة لأحد النظامين وموجودة في نفس الوقت بالنسبة للأخر أمر غير منطقي ولا يؤكد الاستقلال وإنما يؤكد تدخل أحد القانونين في الأخر بإلغاء أحكامه المعارضة له.

ثانيا : نظرية وحدة القانون

يرى أنصار هذه النظرية أنه لا فرق بين القانونين وأنهما يمثلان ظاهرتين في قانون واحد ذلك أن النظام القانوني بجميع فروعه الداخلية والخارجية يشكل وحدة لا تتجزأ تقوم على علاقة التبعية والتدرج بين الفروع. والقاعدة القانونية عمل معياري، ينجم عن حكمة العقل البشري، وعن مبادئ العدالة والإنصاف الثابتة في كل زمان ومكان وتهدف إلى تنظيم سلوك المخاطبين بأحكامها،

وعليه فالقاعدة القانونية واحدة في جوهرها إن اختلف مجال تطبيقها. ولا ينبغي الخلط بين الشكل والمضمون عند الكلام عن ازدواجية المصادر والأشخاص.

و مهما يكن من أمر فإن أنصار مذهب وحدة القانون مع زعمهم بوحدة القانونين الدولي و الداخلي إلا أنهم انقسموا فيما بينهم بشأن أسبقية أو أولوية أحدهما على الآخر وفق ما يلي:

أ : وحدة القوانين مع سيادة القانون الدولي

 يتزعم هذا الرأي الفقهاء: “كليفر” و “ديجي” و “جورج سل” و كلسن” و آخرون، و هم يرون أن قواعد القانونين الدولي و الداخلي تؤلف كتلة واحدة و كلا لا يتجزأ، بل هما فرعان لنظام قانوني واحد و ليس هناك اختلاف بينهما لا في المصادر ولا في الموضوع و لا حتى في الطبيعة على النحو الذي تم توضيحه.

و تأسيسا على ذلك فالقانون الدولي ليس إلا جزء من قانون الدولة (قانون عام خارجي) يختص بتنظيم علاقاتها مع الدول الأخرى مع اعتباره في الوقت نفسه الجزء الأسمى أو الأعلى من قانونها، و هكذا فالتعارض المحتمل بين القواعد الداخلية و الدولية يتم رفعه بتطبيق قاعدة سمو القانون الدولي على القانون الداخلي من منطلق أن القاعدة الدولية تنسخ تلقائيا القاعدة الداخلية.

ب : وحدة القانونين مع سيادة القانون الوطني

لا ينكر هذا الرأي بدوره وحدة القانونين و اعتبارهما فرعين لنظام قانوني واحد، غير أن أنصاره و منهم كوفمان” يذهبون إلى أن القانون الدولي مشتق من القانون الداخلي، لكن في حالة التعارض المحتمل بينهما يرجح القانون الداخلي لأنه الأصل حيث أن الدول في التزاماتها الدولية محكومة بقانونها الداخلي، لا سيما الدستور الذي يحدد كيفية و نطاق هذه الالتزامات حتى تكسب قوتها القانونية داخل الدولة و تنقذ كما تنقذ قواعد القانون الداخلي.

و لكن هذا الطرح يبدو ضعيفا لتقييده التزامات الدولة بدستورها، لأن الدستور قد يعدل أو يلغي و لكن التزامات الدولة المقررة طبقا له تستمر باستمرار الشخصية المعنوية لهذه الأخيرة.

خلاصة :

الحقيقة أن القانون الدولي و القانون الداخلي لا يؤلفان كتلة واحدة لأنهما نظامان قانونيان مختلفان ، إلا أن القانون الدولي أسمي من القانون الداخلي، و لعل التداخل الكبير بينهما يعكس هذه الحقيقة حيث يتجلى فيما يلي:

1- خضوع الدولة القواعد القانون الدولي يقتضي منها التوفيق بين قواعد هذا القانون و قانونها الداخلي عن طريق إصدار تشريعات تكفل تنفيذ التزاماتها الدولية ، أو تكييف تلك التشريعات مع هذه الالتزامات تعديلا أو إلغاء.

2- تحمل الدولة للمسؤولية الدولية عن كل إخلال أو خرق لقواعد القانون الدولي.

3- تضمن القوانين الداخلية لكثير من القواعد الدولية كقوانين إنجلترا و ألمانيا و إيطاليا و الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في مجال امتیازات و حصانات المبعوثين الدبلوماسيين و الأحكام التي تضمن تطبيق قواعد الحياد أثناء الحرب و المقتضيات التي ينبغي مراعاتها أثناء سريان القتال القانون الدولي الإنساني، و معظم القواعد المتعلقة بحقوق الإنسان.

4- لا يؤكد الواقع الأولي سيادة إحدى النظريتين السابقتين بشكل قاطع، و لكنه يكرس أولوية القانون الدولي وسموه، حيث يثبت العمل الدبلوماسي و الاجتهاد الدولي، و حتى الداخلي أن القانون الأولي و رغم الانتهاكات المتكررة بحقه من قبل الأول لا يمكن أن يكون موجودا ما لم يؤخذ بمبدأ سموه على القوانين الداخلية.

 و مما يدل على ذلك مثلا ما ذهبت إليه المحكمة الدائمة للعدل الدولي في آرائها الاستشارية بشأن قضية “المصالح الألمانية في سيليزيا العليا” عام 1926، و “قضية الجماعات اليونانية البلغارية” عام 1930، وكذا قضية معاملة المواطنين البولنديين في دانزغ “، حيث خلصت المحكمة عام 1932 إلى وجوب تطبيق المعاهدة المبرمة بين بولندا و مدينة “دانزغ” بشأن معاملة المواطنين المقيمين في هذه الأخيرة، و ليس القواعد الدستورية لها،

كما رفضت محكمة “تورمبرغ الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية دفوع المتهمين المرتكزة على القانون الداخلي، مؤكدة أن العبرة هي بالقانون الأولي في خصوص الجرائم الدولية.

إن سمو قواعد القانون الدولي ينبع من أهمية المصالح التي يقوم على رعايتها وحمايتها. كما أن القانون الدولي يمكن أن يكتسب السمو كونه من صنع الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي الذي يسمو على إرادة الدول أو أشخاص القانون الدولي.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!