العقود الإدارية

العقود الإدارية, لقد مكن المشرع الإدارة من القيام بمهامها من وسيلتين: القرارات الإدارية الصادرة عن إرادها المنفردة والمتسمة بطابع الإلزام أو الإجبار ، والتي تعد أنجع وسائل القانون العام التي تتسلح با الإدارة في مواجهة الأفراد الأداء ما هو منوط بها – كما رأينا في الفصل الثالث.

و العقود الإدارية: هي التي تتم باتفاق الإدارة مع الآخرين على القيام بمهام عامة فينشأ بينهما عقد (contrat) يحدد حقوق و واجبات كل من الطرفين. إلا أن عقود الإدارة ليست كلها عقودا تخضع لنظام قانوني موحد ، فقد يكون عقد الإدارة عقدا من عقود القانون الخاص، يخضع لقواعد القانون الخاص عندما تتصرف الإدارة کالأفراد العاديين دون اعتبار لما لها من سيادة أو سلطان، وقد یکون العقد من عقود القانون العام يخضع لقواعد القانون العام عندما تتمتع فيه الإدارة بقواعد و امتیازات السلطة العامة.

و تعد أحكام العقود الإدارية في جوهرها أحكاما قضائية رجع الفضل فيها إلى مجلس الدولة الفرنسي. لكن نجد أن المشرع كثيرا ما يتدخل ليتبى بعض الأحكام القضائية في مادة العقود الإدارية فينظمها بنصوص تشريعية، إلا أن النظرية ماتزال في مجموعها قضائية. و لهذا فإن أحكامها تتطور باستمرار لتستجيب لحاجات المرافق العامة المتجددة .

المبحث الأول: تعريف العقود الإدارية

وهي تلك الاتفاقات التي تبرم بين الإدارة، كسلطة عامة قائمة على تحقيق المصلحة العامة، و بين الأفراد أو الشركات الخاصة من أجل إنجاز عمل معين يحقق المنفعة العامة بشكل مباشر، مثل إدارة أحد المرافق العامة ، أو توريد سلعة أو خدمة معينة، أو تنفيذ أحد الأشغال العامة، أو نقل البضائع و الأفراد ، والمساهمة في بعض أنواع النفقات العامة، أو إقراض الأموال مع تضمين الاتفاق أهم شروط و قواعد تنفيذ العمل المطلوب و أهم حقوق و واجبات كل من الطرفين المتعاقدين.

و هذه العقود، بالرغم من كونها عقودا تبرم برضى طرفيها معا، إلا أنها لا تبرم من طرفين متساويين في القوة أو الهدف. فهي تبرم بين طرف أكثر قوة يسعى إلى تحقيق المصلحة العامة وهو الإدارة، و بین طرف أقل قوة يسعى إلى تحقيق مصلحته الشخصية وهو الفرد ( أو الشركة الخاصة المتعاقد مع الإدارة، والذي يعزز قوة الإدارة في التعاقد هو ما تملكه من امتيازات استثنائية – في هذا المجال – تساعدها على رعاية المصلحة العامة, تلك الامتيازات التي لا نجد لها وجودا في العقود التي تبرم في إطار قواعد القانون الخاص

وتتجلی امتیازات الإدارة فيما تقوم به من صياغة النصوص العقد ووضع شروطه وقواعده بسلطتها التقديرية و بإرادتها المنفردة. و يبقى للمتعاقد معها حق قبولها أو رفض التعاقد أصلا. فهو ليس ملزما بالتعاقد مع الإدارة بل يتعاقد بمطلق إرادته الحرة. و لكنه إذا قبل مبدأ التعاقد فهو ملزم بقبول شروط الإدارة في التعاقد دون مناقشة. كما يجوز للإدارة أن تعدل البنود التنظيمية للعقد بارادتها المنفردة ضمانا لحسن سير المرافق العامة دون أن يتوقف ذلك على إرادة المتعاقد معها

أما إذا تعلق الأمر بالبنود التعاقدية ، وهي تلك التي تخص فقط المتعاقدين ولا تسري على المنتفعين ، فإنه لا يجوز للإدارة تعديلها إلا بإرادة الطرف المتعاقد.

كما يجوز للإدارة توقيع العقوبات على المتعاقد معها في حالة مخالفته لشروط العقد.

ومن حقها فسخ العقد بإرادتها المنفردة دون اللجوء في ذلك إلى القضاء، إلى غير ذلك من الامتيازات التي تتمتع بها الإدارة في هذا المجال.

المبحث الثاني: معايير تمييز العقود الإدارية عن العقود العادية أو الخاصة

وفقا لقضاء مجلس الدولة الفرنسي، تعتبر عقودا إدارية تلك التي يبرمها شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام. و تظهر فيها نيته في الأخذ بأحكام القانون العام، و يتجلى ذلك إما بتضمين تلك القعود شروطا غير مألوفة في القانون الخاص ، أو بالسماح للمتعاقد مع الادارة بالاشتراك مباشرة في تسيير المرفق العام.

فالمعيار القضائي لتمييز العقود الإدارية – بناء على التعريف الذي سبق ذكره يقوم على تلاتة شروط وهي:

– أن يكون أحد طرفي العقد شخصا معنويا عاما.

– أن يكون العقد متعلقا بتسيير مرفق عام أو تحقيق منفعة عامة.

– أن تلجأ الإدارة إلى استخدام وسائل القانون العام في العقد.

فالشرط الأول يمثل الجانب الشكلي ( الشخصي ) في العقد. أما الشرطان الآخران فيمثلان الجانب الموضوعي (المادي) في العقد الاداري

المطلب الأول: أن يكون أحد طرفي العقد شخصا معنويا عاما

 لكي يكون العقد إداريا يجب أن يكون أحد طرفيهم أشخاص القانون العام يعمل على تحقيق المصلحة العامة، سواء تعلق الأمر بالدولة أم بأحد الأشخاص المعنوية المحلية أو المرفقية .

و من الجائز بطبيعة الحال أن يكون كلا الطرفين المتعاقدين من أشخاص القانون العام. كما أنه من الجائز – من جهة أخرى – أن يكون كلا الطرفين المتعاقدين من الأفراد أو الشركات الخاصة بشرط أن يكون أحدهما على الأقل متعاقدا باسم و لحساب شخص معنوي عام – کوکيل عنه مثلا – وليس باسمه و لحسابه الخاص. و إلا فسيكون العقد عقدا خاصا. و لقد، قضت محكمة التنازع الفرنسية – في هذا المجال – في حكم شهير لها بتاريخ 8 يوليوز سنة 1963، بأنه يعتبر عقدا إداريا العقد الذي أبرم بين شركة اقتصاد مختلط صاحبة امتياز و بين أحد المقاولين متعلقا بمسائل تعد من الأشغال العامة. و ذلك رغم أن العقد تم بين شخصين من أشخاص القانون الخاص، إذ أن شركة : الاقتصاد المختلط هي شخص معنوي خاص، و ذلك على اعتبار أن هذه  الشركة تعمل لحساب الإدارة ..

المطلب الثاني : أن يكون العقد متعلقا بتسيير مرفق عام أو تحقيق منفعة عامة

بمعنى أن يكون موضوع العقد الإداري في جميع الأحوال متصلا بمرفق عام، كأن يتعلق بتنظيمه أو تشغيله أو المساهمة في أعماله، ذلك أن اعتبار العقد إداريا و خضوعه الأحكام القانون العام ما تتضمن من امتيازات للإدارة إنما تبرره اعتبارات المرافق العامة و حقيقها للمصلحة العامة. فإذا لم يتصل العقد على هذا النحو .مرفق عام فإنه لا يعد عقدا إداريا.

المطلب الثالث: أن تلجأ الادارة إلى استخدام وسائل القانون العام في العقد

وذلك باتباع وسائل استثنائية وغير مألوفة في عقود القانون الخاص تعتمد فيها الإدارة على فكرة السهر على تحقيق المصلحة أو المنفعة العامة. بمعين أن يحتوي العقد لاعتباره عقدا إداريا على شروط من شأنها أن تمنح المتعاقدين حقوقا، أو تلقي عليهم التزامات تختلف بطبيعتها عن الشروط التي يمكن أن يتضمنها عقد مدني أو تجاری الذي يقوم على أساس الإرادة الحرة

و الشروط غير المألوفة التي تحتويها العقود الإدارية لا يمكن حصرها مقدما. غير أنه يمكن رد هذه الشروط غير المألوفة إلى أفكار رئيسية، كما يمكن الاستدلال عليها بقرائن معينة و ذلك كالآتي :

الفرع الأول: الشروط التي تتضمن امتيازات للإدارة لا يمكن أن يتمتع بها المتعاقد الآخر

حق الإدارة في فرض هذه الشروط التي تخولها امتیازات معينة تجعلها في موقف غير متكافئ مع المتعاقد الآخر. فمنذ الخطوات الأولى في إبرام هذه العقود الإدارية يتجلى هذا الإخلال بقاعدة مساواة المتعاقدين، فالفرد الذي يتقدم بقصد التعاقد في صفقة من الصفقات العمومية يلتزم بمجرد تقدمه ، اما الإدارة فقد تلتزم في وقت متأخر وقد لا تلتزم على الإطلاق. و في عقود إدارية أخرى شروطا تسمح لها بأن تكون في موقف أقوى من المتعاقد، الأخر، كحقها في تعديل التزامات المتعاقد معها سواء بالنقصان أو الزيادة، و بسلطة التدخل للإشراف على تنفيذ العقد، وتغيير طريقة التنفيذ، ووقف التنفيذ مؤقتا، وفسخ العقد أو إغمائه بإرادتها المنفردة دون حاجة إلى تدخل القضاء، و توقیع جزاءات على المتعاقد معها في حالة إخلاله بالتزاماته .

 وتبعا لذلك فإن هذه الامتيازات في بحال شروط العقد انجازات في مجال شروط العقد هي أبرز ما حيز العقود الإرادية.

الفرع الثاني: الشروط غير المألوفة تخول المتعاقد مع الإدارة سلطات استثنائية في مواجهة الغير

وذلك بتخويل الإدارة للمتعاقد معها بعض مظاهر السلطة العامة و التي تمارسها أصلا الإدارة و ذلك بالقدر الذي يستلزمه تنفیذ العقد الإداري، و من الامتيازات الممنوحة للمتعاقد مع الإدارة سلطته في فرض رسوم مقابل الخدمات التي يقدمها المرفق العام أو سلطته في نزع الملكية للمنفعة العامة، أو منحه حق ممارسة بعض سلطات الضبط أو منحه حق استعمال الدومين العام بصورة احتكارية تؤدي إلى تقييد حرية المشروعات الأخرى في ممارسة هذا الاستغلال، و كذلك منح المقاولة في عقد الأشغال العامة سلطة شغل العقارات الخاصة دون حاجة لموافقة أصحابها مقدما، أو سلطة الاستيلاء الجبري على المنقولات المملوكة للغير. كل هذه السلطات لا توجد في مثل العقود الخاصة. و من ثم فهي من مميزات العقد الإداري إذا وجدت في عقود الإدارة.

الفرع الثالث : الإحالة على دفاتر شروط معينة

وهذه الإحالة تكون مبنية على إعداد مسبق الدفاتر تضم شروطا موحدة لطوائف مختلفة من العقود الإدارية التي تعدها الإدارة قبل التعاقد، فتعتبر جزءا من العقد الإداري بعد إبرامه بجوار الشروط الخاصة التي يتفق عليها بين الإدارة و بين المتعاقد الآخر. وحتى و إن لم تتضمن هذه الشروط الخاصة شروطا استثنائية و غير مألوفة فإن الإحالة تكون إلى دفاتر الشروط. لأن تلك الإحالة تكون بمثابة شرط استثنائي كاف لإضفاء الصفة الإدارية على العقد إذا كانت الدفاتر تضم شروطا استثنائية غير مألوفة. أما إذا لم تكن تضم تلك الشروط فإن الإحالة عليها لا تتضمن ما يفيد في تحديد طبيعة العقد.

الفرع الرابع: شرط جعل الاختصاص للقضاء الإداري

إن الإدارة كثيرا ما تضمن عقودها شرطا يجعل الاختصاص بمقتضاه للقضاء الإداري في كل ما يتعلق بالمنازعات المتولدة عن العقد. و هذا الشرط قد لا يكون له أي أثر إذا كانت طبيعة العقد واضحة.

فإذا كان العقد إداريا بطبيعة لاحتوائه على شروط استثنائية و غير مألوفة فإن الشرط الذي يقضي باختصاص القضاء الإداري – في هذه الحالة – يصبح مجرد تأكيد لحقيقة ثابتة من قبل. أما إذا كان العقد خاصا بطبيعته كما لو كان موضوعه يتعلق بالدومين الخاص مثلا، فإن القضاء يهدر الشرط باعتباره مخالفا للنظام العام. إذ ليس بإمكان المتعاقدين تحديد جهة اختصاص القضاء المدن أو الإداري بخلاف ما تقرره القواعد القانونية في هذا الصدد. لأن هذه القواعد تعتبر من النظام العام. و لذلك إذا كان من سلطة الإدارة اتباع وسائل القانون العام أو وسائل القانون الخاص في تسيير المرفق العام فليس في إمكان الأفراد تحديد الاختصاص القضائي بما لا يتفق و طبيعة العقد.

 لذلك فإن الفائدة الحقيقية لذلك الشرط تتجلى في اذا كانت طبيعة العقد غير واضحة. بمعنى أن العقد الذي ورد الشرط قد يكون إداريا أو خاصا وفقا لإرادة المتعاقدين. و تبعا لذلك فإذا كانت الشروط غير قاطعة في إضفاء الصبغة الإدارية على العقد لكونها مجرد قرائن فإنه ترجح الصبغة الإدارية ، ويكون شرط الاختصاص بالإضافة إلى القرائن الأخرى كسمة أساسية في إبراز صفة العقد الإداري.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!