العقار في طور الإنجاز

عقد بيع العقار في طور الإنجاز

عقد بيع العقار في طور الإنجاز

العقار في طور الإنجاز , عادة ما نصادف في الفقه من يعبر على هذا العقد بالبيع على التصميم. والبيع المعلق على تسليم مفاتيح العقار في اليد وكلها مصطلحات تدل على أنه بيع معلق على شرط إنهاء الأشغال مستقبلا، وهذا ما نستتجه عند تعريف هذا العقد وتحديد خصائصه ( المطلب الأول ) وتميزه عن غيره من العقود المشابهة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مفهوم بيع العقار في طور الإنجاز وخصائصه

إن تحديد مفهوم بيع العقار في طور الانجاز يقتضي الوقوف عند تعريف هذا العقد (الفقرة الأولى) ثم تحديد خصائصه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعريف عقد العقار في طور الإنجاز

بمقتضى القانون 44-00 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز عرف المشرع هذا النوع من البيوع في الفصل 1-618 (ق ل ع) حيث نص على أنه: “يعتبر بيعا لعقار في طور الإنجاز كل اتفاق يلتزم البائع بمقتضاه بإنجاز عقار داخل أجل محند كما يلتزم فيه المشتري بأداء الثمن تبعا لتقدم الأشغال

 

يحتفظ البائع بحقوقه وصلاحيته باعتباره صاحب المشروع إلى غاية الانتهاء من الأشغال».

وهذا التعريف ما هو إلى ترجمة لما كان يتبناه العمل القضائية بالرجوع إلى الأحكام الصادرة عن محاكم دائرة الاستئناف بالرباط نجدها تعتبر عقد بيع العقار في طور الإنجاز عقدا ابتدائيا ونكتفي بالإشارة إلى القرار الاستئنافي الصادر عن استئنافية الرباط الذي جاء بالحيثيات التالية: ” لكن بالرجوع إلى العقد الرابط بين الطرفين والذي بمقتضاها المستأنف عليهما محل النزاع يتبين أن عقد البيع خال من أي شرط مما أصبحت بنوده ملزمة للطرفين معا حسب مقتضيات الفصل 230 ق ل ع “

في حين نجد المشرع الفرنسي عرف بيع العقار في طور الإنجاز في المادة 1-1602 من القانون المدني على أنه كل: ” عقد بمقتضاء يلتزم البائع ببناء العقار خلال مدة معينة في العقد ويمكن أن يبرم لأجل أو على الحالة المستقبلية “

وبالرجوع إلى المادة أعلاه نجد أن المشرع الفرنسي نظم بيع العقار في طور الإنجاز في صورتين مختلفتين، صورة البيع الأجل وتظلمها المشرع الفرنسي بمقتضى المادة 2-1601 من القانون المدني، حيث يلتزم البائع بتسليم المبنى عند نهاية الأشغال، في حين يلتزم المشتري بتسلم المبنى مع أداء الثمن عند حلول وقت التسليم، وتنتقل الملكية في البيع لأجل عقد تحرير العقد الرسمي بأثر رجعي يرتد إلى تاريخ انعقاد البيع.

أما لبيع العقار على الحالة المستقبلية فيلتزم البائع بمقتضى المادة 3-1601 من القانون المدني الفرنسي بأن ينتقل للمشتري حقوقه على الأرض وملكية المباني المقامة عليها أول بأول بمجرد الانتهاء منها، في حين يلتزم المشتري بدفع الثمن حسب تقتم الأشغال

وبالرجوع إلى الصياغة التي اعتمدها المشرع المغربي في القانون 44-00 نجدها أقرب إلى بيع العقار على الحالة المستقبلية التي اعتمدها المشرع الفرنسي، وإن كان لا يرقى إلى مستوى تطلعات حماية المشتري الذي ينبغي أن يتمتع بحماية فعالة اتجاه الطرف القوي (البائع) وذلك من خلال التنصيص على إمكانية انتقال ملكية البقاء إليه على غرار القانون الفرنسي

كما أن الصياغة التي اعتمدها المشرع المغربي جاءت غامضة، فمصطلح العقار الذي ورد في الفصل 1-618 غير مطابق لما يقصده المشرع، حيث إن المقصود هو البنايات أو العمارات، وكان جديرا أن يكون ذلك واضحا دون لبس، لأن العقار لفظ يتسع لشمول كل شيء ثابت في حيزه لا يمكن نقله من مكانه بدون تلف فيدخل في مفهوم العقار الأراضي والأشجار الثابتة في جذورها والعمارات والمنشأة المبنية بل إن المناجم والمقالع تعتبر عقارات … ومن ثمة كانت الصياغة الفرنسية أي البنايات أو العمارات أكثر دقة

الفقرة الثانية: العناصر المميزة لبيع العقار في طور الإنجاز

لقد تناول المشرع المغربي العناصر المميزة لعقد بيع العقار في طور الإنجاز في الفصل 1-618 من قانون 44-00 حيث اعتبره بمثابة اتفاق يلتزم بمقتضاه بإنجاز عقار داخل أجل محدد، ومنه فإن كل اتفاق على عقد بهذا الوصف يلزم توفر عناصره

أولا: بناء العقار

يعد التزام البائع ببناء العقار أهم خاصية ينفرد بها هذا البيع لكونه ينصب على شيء غير موجود وقت إبرام العقد، ومن ثم يطرح التساؤل عن المقصود بيناء العقار الوارد بالقانون 44-00؟

فبالرجوع إلى القانون المغربي نلاحظ أن المشرع كغيره من التشريعات المقارنة، لم يعرف البناء وتجد فقط منشور وزارة الداخلية رقم 288 م ج م بتاريخ 8 دجنبر 1989 والمتضمن تعليمات التطبيق القانون المتعلق بنظام الضرائب المستحقة للجماعات المحلية وهيئاتها يذهب إلى كون المقصود من عمليات البناء كل بناء تم على أرض غير مبنية والذي يجب أن يثبت على الأرض بواسطة أساس مبني أو الإسمنت والذي لا يمكن تحويله بدون هدمه

وبالتالي يتبين أن البناء يتطلب عنصرين اثنين: عنصر تثبيت البناء على الأرض بواسطة أساس مبني أو بواسطة الإسمنت وعنصر ضرورة قيام هذا التثبيت بواسطة فعل أو عمل الإنسان

وقد عرفه الفقه بأنه كل ما شيده الإنسان متصلا بالأرض اتصال قرار، بحيث يعتير عقارا بطبيعته دون ما نظر لنوع المواد التي استعملت في البناء ولا للغرض الذي من أجله شيد ، فالمباني والمنشات قبل تشييدها في الأرض كانت جملة من مواد البناء وأدواته، فهي كميات من الطوب والرمل والاسمنت والجير والجبس والخشب والحديد والأحواض والأدوات الصحية وغير ذلك من المواد التي تستعمل في البناء، ولا تصبح عقارا إلا إذا شيدت فاندمجت في الأرض وأصبحت ثابتة مستقرة، فلا يمكن تحويلها أو تقلها إلا إذا هدمت

ويشمل ذلك المساكن والمصانع والمخازن، وغير ذلك من الأماكن التي تشيد عادة فوق سطح الأرض، وتعتبر كذلك مباني الأنفاق والآبار التي تحفر لاستغلال المناجم والمواسير والأنابيب المدفونة في باطن الأرض

فالمباني إذن هي مجموعة من مواد البناء شيدت على سبيل القرار فاندمجت في الأرض، سواء أقيمت فوق سطح الأرض أو أقيمت في باطنها.

ثانيا: تحديد أجل انتهاء البناء

إضافة إلى التزام البائع بالبناء فإنه يلتزم ببناء العقار داخل أجل محدد، هذا المقتضى الأخير أثار خلافا فقهيا وقضائي۔

لقد تردد الققه الفرنسي لاعتبار البناء مكملا بين عدة معايير : فهناك معیار ويعني أن البنايات أصبحت في منأى من مياه الأمطار، وحسب هذا المعيار يكون البناء قد تم عند هذه المرحلة، في حين أخذ الفنيين بمعيار  أي أن البنايات أصبحت في منأى من الأمطار والهواء وذلك تركيب النوافذ

وأمام هذا الغموض في تحديد معیار انتهاء الأشغال ذهب القضاء الفرنسي الى أن انتهاء البناء فيما يخص بيع العقار على الحالة المستقبلية لا يكون إلا بتصريح عن انتهاء الأعمال مصادق عليه من طرف مهندس، ولا يقبل أي إثبات غير ذلك

ومادمنا نتحدث عن الاتجاه القضائي. يلاحظ أن هناك اتجاهين فيما يخص موقف القضاء المغربي: اتجاه يذهب إلى عدم جواز التصريح بانتهاء البناء ما لم يتم تأسيس رسم عقاري وكمثال على ذلك نسوق الحكم الصادر عن ابتدائية الرباط و الذي جاء فيه : «وحيث إن المدعي يطالب بتسليم الشقة المتفق عليها في حين أنه لا يتوفر على اتفاق نهائي محدد للثمن الإجمالي فضلا على الرسم العقاري الأمر لازال في اسم الودادية وان عملية الإحداثات لم تتجز يعد مما يتعين معه التصريح بعدم قبول الطلب”

أما الاتجاه الثاني تبنی موقفا ألزم بمقتضاه البائع (المدعى عليه) بنقل ملكية الشقة قبل إتمام بنائها وتمكين المدعي من مفاتيحها وبإحداث رسم عقاري خاص بها تحت طائلة غرامة تهديدية استنادا للمسؤولية العقدية . ونفس المنحى سارت عليه المحكمة الابتدائية بطنجة حيث جاء في إحدى حيثياته ” وحيث أن العقد التبادلي يجب على المدعي الوفاء بالتزاماته تجاه المدعية، وذلك بتحرير نهائي للبيع خاصة وأن تسليم المدعى عليه مفتاح الشقة دليل على انتهاء الأشغال بالعمارة ”

وما يلاحظ على هذا الحكم هو كونه اعتمد على واقعة تسليم المفتاح كمعيار لحين انتهاء الأشغال هو حسب مقتضيات الفصل 500 من ق ل ع يعتبر من بين طرق تسليم بيع العقارات الموجودة وقت التعاقد ، فإذا كان يحقق مصلحة المشتري العقار في طور الإنجاز فإنه في نفس الوقت يبتعد كثيرا عن معيار تحديد الأشغال الذي نظمه القانون الفرنسي.

ونشير أنه بصدور القانون الجديد 44-00 فإن المشرع المغربي أغلق باب الخلاف في تحديد لحظة انتهاء الأشغال وذلك عندما نص صراحة في الفصل 15-618 ” لا يعتبر العقار محل البيع منجزا، ولو تم الانتهاء من بنائه، إلا بعد الحصول على رخصة السكني أو شهادة المطابقة وعند الاقتضاء بتقديم البائع للمشتري شهادة تثبت أن العقار مطابق لدفتر التحملات إذا طالب المشتري بذلك “

المطلب الثاني: تميز بيع العقار في طور الإنجاز عن ما يشبهه من العقود

على الرغم من خصوصيات بيع العقار في طور الإنجاز، إلا أنه يبقى قريبا من بعض المؤسسات القانونية، وهو ما يقتضي ضرورة الوقوف عندها

الفقرة الأولى: تمييز بيع العقار في طور الإنجاز عن عقد المقاولة

يعتبر عقد المقاولة تصرفا يلتزم بمقتضاه أحد الأطراف بصنع شيء معين مقابل أجر يلتزم الطرف الآخر يدفعه. ومنه يتضح أن عقد المقاولة يندرج ضمن العقود التي ترد على المنافع ويكون موضوعها هو العمل، وبذلك فهو يختلف عن عقد بيع العقار في طور الإنجاز الذي يعتبر من العقود الناقلة للملكية، مع أن البائع في عقد بيع العقار في طور الإنجاز يقوم بنفس العمل الذي يقوم به المقاولا ، وفق ما جاء في الفصول 723 و 760 من ق ل ع،

غير أنه لا يمكن اعتباره مقاول، لكونه يلقى صاحب المشروع الذي ينجزه ويحتفظ بصلاحياته تجاهه ، ولا يدخل المشتري في توجيهه أو مراقبة عمله، إضافة إلى أن المقابل في عقد المقاولة يعد أجرا عن عمل المقاول في حين أن الأداءات التي يدفعها المشتري في بيع العقار في طور الإنجاز تعد جزءا من من العقار المنتظر إنجازه.

لكن بالرغم من كل ما سبق فإن صعوبة التفرقة بين العقدين تثار كلما التزم البائع بنفسه بالبناء أي كالمقاول، وذلك بتقديم العمل والمادة الأولية، ففي هذه الحالة اختلفت الآراء حول وصف العقد فذهب فريق إلى اعتباره بيعا بسند المادة 1711 من القانون المدني الفرنسي التي تقضي بأن العقد لا يكون مقاولة إذا قدم الصانع المادة من عنده .

في حين ذهب رأي آخر إلى اعتبار المقاولة بحجة أن المادة التي يقدمها البائع ما هي إلا تابعة للعمل ، وهو ما أيده القضاء الفرنسي في قرار لمحكمة النقض جاء فيه العقد الذي بمقتضاه مالك الأرض يلزم المقاول بالبناء لا يمكن اعتباره بيعا إنما إجارة صنعة ولو أن المقاول يلتزم بتقديم العمل والأدوات معا لذلك فالقواعد الخاصة المتعلقة بضمان العيوب الخفية المنصوص عليها في البيع لا تطبق في نازلة الحال

وبالرجوع إلى أحكام القانون المغربي خاصة المقتضيات الجديدة المنضمة لبيع العقار في طور الإنجاز فإن معيار التفرقة بين عقد بيع العقار في طور الإنجاز، وعقد المقاولة يبقى جليا مادام المقاول في عقد المقاولة. وإن كان يلتزم بتقديم المواد والعمل معا، فإن الأرض تبقى مملوكة لرب العمل الذي يصبح مالكا للبناء منذ لحظة التصاقه بالأرض إلى أن يكتمل، أما في بيع العقار في طور الانجاز فإن البائع يمتلك الأرض التي سيقام عليها البناء، ويعمل على نقل ملكيتها إلى المشتري بعد انجاز العقار داخل الأجل المحدد، لذلك فالصفة الغالية على العقد هي البيع.

الفقرة الثانية: تمييز بيع العقار في طور الإنجاز عن عقد الوكالة

الوكالة حسب الفصل 879 عن ق ل ع هي: “عقد بمقتضاه يكلف شخص شخصا آخر بإجراء عمل مشروع لحسابه، ويسوغ إعطاء الوكالة أيضا لمصلحة الموكل والوكيل، أو لمصلحة الموكل والغير، بل ولمصلحة الغير وحده”. يتضح من هذا التعريف أن عقد الوكالة ينصب على القيام بتصرف قانوني لصالح الموكل أو الغير، على خلاف عقد بيع العقار في طور الإنجاز الذي يكون موضوعه هو القيام بعمل مادي.

ولكن بالرغم من هذه الاختلافات، إلا أنه في بعض الأحيان تثار صعوبة التمييز بين هذين العقدين، كما في الحالة التي يتولى فيها البائع التعاقد لشراء الأرض والقيام بجميع الإجراءات الأخرى للحصول على تصاميم مقبولة لبناء العقارات والحصول أيضا على الرخص اللازمة الشروع في الاشتغال وكذلك التعاقد مع المهندس والمقاول وغيرهما، فهل يمكن القول بأن البائع في هذه الحالة مستند إلى وكالة ضمنية من المشتري في إنجاز العقارات محل هذا البيع؟ في هذه الحالة أيضا لا يمكن تكيف العقد على أنه عقد وكالة، بالنظر إلى أن البائع في بيع العقار في طور الإنجاز يحصل على الثمن ويبقى مسؤولا عن عيوب ونقائص المبيع، كما أن أحكام عقد الوكالة عموما لا تتناسب مع عقد بيع العقار في طور الإنجاز

 الفقرة الثالثة: تمييز بيع العقار في طور الإنجاز عن عقد الإئتمان الإيجاري العقاري

عرفت مدونة التجارة عقد الائتمان الإيجاري العقاري في المادة 31 بكونه كل عملية كراء للعقارات المعدة لغرض مهني يتم شراؤها من طرف المالك أو بناها لحسابه، وإذا كان من شأن هذه العملية كيفما كان تكييفها تمكين المكثري من أن يصير مالكا لكل أو بعض الأموال المكتراة على أبعد تقدير عقد انصرام أجل الكراء، ومنه يتضح أنه يختلف عن بيع العقار في طور الإنجاز بالرغم من أنهما يتنهيان معا إلى بيع في النهاية مع مراعاة اختيار المكري في عقد الائتمان الإيجاري عقد انصرام أجل الكراء بين التملك أو فسخ العقد- كل ما في الأمر أن الائتمان الإيجاري يبدأ ككراء ثم ينتهي كبيع، في حين أن بيع العقار في طور الإنجاز يعد بيعا منذ بدايته ويمتلك فيه المشتري العقار بمجرد الانتهاء من أشغال البناء

المطلب الثالث: توثيق عقد بيع العقار في طور الإنجاز

 إذا كان دور الإرادة أساسيا في تكوين العقد، فإن تلك الإرادة تجدها تتناقض أو تفقد توازنها في العملية التعاقدية بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية وهذا ما شكل أساس تدخل النظرية الحديثة التوجيه الحق، حماية للطرف ” الضعيف” وتحقيقا التوازن المطلوب في العلاقة التعاقدية

وفي هذا الإطار، ومراعاة منه لخطورة بعض التصرفات ومنها بيع العقار في طور الإنجاز، عمل المشرع على اشتراط شكلية الكتابية (الفقرة الأولي) وتحديد الجهات المؤهلة لتحرير عقد هذا البيع (الفقرة الثانية)۔

الفقرة الأولى: شكلية عقد البيع الوارد على العقار في طور الإنجاز

 تثير كتابة عقود بيع العقارات العديد من الإشكالات منها ما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق على العقار غير المحفظ، وإشكالات مرتبطة بطبيعة الكتابة ذاتها، وهو ما سنقف عنده (أولا) على أن تعرض (تانيا) لموقف القضاء في الموضوع

أولا: شكلية الكتابة

لما كان الأصل في عقد البيع هو تراضي عاقديه، واتفاقهما على المبيع والثمن و شروط العقد الأخرى، وذلك حسب ما نص عليه الفصل 488 ق ل ع ، إلا أن المشرع اشترط شكلا خاصا يكون على الأطراف اتباعه لانعقاد بعض البيوع كما هو الحال في البيع المنصب على العقار حيث أوجب القانون أن يتم كتابة. وهو ما نص عليه الفصل 489 من ق ل ع صراحة ” إذا كان المبيع عقارا أو قوة عقارية أو أشياء يمكن رهنها رهنا رسميا وجب أن يجري البيع كتابية في محرر ثابت التاريخ…”

والملاحظ بخصوص الفصل أعلاه أن المشرع لم يرتب أي جزاء على تخلف شرط الكتابة، مما جعل الأمر محل خلاف فقهي، حول طبيعة الكتابة في البيوع العقارية هل هي وسيلة للإثبات أم شرط لصحة العقد؟

وفي هذا الصدد، ذهب فريق إلى أن البيع الوارد على العقارات بمقتضى القصل 489 لا ينص على أي شكلية لانعقاد العقد، ذلك أن النص القانوني لا يفصح بكيفية واضحة عن الشكل المطلوب، ومنه فإن الكتابة تكون من أجل الإثبات ذلك لأن الأصل في التصرفات القانونية تكون رضائية، ويعتبر هذا الاتجاه أن ما نص عليه المشرع من تصرفات شكلية إنما جاءت على سبيل الاستفتاء لا غير،

وبالتالي فإن نص الفصل 489 لا محل لتخريجه على ضوء هذا الاستثتاء، وإنما الأولى أن يرد إلى مقتضی القاعدة العامة وهي الرضائية، فيقترض في الكتابة أنها مقررة لإثبات. وذلك تماشيا مع الرأي القائل أنه متى قام الشك حول مدلول النص الذي يستلزم الشكلية، وهل قصد بها أن تكون للانعقاد أم للإثبات وجب اعتبارها متطلبة للإثبات.

وبخلاف ما سبق يذهب الفريق الآخر إلى أن الكتابة في الفصل 489 من ق ل ع في شكلية ليس فقط للإثبات بل لقيام العقد وهو نفس الحكم يتطلب حتى في البيوع التمهيدية بما فيها العقد الابتدائي في بيع العقار في طور الإنجاز، وسند هذا الاتجاه، هو أن عبارة وجب أن يجري البيع كتابة التي تضمنها الفصل 489 تدل على أمر صادر بحكم القانون، وبالتالي فإن الكتابة المنصوص عليها في الفصل أعلاه لا يمكن أن تكون إلا للانعقاد لا للإثبات وعليه إذا تخلفت ما قام التصرف العقاري أصلا، لأنها تندمج في التصرف وتصبح ركنا من أركانه لا يقوم إلى بوجودها

غير أن التساؤل يثور حول مدى إمكانية استيعاب مفهوم الكتابة هذا التوصيل أيضا، خاصة أنه في أغلب الأحيان يعمد المنعشين العقاريين في بيع العقار في طور الإنجاز إلى تسليم المشترين وصولا الإثبات حقوقهم دون تحرير عقد البيع، فما هي حجية هذه الوصولات في ظل القانون الجديد.

ثانيا: موقف القضاء من الكتابة

بالرجوع إلى موقف القضاء بشأن طبيعة الكتابة في البيوع العقارية، نجد أنه بدوره انقسم حول ما إذا كانت الكتابة المنصوص عليها في الفصل 489 شي للانعقاد أم للإثبات إلى اتجاهين؟

فبخصوص الاتجاه القضائي القائل بكون الكتابة المنصوص عليها في الفصل أعلاه هي للإثبات وليست شكلية في البيوع العقارية ومنها بيع العقار في طور الإنجاز, تشير في هذا الصدد إلى قرار صادر عن محكمة الاستئناف بطنجة ، جاء في حيثياته “وحيث أن إثبات البيع الذي ينصب على عقار تطبق بشأنه مقتضيات الفصل 489 من ق ل ع وخصوصا وأن المدعى عليه ينكر وقوعه، وإن إثبات وقوعه بسلوك الطريق التي اختارها المستأنف لا تستقيم مع المقتضيات القانونية لما فيه من مخالفة لمقتضيات الفصل 489 من ق ل ع .”

والموقف ذاته أكدته نفس المحكمة في قرار آخر جاء فيه : « وحيث إن المبيع إذا كان عقارا أو حقوقا عقارية أو أشياء أخرى يمكن رهنها رهنا رسميا وحيث أن يجري البيع كتابة في محرر ثابت التاريخ (القصل 489) وأنه بمقتضى القصل 401 من ق ل ع إذ قرر القانون شكلا معينا لم يسغ إجراء إثبات الالتزام أو التصرف بشكل آخر يخالفه…”

 ونفس الموقف اخذته محكمة الاستئناف بالرباط في قرار لها بتاريخ 2001 / 07 / 10 جاء فيه: « وحيث إن عقد البيع في مجال العقارات غير المحفظة ينعقد بالمراضاة وهو ما أشار إليه الشيخ خليل بقوله: ” ينعقد البيع بالمراضاة وإن بمعاطاة”

والملاحظ أن المشرع حسب مقتضيات الفصل 3-618 من ق ل ع خول إمكانية إبرام عقد بيع العقار في طور الإنجاز بموجب محررين اثنتين هما:

المحرر الرسمي والعقد الثابت التاريخ، نعرضهما على التوالي:

أ: المحرر الرسمي

المحرر الرسمي هو الورقة التي يقوم بتوثيقها موظف عام مختص بذلك ، وفي هذا الإطار نص الفصل 418 ق ل ع الورقة الرسمية هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد وذلك في الشكل الذي يحدده القانون.

وتكون رسمية أيضا:

1 – الأوراق المخاطب عليها من القضاء في محاكمهم

2 – الأحكام الصادرة عن المحاكم المغربية والأجنبية، بمعنى أن هذه الأحكام يمكنها حتى قبل صيرورتها واجية التنفيذ أن تكون حجة على الوقائع التي تثبتها. وتجدر الإشارة إلى وضعية الموثقين والعدولة الذين يمارسون في إطار مهنة حرة، ولكنهم يقومون ببعض المهام العامة لعل أهمها تحرير الأوراق الرسمية.

ب: المحرر ثابت التاريخ

يعتبر المحرر ثابت التاريخ محررا عرفيا يمميزات خاصة، وهو كل ورقة لم يكن بالإمكان وصفها بالرسمية لسبب من الأسباب شريطة أن تديل بتوقيع من هي حجة عليه.

والتوقيع الذي يعتد في الوثيقة العرفية هو توقيع الملتزم نفسه ولا يغني عن ذلك الطابع أو الختم أو التوقيع بالبصمة, وهو ما أكده المجلس الأعلى في قرار له جاء فيه, “التوقيع بالبصمة لا يشكل إمضاء يلزم صاحبه فتكون المحكمة على صواب لما استبعدت العقد الذي يحملها”

واذا كان الأمر كذلك فيما يخص التوقيع بالبصمة فإن التساؤل يطرح حول مدی إمكانية استعمال وسائل الاتصال الحديثة واعتماد التوقيع الإلكتروني لإبرام عقد بيع العقار في طور الإنجاز وهو أمر استجاب له المشرع بمقتضى قانون 53-05 المتعلق بتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، المتمم بموجبه الباب الأول من القسم الأول من الكتاب الأول من قانون الالتزامات والعقود غير أنه لم يتسنى لنا معرفة موقف القضاء المغربي في الموضوع بعد

وإذا كان المحرر الرسمي لا يثير إشكالا باعتبار الحماية القوية التي يوفرها كحجة قطعية سواء فيما بين الأطراف أو في مواجهة الغير ولا يمكن الطعن فيها إلا عن طريق الزور ، فإن سماح المشرع بمقتضى القانون 44-00 إمكانية إبرام عقود بيع العقار في طور الإنجاز بموجب عقد ثابت التاريخ، يثير إشكالية التعامل بالعقود العرفية، وغني عن البيان ما تسببه هذه الأخيرة من مشاكل خاصة على مستوى ضعف الحماية للمشتري،

وبالرجوع إلى الفصل 3-618 من القانون أعلاه، نجد أن المشرع يؤكد على أن المحرر الثابت التاريخ الذي يمكن بواسطته إبرام عقد بيع العقار في طور الإنجاز ، يجب أن يتم تحريره من طرف محامي مقبول لدى المجلس الأعلى، أو من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة يخول لها القانون تحرير العقود، يتولى وزير العدل تحديد لائحة بأسماء المهنيين المقبولين لهذا الغرض.

ويتضح من المقتضيات الأخيرة مدى رغبة المشرع في تطهير ميدان بيع العقار في طور الإنجاز من المشاكل والفوضى التي تتسبب فيها المحررات العرفية، وهو أمر لا يمكن تحققه في نظرنا إلا بتخليص البيوع العقارية من المحررات العرفية، وفرض رسمية المعاملات العقارية، ذلك لما لها من ضمانات وتعزيزها بإجراءات زجرية لضمان احترامها

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!