العرف الدولي و المبادئ العامة للقانون كمصدر للعلاقات الدولية

العرف الدولي :

إلى جانب المعاهدات الدولية, يعتبر العرف الدولي مصدر من المصادر الأصلية لقانون العلاقات الدولية, كما أن اغلب القواعد الدولية تثبت بواسطة العرف, وحتى القواعد المدونة استقر معظمها عن طريق العرف قبل إدراجها في الاتفاقيات و المعاهدات الدولية , وبذلك فالعرف أكبر مصادر القانون الدولي وأغزرها مادة.

ويتكون العرف الدولي بنفس الطريق التي يتكون بها العرف الداخلي, أي بإتباع تصرف معين خلال مدة طويلة, بحيث يتولد الإحساس بأن هذا التصرف واجب الإتباع وعلى ذلك فالعرف الدولي يتولد باجتماع عنصرين, العنصر المادي وهو تكرار القيام بتصرفات معينة, والعنصر المعنوي وهو إقناع الدول بأن هذه التصرفات له صفة إلزامية.

والعرف في ركنه المادي يعني بوجود سوابق ايجابية أو سلبية لها صفة الاستمرار من الناحية الزمنية, وصفة العمومية من الناحية المكانية, والصفة الأولى تتضمن تكرار تصرفات معينة بحيث يطرد استعمالها وتطبيقها من جانب الدول, بحيث تصبح مستقرة وثابتة خلال فترة من الزمن, ولا يوجد تحديد للفترة الزمنية اللازمة لنشوء العرف الدولي, إذ أن هذه الفترة قد تطول أو تقصر حسب ظروف نشأة كل قاعدة عرفية.

أما صفة العمومية فتعني أن القاعدة العرفية لا يكفي أن تطبق بواسطة دولة واحدة أو عدد قليل من الدول, وإنما يجب أن تطبق بصفة عامة, لكن الفقه لا يشترط الإجماع, فيكفي رضي الدول المعنية بتطبيقها مع عدم اعتراض الدول الأخرى.

فإذا كانت القاعدة العرفية عامة و معترفا بها من جميع الدول فإن العرف يكون عالميا, على أنه قد يكون إقليميا حينما ينشا نتيجة تكرار التصرف بين مجموعة من الدول تقع في منطقة جغرافية أو تصل بينها روابط تضامن ومصالح مشتركة, مثل السوابق الأمريكية التي كونت ما يسمى بالعرف الإقليمي الخاص بدول العالم الجديد.

كما أن العرف قد يكون محليا, حينما ينشأ نتيجة تكرار التصرف على نحو معين بين دولتين مع قبولهما به في علاقاتها الثنائية.

أعمال العرف الدولي :

أما السوابق التي تساهم في تكوين العرف الدولية, فهي الأعمال الداخلية و الأعمال الدولية, و الأعمال الداخلية هي الأعمال القانونية التي تصدر على هذا الأساس عن السلطات التنفيذية و التشريعية و القضائية و تتضمن أعمال السلطة التنفيذية التصرفات التي تقوم بها أجهزة العلاقات الخارجية ومن هنا وجب لمعرفة العرف الدولي استقراء الحوادث التاريخية و مراجعة المراسلات و الوثائق الدبلوماسية الصادرة عن رؤساء الدول أو الهيئات المشرفة على علاقات الدول الخارجية, وكذلك التعليمات و المنشورات و الدوريات الحكومية و الوزارية التي يستفاد منها انصراف نية الدول إلى تطبيق قاعدة دوليتها.

ومن هذه الأعمال أيضا القوانين الداخلية ” التشريعات و المراسيم و القرارات و الأوامر” المتعلقة بمسائل دولية فالقواعد التي تتضمنها هذه القوانين الداخلية من الممكن أن تطبقها دول أخرى, فتنشا سوابق يجري العمل بها في ميدان العلاقات الدولية, ويؤدي ذلك في النهاية إلى استقرار قواعد قانونية العرفية.

ويدخل في نطاق الأعمال الداخلية أيضا الأحكام القضائية الداخلية المتعلقة بموضوعات تمس العلاقات الدولية, ومن ذلك أحكام محاكم الغنائم, التي ساهمت بقسط كبير في نشوء وتطوير قواعد القانون الدولي العام الخاصة بالحرب البحرة.

أما الأعمال الدولية التي تؤدي تكرارها إلى خلق سوابق تساهم في تكوين القانون العرفي, فهي المعاهدات الدولية في بعض الحالات, وقرارات التحكيم, وأحكام المحاكم الدولية, فقد تلجأ الدولة إلى عقد معاهدة ثنائية لتنظيم مسألة معينة ثم يتكرر ذلك منها ومن الدول الأخرى, إلى أن يتولد الإحساس بطبيعتها الملزمة, فالمعاهدات الثنائية أو العقدية وإن كانت لا تخلق قواعد دولية عامة واجبة التطبيق فان القواعد الخاصة التي تتضمنها يمكن أن تؤدي إلى نشوء قواعد عرفية, ومن الأمثلة على ذلك قواعد القانون الدولي الخاص بالتحكيم, فالتحكيم أو ما نشأ كان يأخذ بصورة معاهدات ثنائية ومع الزمن أصبحت هذه المعاهدات شائعة بين الدول,مما أدى إلى نشوء قواعد القانون الدولي العام العرفية الخاصة بهذا الموضوع, كذلك حقوق وواجبات الدول المحايدة, فقد نصت عليها المعاهدات الثنائية ثم أصبحت قواعد عرفية واجبة الإتباع في علاقات الدول المتاجرة و الدول المحايدة حتى لو كانت هذه الأخيرة لا ترتبط بالدول الأولى بمعاهدات تنص على وجوب مراعاة حقوق وواجبات الدول المحايدة.

كما أن قرارات التحكيم و الأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية من أهم السوابق المؤسسة للعرف الدولي, ومن ذلك أن هذه الأحكام أنشأت قاعدة وجوب احترام الحكم من جانب أطراف النزاع و القواعد المتعلقة بالمسؤولية الدولية و الاعتراف وتفسير المعاهدات وشروط اكتساب السيادة, كما أن محكمة العدل الدولية كثيرا ما تبحث عن توافر الأركان المنشئة للقاعدة الدولية العرفية في السوابق القضائية الدولية, وتخلص إلى إثبات وجود القاعدة الدولية مستندة على وجود سوابق قضائية دولية تؤكد وجود قاعدة دولية عرفية.

المبادئ العامة للقانون:

اختلف الفقهاء حول اعتبار مبادئ القانون العام مصدرا أساسيا أو احتياطيا للقانون الدولي, وإن كانت المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وغالبية الفقهاء تعد المبادئ العامة للقانون من المصادر الأصلية للقانون الدولي, فقد ثار نقاش أيضا حول المقصود بمبادئ القانون العامة, إذ ذهب بعض الفقهاء ومنهم الفقهاء السوفيات إلى أن المقصود بها هو المبادئ العامة للقانون الدولي ” التي تنشا عن طريق المعاهدات أو عن طريق العرف”

ومؤدى هذا الرأي أن المبادئ العامة للقانون لا تطبق في القانون الدولي إلا إذا أصبحت مقررة في قواعد دولية عرفية أو تضمنتها المعاهدات لكن نص المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية, وكذلك تفسير النص من قبل المحاكم الدولية, يؤيد أن ما ذهب إليه غالبية شراح القانون الدولي من أن المقصود بالمبادئ العامة للقانون الداخلي, كما يؤكد ذلك تكوين المحكمة نفسها, إذ نصت المادة التاسعة من نظامها الأساسي على أنه وينبغي أن يكون تأليف الهيئة في جملتها كفيلا بتمثيل المدنيات الكبرى و النظم القانونية الرئيسية في العالم”

و الواقع أن القانون الداخلي أقدم من القانون الدولي وأكثر تطورا و استقرارا منه, وهذا ما يجعله يزود القانون الدولي بنتاج تطوره خصوصا وأن القضاة الدوليين و المشتغلين بالقانون الدولي يتأثرون في آرائهم ودراساتهم بقوانينهم الوطنية.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!