العدول

العدول والأحكام الخاصة بمسؤوليته المدنية

الأحكام الخاصة بالمسؤولية المدنية للعدول

العدول يقوم بدور مهم في استتباب الأمن واستقرار المعاملات بين أفراد المجتمع، حيث يتولى العدول تحرير العقود و اتفاقات الأطراف، وإضفاء الصبغة الرسمية عليها، مما يجعله يساهم بشكل كبير في مساعدة مرفق القضاء في القيام بمهمته المتمثلة في تحقيق العدالة، وصيانة حقوق الناس حتى لا تكون عرضة للضياع، حيث تعد المحررات الصادرة عن العدول من بين أهم وسائل الإثبات، التي يعتمد عليها القاضي في إصدار أحكامه.

 

وإذا كان العدل من بين الأشخاص الذي فوضت لهم الدولة مهمة تقديم خدمات الاجتماعية للمواطنين، فإله أثناء أدائه لمهامه قد يرتكب أخطاء مهنية تضر بحقوق الأفراد، وهذا ما دفع بالمشرع لإقرار مسؤوليته المدنية.

انطلاقا من ذلك سيكون بالأهمية بمكان إبراز أحكام المسؤولية المدنية للعدول وذلك عن طريق تحديد طبيعة هذه المسؤولية وأساسها القانوني (المطلب الأول)، ثم نتعرض بعد ذلك للشروط الواجب توفرها لمساءلة العدول (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول: العدول و أساس مسؤوليته المدنية

يكتسي موضوع تحديد الطبيعة القانونية المسؤولية العدول المدنية، أهمية كبرى في دراسة الموضوع فهو بمثابة تأصيل قانوني يمكننا من وضع نظام قانوني متكامل لهذه المسؤولية، وتتجلی كذلك هذه الأهمية في معرفة نوع الدعوى التي يجب على المضرور سلوكها للوصول إلى حقه في التعويض عما أصابه من أضرار، هل يسلك دعوی المسؤولية العقدية أم دعوى المسؤولية التقصيرية؟ وبذلك سوف نحاول أن نقف على الطبيعة القانونية للمسؤولية المدنية للعدول (الفقرة الأولى) ثم أساسها القانوني (الفترة الثانية)

الفقرة الأولى: طبيعة المسؤولية المدنية للعدول

 يعتبر القانون 03 . 16 التشريع المنظم لمهنة العدول، والذي حاول من خلاله المشرع الإحاطة بكل الجوانب التي تهم هذه المهنة لكيلا تسبب في ضياع الحقوق، غیر أنه لم ينظم مسؤولية العدول المدنية بنص خاص، مما خلق تضاربا على المستوى الفقهي حول طبيعتها.

وهذه الاختلافات ناتجة عن طبيعة المهنة التي يزاولها العدول ، إذ هي مهنة حرة حسب المادة الأولى من القانون 03 . 16 المنظم لمهنة العدول والتي جاء فيها: “تمارس خطة العدالة بصفتها مهنة حرة حسب الاختصاصات والشروط المقررة في هذا القانون وفي النصوص الخاصة، ويعتبر العدول من مساعدي القضاء”.

وإذا كان المشرع المغربي يستعمل مصطلح المهن الحرة في عدد من القوانين، فإنه لم يتعرض له بالتعريف، إلا أن بعض الفقه بادر إلى تعريفها بأنها “مجموعة من الأنشطة المهنية التي تمارس بكيفية مستقلة من طرف أشخاص مؤهلين لها غالبا فنيا لو عمليا”. كما عرفها جانب أخر، بأنها تلك التي يمارسها صاحبها بل استقلال دون أن يكون في ممارسته تابعا أو مرؤوسا لأي شخص أخر”

وإذا حاولنا أن تكيف العلاقة التي تربط بين أصحاب المهن الحرة عامة أو العمل بصفة خاصة والزبون، فإننا نجد جانبا من الفقه يبعدها تماما عن العقد ويخضعها لقواعد المسؤولية التقصيرية، ومن بينهم الدكتور محمد خيري الذي أشار إلى أن طبيعة مسؤولية محرري العقود تتبني في أغلب الحالات على المسؤولية التقصيرية، حيث يتم الاستناد إلى أسس هذه المسؤولية لترتيب جزاء عن الإخلال بواجب عام يفرضه القانون وهو الانحرف عن قواعد السلوك المهني في تحرير العقود

بالإضافة إلى أن الالتزامات التي تقع على كاهل الممارس للمهنة الحرة تجد أساسها في القانون ولا دخل لإرادة الأطراف فيها.

 أي أن المشرع من خلال القانون 03 . 16 ومرسوم 28 أكتوبر 2008 حدد الالتزامات الملقاة على عاتق العدل والتي تتجلى أهمها في مراعاة الضوابط المحددة قانونا لتلقي الشهادات وتحريرها والالتزام بالمحافظة على السر المهني والتأكد من الوضعية القانونية للعقار.

كما ذهب البعض إلى أن قواعد المسؤولية التقصيرية أصلح اختيار للمضرور ولا يجوز فيها الإعفاء من المسؤولية كالتضامن مفترض بقوة القانون.

الفقرة الثانية : الأساس القانوني للمسؤولية المدنية للعدول

إن أساس المسؤولية المدنية هو السبب الذي من أجله وضع المشرع عبء تعويض الضرر على عاتق شخص معين، وللإشارة فإن النصوص الخاصة التي نظمت مهنة خطة العدالة 03 . 16 لم تتعرض للمسؤولية المدنية للعدول، مما يحتم علينا الرجوع للنص العام الذي نظم هذه المسؤولية في قانون الالتزامات و العقود.

ولا تخلو مسؤولية العدول من حيث الأساس من أمرين، فإما أن تكون مسؤولية شخصية قائمة على أساس خطأ واجب الإثبات من العدول، أو مسؤولية موضوعية قائمة على أساس الخطأ المفترض.

كما سبق القول بأن التزام العدلين تجاه الزبون التزام عقدي يؤدي الإخلال به، إلى ترتیب مسؤوليتهما العقدية.

وكما هو معروف فالعقد يعتبر المصدر الأساسي للالتزام الذي يتعين على المدين الوفاء به، وهذا الالتزام قد يكون محله بذل العناية من أجله القيام بما تم التعاقد من أجله، ففي هذه الحالة يكون أساس المسؤولية العقدية خطأ واجب الإثبات، أما في الحالة التي يكون فيها محل الالتزام تحقيق نتيجة معينة، هنا يكون أساس المسؤولية العقدية خطأ مفترض في مواجهة المدين۔

فإن الالتزامات الملقاة على عاتق العدلين هي التزامات بتحقيق نتيجة، وتتجلى في تلقى الشهادة وتحريرها بكيفية قانونية تضمن الحق وتحافظ عليه، وتجعله سندا قويا يحتج به اتجاه الكافة، بالإضافة إلى التزامه بالتأكد من الوضعية القانونية للعقار، والتزامه كذلك بالقيام ببعض الإجراءات الشكلية، والالتزام بكتمان السر المهني، وحفظ الشهادات، فإذا لم يحقق النتائج المرتبطة بهذه الالتزامات، ففي هذه الحالة لا يعتبر قد وفي بالتزاماته، فالمضرور في هذه الحالة يتعين عليه إثبات الالتزام فقط وهو العقد.

ومن هنا يتبين بأن مسؤولية العدل مبنية على خطأ مفترض ينبغي عليه أن يثبت عکسه.

فإذا لم يقم العدل مثلا بالتأكد من الوضعية القانونية للعقار، وكان هذا الأخير محفظا، وتم إبرام المعاملة بشأنه وفيما بعد تبين بأن العقار الذي تم التعامل فيه مثقل برهن رسمي، ففي هذه الحالة يفترض خطأ العدلان، إن المضرور هنا يكتفي بإثبات العكس

المطلب الثاني : شروط المسؤولية المدنية العدول وصورها

على اعتبار أن المشرع المغربي لم يتناول المسؤولية المدنية للعدل بأي مقتضيات خاصة، وهذا ما يفرض علينا بالرجوع للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود باعتباره الشريعة العامة.

وعليه يمكن القول أن شروط قيام المسؤولية المدنية للعدول، هي : الخطأ (أولا) ثم الضرر (ثانيا) وأخيرا العلاقة السببية بين الخطأ والضرر (ثالثا)

أولا : الخطأ

يعتبر الخطأ ركنا أساسيا لقيام المسؤولية المدنية للعدول، وقد تركت مسألة تعريف الخطأ للفقه، وبهذا الخصوص اختلف الفقهاء في وضع تعريف محدد للخطأ ومن أشهر التعاريف التي وردت، تعریف بلانيول “الخطأ هو إخلال بالتزام سابق ويتمثل ذلك الالتزام السابق بالالتزام العام الذي يقع على الكافية بعدم الإضرار بالغير”

أما المشرع المغربي فقد عرف الخطأ في المجال التقصيري في الفصل 78 من قانون التزامات والعقود والذي ينص على أن: “الخطأ هو ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر”

ومن جهة أخرى قد يكون الخطأ عقديا ناتجا عن إخلال بالتزام عقدي، و المسؤولية العقدية تفرض وجود عقد صحیح بين الدائن والمدين، أما إذا كان العقد باطلا أو قابلا للإبطال فإن المسؤولية تكون تقصيرية، ومن خلال هذه المعطيات نستنتج بأن خطأ العدل يمكن أن يكون عقديا ويمكن أن يكون تقصيريا.

1 – الخطأ العقدي

يتخذ الخطأ العقدي أكثر من مظهر قانوني يختلف باختلاف نوع الإخلال الذي ارتكبه المدين فهو قد يتمثل في عدم تنفيذ الالتزام أو بحصول تنفيذ جزئي أو سيء له.

حيث أن المشرع المغربي وضع القاعدة العامة للمسؤولية العقدية في الفصل 263 من قانون الالتزامات بالعقود والذي ينص : “يستحق التعويض اما بسبب عدم الوفاء بالالتزام، و اما بسبب التأخير في الوفاء به وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين”

وهذا ما يمكن اعتماده في العلاقة بين العمل والزبون في الحالة التي يحجم فيها العدل عن توثيق العقد فإن مقتضيات الفصل 737 من قانون الالتزامات والعقود تسعفنا في تقرير مسؤولية العدل على اعتبار أن العقد الذي يربط هذا الأخير بالزبون عقد مقاولة يفرض عليه وهو المختص في التوثيق العديد من الالتزامات

2 – الخطأ التقصيري

كما ذكرنا سلفا فمسؤولية العدول قد تكون مسؤولية تقصيرية أو عقدية؛ قد يكون خطأ العدل تقصيريا إذا ارتكب ضد شخص لا تربطه به أية علاقة تعاقدية سواء ارتكبه العدل بصفة شخصية أو ارتكبه أحد تابعيه أثناء قيامه بمهنة أو بسببها. وهذا ما يوجب إعمال المسؤولية التقصيرية دون التفات إلى المسؤولية العقدية في ظل غياب عقد بين الزبون والعدل.

ثانيا : الضرر

لا يكفي لقيام المسؤولية المدنية للعدل توفر ركن الخطأ بل لا بد من أن يترتب عن هذا الأخير ضرر.

وقد عرف المشرع المغربي الضرر من خلال الفصل 98 من قانون الالتزامات والعقود بأنه هو الخسارة التي لحقت المدعي فعلا والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها الإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب أضرار به، وكذلك ما حرم منه من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل.

وقد تعرض الفصل 264 من قانون الالتزامات والعقود لتعريف الضرر في المسؤولية العقدية بقوله “الضرر هو ما لحق الدائن من خسارة حقيقية وما فاته من کسب متى كان ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام وتقدير الظروف الخاصة بكل حالة موکول لفطنة المحكمة، التي يجب عليها أن تقر التعويضات بكيفية مختلفة حسب خطأ المدين أو تدليسه …

ويجب أن يكون الضرر قابلا للتعويض وأن يكون محققا وحالا وكما يعوض عن الضرر المستقبل ادا كان محققا

ثالثا : العلاقة السببية

لابد لقيام المسؤولية المدنية من توفر العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، فإن الرابطة السببية في الفكر القانوني تعد عنصر لازما الانعقاد المسؤولية المدنية.

وقد تعددت النظريات بخصوص العلاقة السببية فهناك نظرية تكافؤ الأسباب وهناك نظرية السبب المنتج والمشرع المغربي أخذ بالسبب المباشر أي أن الخطأ هو السبب المباشر للضرر طبقا لما جاء في الفصول 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود.

وبناء على ما سبق نستطيع القول أن المتضرر لا يمكن أن يسأل العدلين إلا إذا ثبت إلى جانب الخطأ والضرر الذي أصابه العلاقة السببية التي تجعل من الخطأ سببا مباشرا في حصول الضرر؛ فلا يمكنه بالتالي أن يطالب العدلين بتعويض أي ضرر إلا إذا كان هذا الأخير ناجما مباشرة عن اغفال حقيقي أو مفترض لأي من واجباته المهنية ومن ثم لا يمكن مساءلة العدلين عن خطأ لم يكن سببا مباشرا في إحداث الضرر وهذا ما ذهب إليه المجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا) : لا مجال للحكم بالتعويض إذا كان الفعل المنسوب للشخص ليس سببا مباشرا لوقوع الضرر

أما إذا كان الضرر الواقع على المضرور نتيجة لمجموعة من الأخطاء؛ بعضها مرتب من قبل العدل والبعض الآخر من قبل الغير أو من المتضرر نفسه، وكان كل منها سببا في حدوث الضرر فإن الفرضية تفتح المجال أمام ما يسمی بتشطير التعويض بين جميع المسؤولين عن الضرر كل بنسبة خطئه.

كما أن إثبات العلاقة السببية يقع على كاهل المتضرر سواء كان من الغير حيث تطبق قواعد المسؤولية التقصيرية، أو كان زبونا تربطه بالتالي علاقة عقدية بالعمل الذي لجأ إليه لتوثيق العقد.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!