العدول عن الخطبة

أحكام العدول عن الخطبة

أحكام العدول عن الخطبة

العدول عن الخطبة : ما دامت الخطبة مجرد وعد متبادل بين رجل وامرأة على الزواج في المستقبل، فإنه يمكن لأحد الطرفين أن يتخلى نهائيا عن مشروع زواجه بإرادته المنفردة وذلك في أي وقت شاء ولو لم يستند هذا العدول إلى أسباب معقولة. وفي هذا الصدد، تنص المادة 6 من مدونة الأسرة على ما يلي: ‘ يعتبر الطرفان في فترة خطبة إلى حين الإشهاد على عقد الزواج، ولكل من الطرفين حق العدول عنها.’

فإذا وقع النكول، انقضت الخطبة ولا يجوز للطرف الذي لم يعدل أن يطلب من القضاء الحكم له بإلزام الطرف الآخر بالاستمرار في الخطبة وبالتالي ابرام عقد الزواج، غير أنه في بعض الأحيان يمكن أن ينتج عن العدول عدة مشاكل بين الخاطب والمخطوبة، خاصة إذا تبادلا الهدايا أو دفع الخاطب الصداق كله أو جزء منه للمخطوبة، بالإضافة إلى الأضرار المعنوية وكذلك المادية التي يمكن أن تنجم عن العدول، فما هو إذن موقف القانون من هذه المشاكل وكيف يعالجها إذا حدثت؟

1- حكم الهدايا عند العدول عن الخطبة

تتجلى آثار العدول عن الخطبة في الهدايا المقدمة إلى المخطوبة من طرف الخاطب ومن هنا يطرح التساؤل التالي: هل يمكن للخاطب أن يستردها، أم يمكن للمخطوبة الاحتفاظ بها كتعويض لها عن عدم إتمام مشروع الزواج؟

بخصوص هذه المسألة، قضت المادة 8 من مدونة الأسرة بان: ‘ لكل من الخاطب والمخطوبة أن يسترد ما قدمه من هدايا، ما لم يكن العدول عن الخطبة من قبله، ترد الهدايا بعينها، أو بقيمتها حسب الأحوال”. يتضح من هذه المقتضيات، أن المدونة سارت على منوال المذهب المالكي، ومستندها في الأخذ بهذا المذهب يرجع أساسا إلى التعليل المنطقي الذي عللت به المالكية رأيها وذلك بعدم جواز اجتماع ضررين على طرف واحد هو الطرف الذي لم يعدل حيث اجتمع عليه ألم العدول وألم استرداد الهدايا منه، كما أن الطرف الذي عدل هو الذي سعى إلى فسخ الخطبة، أي أن إبطال العمل قد تم من جانبه،

والقاعدة تقول : من سعي في نقض ما تم من جهته، فسعيه مردود عليه”، ولقد سبق للقضاء المغربي أن حكم باحقية الخاطب في استرجاعه لهداياه إذا تبين أن ما قامت به المخطوبة من تصرفات تجاه خاطبها الأول هو عمل مشوب بسوء نية يستوجب رد الهدية المقدمة،

وأخيرا، لم تتطرق مدونة الأسرة إلى الوفاة كمانع من السير بالخطبة إلى نهايتها الطبيعية ومآل الهدايا المتبادلة بين الخاطب والمخطوبة في حالة وفاة أحد الطرفين، ولكن يمكن القول إن الورثة لا حق لهم في استرجاعها لأن حكمها حكم الهبة و الوفاة مانع من حق الرجوع فيها.

2- حكم الصداق عند العدول عن الخطبة

إذا دفع الخاطب الصداق أو شيئا منه ولم يتم زواجه بالمخطوبة، اتفق الفقهاء على أن له الحق في استرداد ما دفعه من صداق إذا قرر العدول عن الخطبة، فإن كان ما دفعه ما يزال قائما استرده بذاته، وإن هلك أو استهلك، رد مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان قيميا، لأن الصداق لايستحق إلا بالزواج ولا يجوز للمرأة المخطوبة أن تحتفظ به طالما الزواج لم ينعقد بعد

أما بخصوص مدونة الأسرة المغربية، نصت المادة 9 منها على ما يلي: ” إذا قدم الخاطب الصداق أو جزءا منه، وحدث عدول عن الخطبة أو مات أحد الطرفين أثناءها، فللخاطب أو لورثته استرداد ما سلم بعينه إن كان قائما، وإلا فمثله أو قيمته يوم تسلمه.

إذا لم ترغب المخطوبة في أداء المبلغ الذي حول إلى جهاز، تحمل المتسبب في العدول ما قد ينتج عن ذلك من خسارة بين قيمة الجهاز والمبلغ المؤدي فيه

وبما أن الصداق المشار إليه قد اعطي بقصد الزواج ومادام هذا الأخير لم يتم، يحق للخاطب استرجاعه عينا إن كان قائما (أي ما زال على الحال التي قدم عليها)، أو مثله (إن كان من المثليات)، أو قيمته (إن تلف) يوم التسلم إذا لم يكن من المثليات وذلك بقطع النظر عن مسألة العدول وأسبابه

أما إذا تحول مبلغ الصداق المقدم أثناء الخطبة إلى جهاز (مثل الفراش واللباس)، فيمكن للمخطوبة إرجاع المبلغ المقبوض من الصداق والإحتفاظ بالأشياء التي اشترتها به. وإذا رفضت المخطوبة الإحتفاظ بما حول إليه مبلغ الصداق، أمكن للخاطب حيازته بالمبلغ الذي أنفق في شرائه، ولكن إذا لم ترغب المخطوبة أو رفض الخاطبان معا تسلم الجهاز بالمبلغ الذي أنفق فيه وبيع بمبلغ أقل، تحمل المتسبب في فسخ الخطبة الفرق بين المبلغين.

غير أن العدول عن الخطبة يمكن أن تنجم عنه أضرار مادية أو معنوية (کترك المخطوبة وظيفتها أو عملها أثناء الخطبة بناء على رغبة الخاطب، أو انقطاعها عن الدراسة، أو تفويت الخاطب علی المخطوبة خاطبا أخر…)، هل يمكن للمتضرر من العدول في هذه الحالات أن يطالب بالتعويض، أم أن التعويض عن العدول يتعارض مع مبدأ الحرية في الزواج؟ ما هو موقف الفقهاء من هذه المسألة، وكيف عالجت القوانين الحديثة مشكل طلب التعويض عن ضرر العدول عن الخطبة ؟

3- التعويض عن ضرر العدول عن الخطبة

إذا كان الفقهاء قد أجمعوا على أن الخطبة وعد بالزواج ولكل واحد من الطرفين الحق في العدول عنها، فإنهم لم يتعرضوا لما يترتب عن هذا العدول من أضرار، فلا يوجد في كتب الفقه الإسلامي ما يدل على بحث هذا الموضوع، ولكن يمكن القول إن عدم التطرق إلى هذه المسالة يرجع إلى بعض الظروف والملابسات التي يمكن إجمالها فيما يلي :

– أولا، إن الحياة الإجتماعية في البلدان الإسلامية لم يكن من شأنها في العصور الماضية أن تترك مجالا للإضرار بالمخطوبة عند العدول عن الخطبة لأن الزواج كان ينعقد فورا بعد الخطبة، مما لا يعطى للخاطب والمخطوبة الوقت للظهور معا امام الناس بمظهر الزوجين وإعطاء هما ما اعتاده بعض الأشخاص في عصرنا الحاضر بالسفر بالمخطوبة والخلوة بها، بعلة أن الخاطب يتعرف على أخلاقها وسلوكها وتتعرف هي كذلك على وضعيته وأخلاقه، ولربما تجاوزت الأمور هذا الحد ليستدرج أحدهما الآخر نحو الاتصالات الجنسية غير المشروعة فتحمل الفتاة قبل الأوان، كما أن الوعد بالزواج يستعمل احيانا كوسيلة للتغرير بالفتيات والنيل منهن والاعتداء على شرفهن، بل اغتصابهن والتستر عما حدث خوفا من الفضيحة، مع ما يترتب عن ذلك من آثار سلبية في مجتمع ما زالت فيه العذرية هاجس الفتاة و الفتی.

– ثانية، إن كلا الطرفين يتوقع ما قد يلحق به من أضرار بسبب عدول الطرف الآخر عن الخطبة، لأنه يعلم أن له الحق في العدول ويمكن أن يستعمله في أي وقت قبل إبرام العقد، فالزواج لا يتم إلا بتراضي الرجل والمرأة وإن الحكم بالتعويض عن العدول لكان في ذلك إلزام ضمني للخاطب بالزواج و إكراه غير مباشر له على إتمام العقد.

– ثالثا، لا يكون التعويض إلا لسبب من أسباب الالتزام كالإخلال بعقد أو فعل عمل ضار أو غير ذلك، فالخطبة في حد ذاتها ليست عقدا ولا يترتب عليها أثر، وكل ما في الأمر أنها وعد بإجراء العقد، والعدول عن الوعد لا يؤدي إلى جزاء ولو أن الوفاء بالوعد من الأمور المستحبة عند بعض الفقهاء.

غير أنه في الوقت الحاضر، تطورت الحياة الإجتماعية وتأثرت بالحضارة الغربية وأخذت عنها الكثير من المفاهيم والأفكار، الأمر الذي انعكست آثاره على العديد من التصرفات في المجتمعات الإسلامية، مما أدى إلى انتشار الانحلال الأخلاقي وضعف الوازع الديني والاختلاط بين الجنسين… فكل هذه العوامل أسهمت في خلق نموذج جديد للحياة في المجتمع وبالتالي انعكست آثارها بوضوح على إنشاء الأسرة وانحلالها…

فما هو موقف القوانين الحديثة من التعويض عن الضرر المرتبط مباشرة بالعدول عن الخطبة او الناتج من الظروف التي تم العدول فيها؟ ما هي الأسس التي اعتمدت عليها لمعالجة هذا المشكل؟ ما هي كذلك مسؤولية كل من الخاطب والمخطوبة إذا نتج عن الخطبة حمل قبل توثيق عقد الزواج؟

موقف القوانين الحديثة من التعويض عن الضرر المرتبط بالعدول عن الخطبة

اختلف الفقه الحديث حول مبدأ التعويض عند العدول عن الخطية إذا شاعه ضرر, فالبعض يرى أن مبدا التعويض مبدا عادل تقره مبادىء الشريعة الإسلامية في أصلين شرعيين :

– الأصل الأول : يتمثل في ‘مبدأ إساءة استعمال الحق، والذي قال به الإمام أبو حنيفة في كثير من فروع الفقه في مسائل الولاية على القاصر، والوكالة، وحقوق الجوار… وقد أصبح هذا المبدأ معمولا به اليوم في القوانين الوضعية الحديثة

 الأصل الثاني : يكمن في ” مبدأ التسبب في الضرر ” وهو مبدأ مسلم به في فقه مالك حيث أن كل وعد كان سببا في إلحاق ضرر، يجب الوفاء به… فبناء على هذين الأصلين، كان من الواجب التعويض عن الضرر الناشئ عن العدول، ولا فرق حينئذ بين أن يكون الضرر ماديا أو معنويا.

وهناك فريق آخر من الفقه يقول إن العدول عن الخطبة حق في ذاته لا يكون سببا للتعويض لأنه حق ومن استعمل حقه الشرعي لا يكون ضامنا ولا مطالبا بما نشأ من ضرر لحق غيره باستعمال حقه غير أن فريقا ثالثا يرى أن من نكل عن الخطبة وعدل عن إبرام الزواج الموعود به، وترتب على ذلك ضرر للطرف الآخر، فإنه يسأل على أساس الخطأ التقصيري متى توفرت شروط المسؤولية ويتمثل الخطأ هنا في الإخلال بواجب الحيطة واليقظة العادية، ذلك الإخلال الذي يكون الخطا في المعنى الفني الدقيق الذي يعد ركنا في المسؤولية التقصيرية طبقا للقواعد العامة، إلا أن بعض الفقه عرض هذا الطرح عندما رفض مبدأ التعويض عند العدول عن الخطبة لأن ذلك يؤدي بالضرورة إلى الاعتراف بالطابع الملزم للوعد بالزواج ويجعل المسؤولية عقدية كما فعل بعض الفقهاء من قبل.

أما في المغرب وفي غياب نص تشريعي في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، يرى بعض الفقه أن القانون المدني قد رتب على المسؤولية التقصيرية تعويضا يمكن أن يطبق بالنسبة للخطبة عن طريق القياس حفظا للحقوق وحرصا على جعل حد للتصرفات الطائشة التي يقوم بها بعض من لا أخلاق لهم. ومما لا شك فيه أن هذا الفقه كان يشير إلى مقتضيات الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود، ولكن القضاء المغربي كان يقرر عدم إمكانية تطبيق هذا القانون في مجال الأحوال الشخصية.

غير أن مدونة الأسرة وضعت حدا لهذا النقاش الفقهي عندما اعتبرت أن مجرد العدول عن الخطبة لا يترتب عنه في حد ذاته أي تعويض، ولكن إذا صدر عن أحد الطرفين فعل سبب ضررا للأخر، يمكن للمتضرر في هذه الحالة المطالبة بالتعويض طبقا للقواعد العامة كان يحمل الخاطب خطيبته على الاستقالة من الوظيفة أو الإنقطاع عن الدراسة ثم يفسخ الخطبة دون مسبب، أو أن تحمل المخطوبة خاطبها على تغيير مهنته أو إنفاق عدة مصاريف لكراء أو تأثيث شقة، ثم تتراجع دون أي سبب عن الخطبة.

4 – ترتيب النسب عن الخطبة

مجرد الخطبة لا يجعل المرأة المخطوبة زوجة للرجل للخاطب، بل تبقي أجنبية عنه طالما عقد الزواج لم يوثق بعد، ومن ذلك يحرم على الخاطب وعلى المخطوبة الخلوة بينهما وممارسة العلاقات الجنسية قبل إبرام عقد الزواج رسميا. غير أن مدونة الأسرة قضت بأنه إذا تمت الخطوبة وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة، ونسب للخاطب للشبهة إذا توفرت الشروط التالية المنصوص عليها في المادة 156 من مدونة الأسرة :

أ- إذا اشتهرت الخطية بين أسرتي الخاطب والمخطوبة، ووافق ولی الزوجة عليها عند الاقتضاء، أي يعرف أنهما خطيبان وصاحب ذلك إلتقاء أسري وتردد الخاطب على بيت أسرة المخطوبة وغيرها من الوقائع التي تفيد اشتهار أمرهما.

ب- إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة، أي بعد الإيجاب والقبول وأن يكون في أقل مدة الحمل من تاريخ إشهار الخطبة (ستة أشهر)

ج- إذا أقر الخطيبان أن الحمل منهما، أي أن المسيس بالمخطوبة كان من طرف خاطبها خلال فترة الخطبة لأن الحمل أثناء الخطبة بمثابة شبهة يثبت بها النسب اذا توفرت الشروط المنصوص عليها في المادة 156.

أما إذا أقرت المخطوبة بأن الخطبة لم تقع إلا بعد حملها من الخاطب، فإن مقتضيات المادة 156 من مدونة الأسرة غير متوفرة، مما يتعين معه عدم الإستجابة لطلب المخطوبة والتصریح برفضه حسب ما ذهب إليه الإجتهاد القضائي. كذلك إن المرأة التي كانت ضحية اغتصاب وأدين المغتصب من أجلها وأثبتت الخبرة البنوة البيولوجية الناتجة عنه، فإن البنوة الشرعية لا تثبت ما دامت الخطبة لم تثبت ولم تشتهر بين الأسرتين وأن باقي الشروط المتعلقة بإثبات النسب غير متوفرة، إضافة إلى أن الفقه والقضاء استقرا على أن الزنا والإغتصاب لايلحق بهما النسب لأن الحد والنسب لايجتمعان إلا في حالات خاصة ،

وتتم معاينة الشروط المنصوص عليها في المادة 156 بمقرر قضائي غير قابل للطعن فيه. وإذا أنكر الخاطب أن يكون ذلك الحمل منه، أمكن اللجوء إلى جميع الوسائل الشرعية في إثبات النسب.

ومتى استكمل الرجل الخاطب الذي هو بصدد الإقدام علی الزواج الأخذ بالمقدمات سابقة الذكر – من اختيار وخطبة – انتقل بعد ذلك إلى إدخال علاقته بالمرأة المخطوبة في إطار الشرعية ويكون ذلك من خلال إبرام عقد الزواج وتوثيقه.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!