الطلبات العارضة في الدعوى التحكيمية

الطلبات العارضة في الدعوى التحكيمية

الطلبات العارضة في الدعوى التحكيمية

الطلبات العارضة في الدعوى هي تلك الطلبات التي يقدمها أحد الخصوم أثناء سير الدعوى -أي بعد افتتاحها – سواء كانت مقدمة من طرف المدعي أو المدعى عليه. وبالتالي فالطلب العارض يختلف عن الطلب الأصلي، حيث أن هذا الأخير هو ذلك الطلب الذي تنشأ عنه خصومة (دعوى) لم تكن موجودة قبل إبدائه، أي أنه أول ما تفتتح به الدعوى من إجراءات، أما الطلب العارض فهو الذي يتم إبداؤه بعد افتتاح الدعوى وسير إجراءاتها،

وهو ما يعني أن الطلبات العارضة تستوجب وجود دعوى وخصومة قائمة قبل إبدائها والطلبات العارضة قد تقدم من المدعي في مواجهة المدعى عليه فتسمى بالطلبات الإضافية، وقد تقدم من المدعى عليه في مواجهة المدعي فتسمى بالطلبات المضادة أو المقابلة

ومن خلال هذه التعاريف يتضح أن الطلبات العارضة تتضمن تغييرا لموضوع الدعوى، وللطلب الأصلي الذي افتتحت به، وذلك إما بتأكيده أو إضافة عناصر جديدة لها علاقة بموضوع الدعوى أو غير ذلك من التعديلات والتغييرات التي يمكن أن تدخلها هذه الطلبات على موضوع الدعوى.

وانطلاقا من هذا الدور الذي تؤديه الطلبات العارضة يطرح تساؤل عريض يتعلق بمدى ملاءمة هذه الوسيلة مع خصوصيات مؤسسة التحكيم ونزاعها التحكيمي الذي يتطلب المرونة والثبات؟ وهل استطاعت التشريعات الوطنية والدولية للتحكيم تنظيم هذه الطلبات بالكيفية التي تراعي مميزات التحكيم من جهة وحقوق ومصالح الأطراف من جهة ثانية؟ (الفقرة الأولى). ثم كيف تعامل القضاء مع هذا الإجراء؟( الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: الإطار النظري في الطلبات العارضة في الدعوى التحكيمية

إذا كان الأصل أن الطلبات العارضة تكون جائزة في الدعوى القضائية، فإنها أيضا جائزة في الدعوى التحكيمية ، فبالرغم من أن نطاق الدعوى التحكيمية يتحدد– وبشكل عملي – بالطلبات الأصلية التي يقدمها المدعي وتفتتح بموجبها الدعوى التحكيمية، والتي ينبغي – أي الطلبات الاصلية – الالتزام بها وعدم تغييرها وتعديلها إعمالا لمبدأ ثبات نزاع الدعوى التحكيمية، واحتراما لمبدأ الحق في الدفاع والذي يتطلب عدم مفاجأة الخصوم بطلبات جديدة تقدم بعد أن يكون قد استعد للدفاع في نطاق الطلب الأصلي، وتجنبا كذلك لإطالة الدعوى وتعقيدها ، إلا أن معظم التشريعات الوطنية للدول ومعها أيضا قواعد التحكيم التجاري الدولي أجازت لأطراف النزاع التحكيمي تقديم طلبات عارضة

حيث أن منطق حسن سير العدالة، والاقتصاد في الخصومة والوقت والجهد والنفقات يقتضي تسوية وتصفية النزاعات المرتبطة بالطلب الأصلي وعدم تركها بساحة العدالة (قضائية كانت أو تحكيمية)، لهذا تمت إجازة تقديم الطلبات العرضة أمام الهيئة التحكيمية باعتبارها مظهرا لتطور المنازعة

وفي هذا الصدد ينص المشرع المغربي في الفقرة الثانية من الفصل   14-327 من قانون 05-08 على أنه: “يجب على المدعى عليه أن يرسل خلال الموعد المتفق عليه بين الطرفين  أو الذي تعينه هيئة التحكيم، للمدعى ولكل واحد من المحكمين مذكرة جوابية كتابية بدفاعه ردا على ما جاء بمذكرة الدعوى، وله أن يضمن هذه المذكرة طلبات عارضة متصلة بموضوع النزاع، أو أن يتمسك بحق ناشئ عنه بقصد الدفع بالمقاصة ويرفقها بكل الوثائق التي يريد استعمالها للإثبات أو النفي

 كما ينص كذلك المشرع المغربي في الفقرة 05 من الفصل  14-327 على أنه: “يمكن لكل من طرفي التحكيم تعديل طلباته أو أوجه دفاعه أو استكمالها خلال إجراءات التحكيم ما لم تقرر هيئة التحكيم عدم قبول ذلك، منعا من إعادة الفصل في النزاع”.

تبقى الإشارة إلى أن القواعد الدولية للتحكيم أكدت على جواز تقديم الطلبات العارضة في الدعوى التحكيمية، وهذا ما نصت عليه المادتين 21 و 22 من قواعد الأونيسترال للتحكيم بصيغتها المعتمدة سنة 2013 ، وأيضا المادة 23 من القانون النموذجي للتحكيم التجاري

وباستقراء مختلف هذه النصوص يتضح أن تقديم الطلبات العارضة في الدعوى التحكيمية أمر جائز، لكن ذلك محكوم بمجموعة من الضوابط التي يجب احترامها، حيث يشترط لقبول الطلبات العارضة أمام هيئة التحكيم أن تكون هذه الطلبات مرتبطة برابطة كافية كما ينص على ذلك المشرع الفرنسي، أو أن تكون متصلة بموضوع النزاع حسبما ينص على ذلك المشرع المغربي

وبالتالي فلا يجب أن تخرج طلبات الأطراف عن نطاق اتفاق التحكيم شرطا كان أو عقدا، وسواء كانت هذه الطلبات إضافية أو مقابلة، فاحتراما لخصوصيات التحكيم كطريق استثنائي لفض النزاع والذي يتطلب السرعة والمرونة في الإجراءات من جهة وأيضا لما تم الاتفاق عليه في شرط أو عقد التحكيم من جهة ثانية، لا يجوز قبول تقديم الطلبات العارضة أيا كان نوعها في حالة تجاوزها لنطاق وموضوع اتفاق التحكيم

لكن تحقق شرط الرابطة الكافية أو الاتصال بموضوع النزاع التحكيمي لا يكفي لوحده لقبول هيئة التحكيم للطلبات العارضة، حيث منح المشرع المغربي في الفقرة الخامسة من الفصل 14-327 وعلى غراره المشرع المصري ( المادة 32 ) للهيئة التحكيمية سلطة عدم قبول الطلبات العارضة، إن كان من شأن قبول هذه التعديلات إعادة الفصل في النزاع حسب تعبير المشرع المغربي أو تعطيلا له حسب صيغة التشريع المصري وعليه وحتى تقبل هيئة التحكيم الطلبات العارضة، فإنه ينبغي أن تكون متصلة بموضوع النزاع ولا تؤدي إلى إعادة الفصل فيه.

وبالإضافة إلى هذين الشرطين يحتم على أطراف التحكيم أخذ ضابط وعامل الوقت بعين الاعتبار، إذ يتعين عليهم تقديم طلباتهم خلال إجراءات التحكيم، أي قبل قفل باب  المرافعات واعتبار القضية جاهزة للحكم فيها، وذلك حسب ما ينص عليه  14-327 وأيضا الفصل 21-327 من قانون 05-08 ، حيث ينص هذا الأخير على أنه:” تحدد الهيئة التحكيمية بعد  انتهائها من إجراءات التحقيق واعتبارها القضية جاهزة، تاريخ حجزها للمداولة وكذا التاريخ المقرر لصدور الحكم. لا يجوز بعد هذا التاريخ، تقديم أي طلب جديد أو إثارة أي دفع جديد ولا يجوز إبداء اية ملاحظة جديدة ولا الإدلاء بأية وثيقة جديدة، ما لم يكن ذلك بطلب من الهيئة التحكيمية”

وحسنا فعل المشرع بتحديد تاريخ انتهاء قبول الطلبات العارضة، وذلك حماية لحقوق الدفاع ومصالح الأطراف من جهة، وحتى لا تطول إجراءات الدعوى التحكيمية وتضيع معالم النزاع الأصلي وغيرها من المشاكل والسلبيات التي قد تنتج عن عدم تحديد هذه التاريخ، والتي لا تتناسب البتة ومميزات التحكيم وإجراءاتها المسطرية.

تبقى الإشارة إلى المشرع المغربي والمقارن أجازا للمدعى عليه أن يتملك بحق ناشئ عن النزاع التحكيمي بقصد الدفع بالمقاصة حسبما تنص عليه الفقرة 2 من الفصل  14-327 والتي جاء فيها: “…وله – أي المدعى عليه- أن يضمن هذه المذكرة طلبات عارضة متصلة بموضوع النزاع، أو أن يتمسك بحق ناشئ عنه بقصد الدفع بالمقاصة…” و بالتالي فلا ينبغي للمدعى عليه أن يتمسك بحق لا علاقة ولا صلة له بموضوع النزاع لكي يدفع بالمقاصة بينه وبين حق الذي يطالب به المدعي.

هكذا إذن يتضح أن التشريعات أجازت للأطراف المحتكمة تقديم الطلبات العارضة أمام هيئة التحكيم وأحاطت ذلك بمجموعة من الضوابط التي من شأنها الحيلولة دون الاستعمال السيء والمتعسف لهذه المكنة قصد إطالة الإجراءات والإضرار بمصالح الطرف الآخر في النزاع التحكيمي. فأي موقف، إذن، للقضاء في هذا الصدد؟

الفقرة الثانية: الإطار التطبيقي للطلبات العارضة في الدعوى التحكيمية

إذا كانت أغلب التشريعات المشار إليها آنفا تتفق على جواز تقديم الطلبات العارضة أمام الهيئة التحكيمية، فإن القضاء بدوره يسير في نفس الاتجاه، و يؤكد أحقية أطراف اتفاق التحكيم في تعديل طلباتهم، وفي هذا الصدد قضت محكمة استئناف باريس بأن اختصاص هيئة التحكيم يمتد إلى كافة الطلبات التابعة طالما أنها ترتبط بالطلب الأصلي برابطة وثيقة ، كما قضت أيضا بأنه: “يدخل في اختصاص هيئة التحكيم، الفصل في كافة الطلبات التي تندمج في مضمونها مع الطلب الأصلي، وبالتالي لا يكون المحكم قد تجاوز حدود اختصاصه إذا كان مكلفا بتسوية النزاعات التي قد تنشأ بين الخصوم فيما يتعلق بالحسابات، وله أن يلزم أحدهم بدفع الفوائد التأخيرية كجزاء لتأخره عن دفع بعض الديون لدى الخصم الآخر

ومن كل ما سبق نستشف جواز تقديم الطلبات العارضة في مادة التحكيم، لكن بالرغم من نص التشريعات على هذه المكنة، إلا أنه ينبغي للأطراف التعامل معها بحسن النية، واستعمالها في حدودها القانونية بما لا يؤثر في مسار النزاع التحكيمي ويفقده فاعليته. ومقابل ذلك يجب على هيئة التحكيم البحث الدقيق في تلك الطلبات والتحقق من وجود اتصال ورابطة بينها وبين الطلب الأصلي مع الأخذ بعين الاعتبار عدم تعطيل هذه الطلبات لإجراءات الفصل في النزاع التحكيمي.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!