الطلبات الأصلية في الدعوى التحكيمية

الطلبات الأصلية في الدعوى التحكيمية

الطلبات الأصلية في الدعوى التحكيمية

لقد نظم المشرع المغربي الطلبات الأصلية في الدعوى التحكيمية بموجب الفصل 14-327 من القانون 05-08 حيث نص في الفقرة الأولى منه على الطلب الافتتاحي، أو  المذكرة الافتتاحية للدعوى التحكيمية والتي يجب على المدعي إرسالها إلى المدعي عليه والمحكمين في الوقت المحدد اتفاقا بين الطرفين أو الذي تعينه هيئة التحكيم، مبينا – أي المشرع المغربي – مجموعة من الضوابط الشكلية والموضوعية التي تحكم هذه المذكرة

ومقابل ذلك، وتجسيدا لوجه من أوجه حق الدفاع، منح المشرع المغربي في الفقرة الثانية من الفصل  14-327 للمدعي عليه فرصة الرد على مذكرة المدعي، وذلك بواسطة مذكرة كتابية جوابية فما هي إذن الضوابط والقواعد القانونية التي تحكم كل مذكرة على حدة؟ وأي موقف للتشريعات المقارنة وقواعد التحكيم التجاري الدولي في هذا الإطار؟

الفقرة الأولى: المذكرة الافتتاحية للدعوى التحكيمية

بقراءة للفقرة الأولى من الفصل 14- 327 من قانون 05-08 التي تنص على أنه: “يجب  على المدعي أن يرسل خلال الموعد المتفق عليه بين الطرفين أو الذي تعينه هيئة التحكيم للمدعى عليه وإلى كل واحد من المحكمين مذكرة مكتوبة بدعواه تشمل على اسمه وعنوانه وشرح لوقائع الدعوى وتحديد المسائل موضوع النزاع، وطلباته وكل أمر آخر يوجب اتفاق الطرفين ذكره في هذه المذكرة ويرفقها بكل الوثائق وأدلة الإثبات التي يريد استعمالها”،

مع الفقرة التاسعة من نفس الفصل التي جاء فيها “يترتب على تقديم المدعي دون عذر مقبول مذكرة فتح الدعوى ….” يتضح بجلاء أن الدعوى التحكيمية في التشريع المغربي- وعلى غرار الدعوى القضائية –تفتتح بالمذكرة أو المقال الافتتاحي الذي يرسله المدعي إلى كل من المدعى عليه والمحكمين عارضا فيها ما يطلب من الهيئة التحكيمية أن تحكم له به من حقوق وطلبات.

أما بخصوص موقف قواعد التحكيم التجاري الدولي فهي الأخرى تؤكد على أن افتتاح الدعوى التحكيمية يكون بواسطة بيان الدعوى، وهذا ما يتضح من نص المادة 20 من قواعد الأونيسترال للتحكيم الموضوعة من طرف لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي بصيغتها المعتمدة سنة 2013 ، حيث جاء فيها: ” يرسل المدعي بيان دعواه كتابة إلى المدعى عليه وإلى كل واحد من المحكمين…” وعلى منوال هذه القواعد يسير كذلك القانون النموذجي للتحكيم وباستقراء مختلف هذه النصوص القانونية يتضح ما يلي:

أولا:

ان مجمل التشريعات تتحدد في ما يجب أن تشتمل عليه المذكرة الافتتاحية (أو بيان الدعوى) من عناصر وهي كالتالي:

1 – معلومات المدعي والمدعي عليه وتتمثل في اسم كل واحد منهما وعنوانه.

2 – البيانات والمعلومات المرتبطة بموضوع الدعوى التحكيمية من شرح لوقائع كتوضيح مثلا سبب النزاع وبدايته وغيرها من الوقائع التي قد تفيد الهيئة التحكيمية وتحديد المسائل موضوع النزاع وطلباته، أي ما يطلب من الهيئة الحكم له به ضد المدعي عليه ويجب أن تكون هذه الطلبات الأصلية في الدعوى التحكيمية في نطاق المسائل محل النزاع، إلى غير ذلك من الأمور والبيانات التي يكون طرفي التحكيم قد اتفقا على ذكرها في هذه المذكرة.

كما ينبغي كذلك وحسب ما تنص عليه الفقرة الأولى من الفصل 14-327 إرفاق المذكرة الافتتاحية بكل الوثائق وأدلة الإثبات التي يريد المدعي استعمالها وذلك تسييرا لسير الدعوى التحكيمية، وتمكينا للهيئة التحكيمية من الوقوف على حقيقة النزاع وتكوين قناعاتها حتى يتسنى لها إنجاز المهمة الموكولة لها في أسرع وقت وبشكل يضمن حقوق الأطراف

ثانيا:

عدم تحديد المشرع المغربي -ومعه غالبية التشريعات المقارنة- لكيفية إرسال المذكرة الافتتاحية إلى المدعى عليه وأيضا للمحكمين، حيث اكتفى فقط بتحديد شكل هذه المذكرة وأوجب ضرورة كتابتها دون التنصيص على طريق معين لإرسالها، وبالتالي يمكن القول بأن للطرف المدعي الحرية في استعمال جميع الوسائل المكتوبة التي قد تمكنه من إرسال تلك المذكرة إلى المعنيين بها، ما لم يكن الطرفان قد اتفقا على شكل معين يتم به هذا الإرسال.

وبالتالي فيجب على المدعي أن يتحرز في اختيار الوسيلة والطريقة الناجعة والتي يمكن الاعتماد عليها في الإثبات حالة وجود خلاف حول عدم التوصل بالإرسال من طرف المدعى عليه والهيئة التحكيمية.

كما لم يحدد القانون 05-08 كيفية العلم بتوصل المدعى عليه والهيئة التحكيمية  بالمذكرة المكتوبة، وهو ما يمكن أن يستغله المدعى عليه سيء النية، إذ بالرغم من توصله بهذا الإرسال قد يدعي خلاف ذلك، وهو ما قد ينتج عنه إضرار بمصالح الطرف المدعي من زيادة في الإجراءات و ضياع للجهد و المال و الوقت.

و بالتالي وتفاديا لمثل هذه الأمور السلبية الآثار، يجب على المدعي-ومن منطلق الحرية الممنوحة له – التأكد من توصل المدعي عليه بهذا الإرسال واستعمال الوسيلة التي قد تفيده في ذلك.

ثالثا:

 تاريخ افتتاح الدعوى التحكيمية وإرسال المذكرة الافتتاحية: من خلال النصوص القانونية المذكورة أعلاه، يتضح أن افتتاح الدعوى يبتدئ من تاريخ إرسال المذكرة الافتتاحية من طرف المدعي إلى كل من المدعى عليه والمحكمين، هذا التاريخ -أي تاريخ وموعد الإرسال – تركت التشريعات أمر تحديده لإرادة أطراف التحكيم في الاتفاق على موعد معين يتم فيه إرسال تلك المذكرة،

لكن في حالة انعدام هذا الاتفاق تتولى –وحسب الفقرة الأولى من الفصل  14-327  – الهيئة التحكيمية تحديده، وهنا يجب استحضار مقتضيات الفقرة الأولى –من الفصل 20-327 التي تنص على أنه: “إذا لم يحدد اتفاق التحكيم للهيئة التحكيمية أجلا لإصدار الحكم التحكيمي، فإن مهمة المحكمين تنتهي بعد مضي ستة أشهر من اليوم الذي قبل فيه آخر محكم مهمته”

وبالتالي فينبغي على الهيئة التحكيمية أخذ هذا المقتضى القانوني بعين الاعتبار وأن تبادر إلى تحديد موعد معقول لإرسال المذكرة الافتتاحية، يراعى حجم النزاع وما يقتضيه من وقت لكي يتمكن المدعي من إعداد مذكرة دعواه، ويتفادى بموجبه اللجوء إلى تمديد أجل التحكيم وما يستتبعه من طول وإهدار للوقت، وهو ما لا يتناسب إطلاقا مع خصوصيات التحكيم المتسمة بالمرونة والسرعة في الإجراءات.

وربما أن هذا الأمر – بالإضافة إلى مبررات أخرى -هو الذي دفع بالمشرع المغربي والمقارن إلى التمييز ما بين تاريخ بدء الإجراءات التحكيمية والتي هي تاريخ اكتمال تشكيل الهيئة التحكيمية ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك حسب ما تنص عليه الفقرة الأخيرة من الفصل  10-327، وتاريخ افتتاح الدعوى التحكيمية والذي يتمثل في موعد إرسال المذكرة الافتتاحية، والذي تركت بشأنه التشريعات الحرية لأطراف التحكيم لتحديده وفق ما يتناسب ونزاعهم التحكيمي.

تبقى الإشارة إلى أن المشرع المغربي رتب على عدم تقديم المدعي للمذكرة الافتتاحية في الأجل المحددة ودون عذر مقبول جزاء توقعه هيئة التحكيم ويتمثل في إنهائها لإجراءات التحكيم ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك، وهذا ما تؤكده الفقرة التاسعة من الفصل  14-327 و هو نفس المقتضى الذي نص عليه المشرع المصري في المادة  34 من قانون التحكيم، وأيضا قواعد التحكيم التجاري الدولي

هكذا إذن يتضح أن التشريعات الوطنية للدول ومعها أيضا قواعد التحكيم التجاري الدولي، حاولت إحاطة المذكرة الافتتاحية للدعوى التحكيمية بمجموعة من الضوابط والقواعد (كمشتملات المذكرة، الحرية في تحديد الموعد…) والتي من شأنها ضمان حق الدفاع للمدعي من جهة مع الحفاظ على ما تستلزمه الخصومة التحكيمية من سرعة ومرونة في الإجراءات، ليطرح التساؤل بذلك عن كيفية تنظيم هده التشريعات للمذكرة الجوابية التي تمكن المدعي عليه من الدفاع والرد على طلبات المدعي؟

الفقرة الثانية: المذكرة الجوابية

تكريسا لحق الدفاع، وإعمالا لمبدأي المساواة والمواجهة بين الخصوم، منحت التشريعات الوطنية للدول، ومعها كذلك القواعد الدولية للتحكيم للمدعى عليه في الدعوى التحكيمية ومنذ المراحل الأولى لافتتاحها فرصة الدفاع عن حقه ودحض طلبات المدعي وذلك بواسطة آلية هامة تدعى “المذكرة الجوابية” أو “مذكرة الرد عند المشارقة”.

وهكذا ينص المشرع المغربي في الفقرة الثانية من الفصل  14-327 من قانون 05-08 على أنه: “يجب على المدعى عليه أن يرسل خلال الموعد المتفق عليه بين الطرفين أو الذي تعينه هيئة التحكيم للمدعي ولكل واحد من المحكمين مذكرة جوابية مكتوبة بدفاعه ردا على ما جاء بمذكرة الدعوى…”

وهو ما أكده أيضا المشرع المصري في الفقرة الثانية من المادة 30 من قانون التحكيم المصري التي جاء فيها: “ويرسل المدعى عليه خلال الميعاد المتفق عليه بين الطرفين أو الذي تعينه هيئة التحكيم إلى المدعي وكل واحد من المحكمين مذكرة مكتوبة بدفاعه ردا على ما جاء ببيان الدعوى…” كما أكده كذلك كل من القانون النموذجي في المادة 23 من ديباجته ، وقواعد الأونيسترال للتحكيم لسنة 2013 (المادة 21)

ومن خلال هذه النصوص يتضح وبجلاء وجه من أوجه الحق في الدفاع الممنوح للمدعى عليه، و الذي يتمثل في المذكرة الجوابية التي يرد بها على طلبات خصمه في الدعوى التحكيمية.

وبالتالي وحتى يتسنى للمدعى عليه الاستفادة من هذه الوسيلة الهامة وممارسة حقه في الدفاع، يجب عليه احترام الموعد المحدد لإرسال المذكرة الجوابية، و الذي يتمتع بصدده الأطراف بحرية تامة في تحديده، وذلك مثل موعد تقديم المذكرة الافتتاحية، وبالتالي فيجب على الأطراف استغلال هذه الحرية الممنوحة لهم في هذا الصدد، وتحديد موعد زمني معقول يمكن كل طرف من إعداد طلباته وادعاءه والذي يحتم على كل واحد احترامه.

وفي حالة انعدام اتفاق الأطراف تتدخل هيئة التحكيم وتتولى تحديد الموعد الذي يجب على المدعى عليه إرسال مذكرته الجوابية والرد على طلبات المدعى. وهنا يجب على الهيئة تحديد ميعاد مناسب يتيح للمدعي عليه الوقت الكافي لاحضار دفاعه ومستنداته وكل ما يمكن أن يساعده في الرد على طلبات المدعي، مستحضرة في ذلك حجم النزاع و حجم ما قدمه المدعى من وثائق وأدلة ومستندات وما أثاره من مشاكل قانونية أو واقعية في المذكرة الافتتاحية، وفي جميع الأحوال واحتراما لمبدأ المساواة بين الأطراف يجب ألا يقل الوقت الممنوح للمدعى عليه لإعداد مذكرة دفاعه عن ذاك الممنوح للمدعي عند تقديم مذكرته الافتتاحية

وعليه ومهما يكن الطرف المحدد لموعد إرسال المذكرة الجوابية، فإنه ينبغي للمدعى عليه الالتزام بذلك، إذ وحسب الفقرة العاشرة من الفصل 14-327 من قانون 05-08 إذا لم يقدم  المدعى عليه مذكرته الجوابية داخل الأجل المحدد له تستمر هيئة التحكيم في إجراءات دون أن يعتبر ذلك بذاته إقرارا من المدعى عليه بدعوى المدعي

لكن وبالرغم من هذه الحصانة القانونية القوية لحق المدعى عليه في ممارسة حقه في الدفاع وتقديم مذكرته الجوابية، إلا أنه لا ينبغي للمدعى عليه استغلالها بسوء نية والتمادي في عدم إرسال تلك المذكرة بالرغم من توصله بالمذكرة الجوابية، لأن ذلك سيضر بمصالحه من جهة لاستمرار إجراءات التحكيم –حسب منطوق الفقرة أعلاه- وسيطول مدة النزاع التحكيمي وتعقيد الدعوى التحكيمية، وهو ما يشكل أيضا إضرار حقيقيا بحقوقهم جميعا المدعي والمدعى عليه

و بالإضافة إلى عامل الوقت، يتوجب على المدعى عليه كذلك كتابة مذكرته، حسب ما تنص على ذلك الفقرة الثانية من الفصل  14-327

أما بالنسبة لطريقة الإرسال، فعلى غرار المذكرة الافتتاحية، يتمتع الأطراف بالحرية في اختيار الوسيلة المناسبة و الناجعة والأكثر حماية لحقوقهم والتي يتم عن طريقها إرسال مذكرتهم الافتتاحية والجوابية.

تبقى الإشارة إلى أن معظم التشريعات، وحرصا منها على ضمان مبدأي الحق في الدفاع والمواجهة بين المحتكمين ألزمت الهيئة التحكيمية بضرورة إرسال كل ما يقدمه لها أحد الطرفين من أدلة ومستندات إلى الطرف الآخر في الخصومة،

 وفي هذا الإطار ينص الفصل 327-14  في فقرته الرابعة على أنه:” ترسل –أي الهيئة التحكيمية- صور كل ما يقدمه أحد الطرفين لهيئة التحكيم من مذكرات أو مستندات أو أوراق أخرى إلى الطرف الآخر، وكذلك كل ما يقدم إلى الهيئة من تقارير الخبراء وغيرها من الأدلة مع منحهم أجلا لتقديم ما لديهم من ردود وملاحظات” وهو ما أكده أيضا المشرع المصري حيث ينص في المادة 31 من قانون التحكيم على انه: “ترسل صورة ما يقدمه أحد الطرفين إلى هيئة التحكيم من مذكرات أو مستندات أو أوراق أخرى إلى الطرف الآخر، وكذلك ترسل إلى كل من الطرفين صورة من كل ما يقدم إلى الهيئة المذكورة من تقارير الخبراء والمستندات وغيرها من الأدلة”.

من كل هذا إذن نستخلص أن التشريعات الوطنية والقواعد الدولية للتحكيم، وإدراكا منها لأهمية الحق في الدفاع والمواجهة بين الخصوم، حاولت تنظيم هذا المبدأ بكيفية تراعي إلى حد ما حقوق كل طرف في الدفاع عما يدعيه ومواجهة طلبات خصمه، وذلك بإحاطة المرحلة الأولى لافتتاح الدعوى التحكيمية بمجموعة من القواعد والضوابط التي تكفل ممارسة هذا الحق في إطاره القانوني مع الحفاظ على ما تستلزمه الإجراءات التحكيمية من سرعة ومرونة.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!