تعريف الطب الشرعي و أساسه القانوني

تعريف الطب الشرعي و أساسه القانوني

تعريف الطب الشرعي و أساسه القانوني

مقدمة الطب الشرعي : إن تطور الجرائم يتبعها تطور في وسائل ارتكابها سواء كانت هذه الظاهرة عمدية أو غير عمدية، وبالمقابل تطورت سبل التحقيق و البحث عن الجريمة، وهو ما حفز العديد من الأطباء المختصين للتفرغ إلى علوم طبية أخرى لمساعدة القضاء على مكافحة الجريمة وكشفها والتوصل إلى مرتكبها، وبتطوير العلاقة بين الطب و القانون أصبح للطب اختصاص مستقل أطلق عليه مسمى ” الطب الشرعي”.

الفقرة الأولى: مفهوم الطب الشرعي

سنتناول في هذه الفقرة تعريف الطب الشرعي (أولا ) على أن نتناول في (ثانيا) أساسه القانوني.

أولا : تعريف الطب الشرعي

للطب الشرعي عدة تعاريف، وعليه سيتم التطرق في هذا الفرع للتعاريف الفقهية والقانونية أو التشريعية.

1- التعاريف الفقهية

الطب الشرعي كلمة مركبة من الطب إشارة إلى كل ما هو طبي عملي، وشرعي إشارة إلى الشرعية بمفهوم الأنظمة و القوانين، ويهتم الطب الشرعي بهذا المفهوم بدراسة العلاقة التي تربط بين الوقائع الطبية والنصوص القانونية.

وللطب الشرعي عدة مسميات منها الطب القضائي و الطب العدلي و الطب القانوني و الطب الجنائي و طب المحاكم وطب الأموات

كما عرفه البعض بأنه فرع من فروع الطب أي اختصاص طبي يمارسه الطبيب الشرعي المكلف بأعمال خبرة أو معاینات لمساعدة القضاء الجنائي أو المدين في مجال البحث عن الحقيقة

وعرفه الأستاذ “سيمونين” بجامعة ستراسبورغ بفرنسا ” الطب الشرعي نشاط خاص يستخدم المعارف الطبية والبيولوجية لغرض تطبيق القوانين الجزائية و المدنية و الإجتماعية.”

وقد تم تعريف الطبيب الشرعي بأنه هو الطبيب الذي يستعان بمعلوماته وخبراته الطب شرعية لخدمة العدالة عن طريق كشف غموض الجانب الطبي من القضايا المختلفة التي تعرض عليه من قبل القضاء ، ويعتبر شاهدا فنيا محايدا أمام الهيئة القضائية التي قامت باستدعائه ، وعلى الطبيب الشرعي أن يضع في اعتباره أنه لا يعمل لحساب أية جهة ضمانا للحيدة وتحقيقا للعدالة وأن مسألة تبعيته لجهة معينة هي تبعية إدارية وليست تبعية فنية لا تغير من وضعه كشاهد ، فهو في مصر يتبع لوزارة العدل ، وفي المملكة العربية السعودية يتبع لوزارة الصحة ، وفي تونس وبعض الولايات الأمريكية يتبع لوزارة الداخلية.

كما ذهب لاكاسانيا إلى القول بأن ” الغاية من الطب الشرعي هو جعل المعلومات الطبية في خدمة القضاء، والعلاقة بين الأطباء والقضاء يجب أن تتبلور في ميدان الخبرة الطبية الشرعية، والتي تحتم على العدالة من جهة، وعلى الطب الشرعي من جهة أخرى توحيد مجهوداتهما وخطة عملهما سعيا وراء استجلاء الحقيقة.” وعرفه سعيد الواهلية بأنه” مجموعة من التخصصات الطبية البيولوجية ، والتي تهدف إلى خدمة العدالة وتنوير رأيها .”

و إجمالا فإن الطب الشرعي هو تسخير علوم الطب بكل معارفه وتقنياته لمساعدة رجال القانون علی فهم ما استشكل عليهم من أمور ذات طبيعة تقنية قد تواجههم أثناء النظر في مختلف القضاي

2 – التعريف القانوني

هنا لابد من الإشارة إلى أن هناك اختلاف في وجهات النظر للطب الشرعي نجد هناك من قام بتعريفه بإيجاز، ومنهم من اكتفى بذكر خصائصه وهناك من لم يشير إليه إطلاقا.

فمثلا في التشريع المصري لم يعرف الطب الشرعي، وإنما اكتفى بالإشارة إليه ضمنا حيث ذكر شروط مزاولة مهنة الطب على نص المادة الأولى من القانون رقم 415 الخاص بمزاولة مهنة الطب.

أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية نجدها في قانون الصحة العامة تعرف الطب الشرعي بصورته العصرية الحديثة على أنه فرع طبي تطبيقي يختص بالبحث في كافة المعارف والخبرات الطبية الشرعية للقضايا والمسائل التي يكون موضوع التحقيق المنازعة القضائية فيها يتعلق بالجسم البشري و ما يقع عليه من اعتداء.

أما المشرع الجزائري فإنه لم يعرف الطب الشرعي نفس النهج سلكه نظيره المغربي -وإنما اقتصر علی ذكر بعض القواعد المتعلقة بكيفية ممارسة الطب حسب القانون المتعلق بحماية الصحة وترقيتها .”

ثانيا: الطب الشرعي في التشريعات المعاصرة

التشريعات المعاصرة كغيرها من التشريعات التي سبقتها ، عرفت هي الأخرى العديد من مظاهر الإستعانة بالطب الشرعي في مختلف الأنظمة والقوانين .

فالنظام القانوني الإنجليزي عرف الخبرة و اعتمدها في الإثبات كنوع من الشهادة ، وقد تأثر النظام القانوني الأمريكي بالنظام الإنجليزي و كذلك القانون الأسترالي و الكندي و غيرها من التشريعات الأنجلوسكسونية، إذ أفردت هذه الأنظمة تشريعات خاصة بالأدلة ضمنتها أبوابا تعالج مسائل الخبرة ، كالقانون الإنجليزي الصادر عام 1965 و قانون الأدلة الفيدرالي الأمريكي .

وتعد سنة 1554 بداية العمل بالخبرة الطبية الشرعية ، حيث أصدر الملك هنري الثاني مرسوما بتنظيم هيئة الخبراء، والذي اشترط فيه حصول على شهادة الملك وإجازة من كبير الخبراء قبل ممارسة عمله ، وبحلول سنة 1667 السنة التي عرفت فيها الخبرة واكتملت فيها قواعدها وأحكامها ، من خلال أول تشريع فرنسي منظم لمسائل الخبرة يتضمن إجراءاتها وأصولها المعروفة في وقتنا الحاضر.

الفقرة الثانية: الأساس القانوني للخبرة في الطب الشرعي

فحسب مقتضيات المادة 4 من القانون رقم 94 . 10 المتعلق بمزاولة الطب فإن أعمال الطب لا يمكن القيام بها إلا بعد التقييد في جدول هيئة الأطباء الوطنية. ويكون هذا التقييد بحكم القانون بالنسبة إلى الطالب المتوفرة فيه الشروط التالية:

– أن يكون من جنسية مغربية .

– أن يكون حاصلا على شهادة الدكتوراه في الطب ،مسلمة من إحدى كليات الطب المغربية ، أو على شهادة أو دبلوم من كلية أجنبية تعترف بمعادلتها الإدارة التي تنشر القائمة المدرجة فيها.

– أن لا يكون قد صدر عليه حكم من أجل ارتكاب أفعال منافية لمتطلبات الشرف أو الكرامة أو الإستقامة .

– أن لا يكون مقيدا في هيئة طبية أجنبية

وإذا كان المفروض في مهنة الطب الشرعي أن تمارس من طرف طبيب متخصص. فإنه انطلاقا من مقتضيات المادة 37 من القانون 94 . 10 المتعلق بمزاولة الطب، لا يجوز أن يحمل لقب طبيب متخصص إلا الأطباء المقيدون بهذه الصفة في جدول هيئة الأطباء، و يكون التقييد بصفة طبيب متخصص بقرار من رئيس المجلس الوطني هيئة الأطباء الوطنية ، بناء على طلب من المعني بالأمر ، الحاصل على شهادة التخصص الطبي مسلمة من كلية مغربية ، أو على شهادة معترف بمعادلتها لها تحول الحق في مزاولة التخصص

وما يؤسف له المغرب هو عدم وجود قانون منظم خاص بالأطباء الشرعيين ، بحيث لا يوجد أي نوع من التفريق بين الأطباء و الخبراء، و على هذا الأساس سوف نقوم بتحليل نصوص القانون رقم 00. 45 المتعلق بالخبراء القضائيين، ونصوص قانون مسطرة جنائية  و قانون مسطرة مدنية قصد تحديد القواعد المنظمة للخبرة في الطب الشرعي في المغرب.

أولا : الخبرة الطبية في قانون 00. 45 المتعلق بالخبراء القضائيين

لقد اعتنى المشرع بمهنة الخبرة ، ونظمها بمقتضى المادة 46 من القانون المذكور. وبعد القراءة المتأنية لمقتضيات هذا القانون ، يتضح أن المشرع المغربي ،وعلى غرار نظيره الإيطالي ، اعتبر الخبرة إجراءا مساعدا للقضاء ، تأمر به المحكمة لتنوير رأيها في مسألة فنية . وهذا ما نصت عليه المادة الأولى من القانون السالف الذكر بقولها “يعتبر الخبراء القضائيون من مساعدي القضاء و يمارسون مهامهم وفق الشروط المنصوص عليها في هذا القانون و في النصوص الصادرة تطبيقا له .”

و أساس هذه النظرية ، أن المادة موضوع الخبرة تكون موجودة أصلا في الدعوى ، غير أنها تحتاج إلى معرفة تقنية خاصة لفهم مغزاها ، واستنباط ما قد توفره من معلومات قد تؤثر في قناعة القاضي ، الشيء الذي يدفع بهذا الأخير أو غيره إلى طلب مساعدة ذوي الإختصاص ، لإتمام معلوماته بخصوص النزاع المعروض عليه

والخبير القضائي هو المختص الذي يتولى بتكليف من المحكمة التحقيق في نقطة تقنية، وقد اشترط المشرع المغربي ضرورة التسجيل في أحد جداول الخبراء ، قصد التمكن من ممارسة الخبرة القضائية ، غير أن هذا الشرط يعرف نوعا من المرونة في المجال الجنائي ، حيث يمكن للمحكمة أن تعين خبيرا مقيدا في جدول الخبراء، كما يكمن لها أن تعين خبيرا غير مقيد في هذا الجدول وذلك بصفة استثنائية في حالة التعذر

ولقد أخذ المشرع المغربي بنظام الجدول في مسألة تعيين الخبراء، بخلاف القانون المصري الذي يعتمد نظام التوظيف ، حيث أحدث بموجب المادة 5 من القنون رقم 00. 45 جدولا بمحاكم الاستئناف وجدولا وطنيا قصد تسجيل الخبراء القضائيين، ويمكن لكل خبير مسجل في جدول إحدى محاكم الإستئناف لمدة خمس سنوات متتالية على الأقل، أن يطلب تسجيله في الجدول الوطني.

وإذا كان القانون المغربي قد أخذ بنظام الجدول، وجعل بالتالي الخبرة مهنة حرة والخبراء ليسو موظفين تابعين لوزارة العدل ، فإنه لم يجعل الجدول محصورا في عدد محدد من الخبراء ، على خلاف القانون الفرنسي – الذي يحصر مهنة الخبراء في الأشخاص المقيدين في الجدول لا غير ، كما يحصر عدد المناصب في الجدول ولا يجيز الزيادة فيه – و إنما جعل الجدول يحدد سنويا من طرف اللجنة المحدثة بوزارة العدل، والتي يرأسها ممثل وزارة العدل

والجدير بالذكر أن المشرع المغربي ، كان يقصر مجال الخبرة القضائية على الشخص الطبيعي فقط ،غير أن القانون رقم 00 . 45 نص و بشكل صريح في المادة الرابع منه، على إمكانية تسجيل الشخص المعنوي في جدول الخبراء القضائيين، شريطة توفر شروط معينة

ثانيا : الخبرة الطبية في قانون المسطرة الجنائية

إن تطور التشريع يؤدي بالقاضي تدريجيا إلى الإعتماد في النزاعات المعروضة عليه على آراء الاختصاصيين ، الذين يتعين عليهم نظرا لأهمية مأموريتهم و الإلتزام الملقى على عاتقهم أن يعيرو لتدخلاتهم ما تستحقه من أهمية لما ينتج عنها من مسؤولية متزايدة . و لعل من أهم الأشكالات التي يطرحها موضوع الخبرة نجد هناك إشكالية تحديد الاختصاص بين القاضي و الخبير، ومن ثم كان للنصوص التشريعية دورا حاسما في ذلك ، حيث أشارت إلى أن الخبرة تبقى عملا فنيا أو تقنيا أما القاضي فعمله عملا قانونا محضا ، وتبعا لذلك سوف احاول تحليل مجمل المقتضيات القانونية المنظمة للخبرة في بلادنا في المادة الجنائية مقارنة مع بعض التشريعات الأجنبية وخاصة التشريعين الفرنسي والمصري.

إذا قبل الخبير المعين المهمة الموكولة إليه فإنه يجب عليه الشروع فورا في إنجازها داخل الأجل المحدد له، إما إذا لم يقبل المأمورية فإنه يتعين عليه بمجرد علمه بما أن يخبر القاضي الذي ينتدبه برفضه لها ، حتى يتأتی استبداله بغيره في أقصر وقت ممكن ، ومن اللائق أن يبين للقاضي أسباب رفضه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخبير مقيد في عمله بجملة من الشروط تجد أساسها أولا في اليمين التي أقسم بها في الخدمة العامة ، التي يؤديها بصفة مؤقتة كأحد مساعدي القضاء ، و يمكن إجمال تلك الشروط في ما يلي:

– قيامه بأعمال الخبرة بصفة شخصية

– كما يجب عليه أيضا تحري الدقة في أعماله

– مباشرة عمليات الخبرة بكل تجرد وموضوعية وبضمير حي

– احترامه للآجال المحددة له

– احترام الصيغة الحضورية للخبرة

– الاستماع إلى الأطراف بكل هدوء واتزان ونباهة و كياسة وسعة صدر ومعاملتهم بالحسنى

– احترام السر المهني

– كما يجب عليه رد جميع المستندات المسلمة إليه من طرف المحكمة أو الأطراف وإرفاقها بتقريره خلال الثماني و الأربعين ساعة في حالة استبدال غيره به

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!