الطبيعة والصفة القانونية لقواعد القانون الدولي العام

الطبيعة و الصفة القانونية لقواعد القانون الدولي العام

كانت قواعد القانون الدولي محل تكييف متباين من قبل الفقهاء فهناك من يرى أنها تفتقر إلى صفة القانونية وأن أساس الإلزام فيها مرده إرادة الدول. بينما يرى البعض الأخر أن قواعد القانون الدولي ملزمة وأساس الإلزام فيها موضوعي لا ينبع من إرادة الدول فقط وإنما من حاجة المجتمع الدولي إليها, وعليه سوف نستعرض فيما يلي أهم الاتجاهات التي تعرضت إلى هذا الموضوع.

أ – الإتجاه الأول :

يرى أنصاره أن القاعدة القانونية الدولية تفتقر إلى صفة القانون وذلك لأن القاعدة القانونية لا تنشأ إلا في مجتمع منظم وهذا يتطلب وجود هيئة أو سلطة تضع القانون بإرادتها وتفرض احترامه على الكافة بوسائل الجبر أو القهر، وهو الشيء الذي لا يتوفر في القاعدة الدولية.

إن أهم خصائص القاعدة القانونية هو الإلزام، ومفهوم الإلزام يقتضي وجود سلطة تشرف على إيقاع جزاء منظم وهذا غير متوفر, فهي تفتقر إلى التطبيق الفعلي أو السريان الإجباري .حيث أكد أنصار هذا الاتجاه على أن القانون الدولي هو قانون لا يطبق قواعده, وأنه لا سلطة لصاحب الحق على تنفيذ توصياته. والهيئات الدولية الحالية لا يمكن أن ترقى إلى مستوى السلطة العليا التي تسود المجتمع الدولي إذ لا زال مفهوم السيادة يحول دون ذلك. وبالتالي فيمكن وصف القاعدة الدولية بالقاعدة الأخلاقية أو على الأكثر القواعد التي لا زالت في طور التكوين ولم تكتمل مقوماتها. وقد برر أنصار هذا الاتجاه رأيهم بما يلي:

أولا : إنعدام السلطة التشريعية

إن الطريق الطبيعي لوجود أية قاعدة قانونية في المجتمعات الداخلية وفق ما هو معلوم هو المشرع ، و هذا ما تفتقده مبدئيا قواعد القانون الدولي العام. لذلك يشبه عدد من الفقهاء (كانط، هوبز، اسبينوزا، بينتام) حالة المجتمع الدولي بحالة الطبيعة، إذ يرون أن العلاقات بين الدول لا تقوم في غياب مشرع دولي إلا على القوة، و حتى على فرضية وجود معاهدات بينها فهي لا تشكل قواعد ثابتة، إذ يمكن للقوة أن تؤدي إلى إنهائها ما دامت قواعد هذه المعاهدات من وضع الدول إلا من وضع مشرع دولي أعلى منها،

 ولذلك يعتبر “أوستن” أن ما يطلق عليه القانون الدولي ليس قانونا بمعنی الكلمة، و إنما هو عبارة عن مجرد أخلاق دولية أو أفكار و مشاعر سارية بين الأمم.

ثانيا : إنعدام الجزاء الإجتماعي المنظم

يقترن تعريف القاعدة القانونية في المجتمعات الداخلية بالجزاء باعتباره الضمانة القوية لحماية هذه القاعدة من الخرق و الانتهاك، و نظرا للطبيعة الخاصة للمجتمع الدولي على اعتباره مجتمعا لا مركزيا من حيث غياب سلطة عليا فيه تتولى توقيع الجزاء على مخالفة القاعدة القانونية الدولية، فإن هذه القاعدة بالأساس تعد غير موجودة، و ما دامت كل قواعد القانون الدولي من هذا القبيل فلا محل للقول بوجود هذا القانون أصلا.

ثالثا : إنعدام السلطة القضائية

لا يعرف المجتمع الدولي نظام السلطات، و يفتقر إلى السلطة القضائية التي يفترض أن تطبق قواعد القانون الدولي على جميع الدول، و لهذا أنكر الفقهاء – المتقدم ذكرهم – الصفة القانونية لقواعد هذا الأخير، فحتى و إن تم افتراض وجود سلطة قضائية دولية ممثلة في محكمة العدل الدولية فإن التقاضي أمامها اختياري يخضع الإرادة الدول، فضلا عن افتقاد أحكامها لضمانات التنفيذ على نحو ما يجري به العمل أمام المحاكم الداخلية.

ب – الإتجاه الثاني:

 يؤكد أنصار هذا الاتجاه أن قواعد القانون الدولي قواعد قانونية بالمعنى الكامل وإن الإدعاء بأنها ليست كذلك ليس صحيحا فالقاعدة القانونية في معناها العام هي تنظيم سلوك المخاطبين بأحكامها. وإدراكهم أهمية هذا التنظيم هو الشيء الذي يضفي عليها احتراما بسبب شعور المخاطبين بالقوة الملزمة لهذه القاعدة، ويترتب على هذا المفهوم عدم اشتراط شكلية معينة في القاعدة القانونية.

كما يترتب على ذلك أن جوهر القانون كفكرة مجردة هو جوهر مطلق أي يتصف بخصائص ثابتة، وهذا لا يعني عدم تأثر القاعدة بظروف الزمان والمكان، وإنما عندما تتولد فكرة النظام في مجال معين تأخذ نفس الجوهر ولا يهم مضمون النظام و شكله..

وعليه فإنه يعتقد الاتجاه المؤيد للصفة القانونية أنه لقواعد القانون الدولي العام لا وجود لتلازم بين القاعدة القانونية الدولية والشروط الثلاثة السابقة، و تفصيل ذلك على النحو التالي:

أولا : وجود القانون الدولي مستقل عن وجود سلطة مشرعة له

 ينتقد هذا الاتجاه, الاتجاه الأول كونه خلط بين القانون و التشريع، فقد تنشأ القاعدة القانونية في المجتمعات الداخلية على سبيل المثال عرفا، و النموذج هو القانون الإنجليزي، و عليه فعملية التدوين أو الصياغة الرسمية أو التشريع عموما ليست إلا إجراء لاحقا على وجود القاعدة القانونية و إقرارا لها بالصلاحية و الاستمرار.

ومن جهة أخرى فإن القاعدة القانونية ليست دائما وليدة إرادة المشرع، فهناك قواعد كثيرة نشأت عن طريق العرف سواء على مستوى القانون الداخلي أو الدولي وربما كان هذا الحصر نتيجة الخلط بين القانون والتشريع، فالتشريع قواعد مكتوبة صادرة عن سلطة مختصة (التشريعية) وهو مصدر من مصادر القاعدة القانونية ولكنه ليس الوحيد فهناك العرف الذي يعتبر مصدرا غير مكتوب ولا يصدره المشرع ولم ينال ذلك من إلزاميته.

و لأن قواعد القانون الدولي هي عرفية بالأساس فهو قانون بمعنى الكلمة، و إن أنكرنا ذلك فيجب معه أن ننكر على القانون الإنجليزي صفته القانونية و على كل القوانين الداخلية ذات المصدر العرفي، و هذا غير ممكن.

ثانيا : وجود القانون الدولي غير مرتبط بوجود الجزاء

يؤكد هذا الاتجاه أن الجزاء لا يدخل في تكوين القاعدة القانونية بل هو ضمانة لفاعليتها، و عليه فلا ينفي انعدام الجزاء أو ضعفه وجود تلك القاعدة، لأن دوره مقتصر على حمايتها، و من ثمة فإن انعدامه أو ضعفه ليس عيب القاعدة القانونية ذاتها و إنما هو عيب النظام الاجتماعي الذي تطبق فيه، وهذا ليس عيب القانون الدولي وحده بل عيب معظم القوانين الداخلية، فكم من قواعد وضعت و لم تطبق لاعتبارات سياسية و اجتماعية وغيرها .

فالجزاء هو في حقيقته رد فعل اجتماعي يصدر نتيجة مخالفة أحكام القاعدة وليس له شكلا معينة فقد يكون جنائية أو مدنية أو حتى معنوية كما هو الحال في بعض العقوبات التأديبية (التوبيخ في القانون الإداري) ثم أن القاعدة القانونية عندما تتكون قد لا تتضمن الجزاء على مخالفتها كما هو الحال بالنسبة للقاعدة العرفية ولا يعني ذلك أنها غير ملزمة، أما السلطة القضائية فهي أمر لاحق على القانون، فلا توجد سلطة قضائية إلا إذا وجد القانون الواجب التطبيق على المنازعة.

 و مهما يكن من أمر فالقانون الدولي رغم ذلك و في كل الأحوال يعرف صورا متعددة و متنوعة من الجزاءات السياسية و الاقتصادية و العسكرية ( المواد من 39 إلى 42 من ميثاق الأمم المتحدة ).

ثالثا : القانون الدولي مستقل عن القضاء ومصادف له

 يؤكد هذا الاتجاه أن القانون سابق للقضاء في المجتمعات الداخلية، و القضاء المؤسسي هو محصلة تطور طويل، فتسوية المنازعات الداخلية كانت تتم على يد محكمين أو قضاة شعبيين قبل نشوء القضاء الدائم، و بما أن القانون الداخلي وجد قبل وجود القضاء و من دونه و لم ينكر عليه أحد صفته القانونية، فالقانون الدولي بناء على ذلك يمكن أن يوجد دون وجود القضاء الدولي ، و يبقی مع ذلك قانونا لأن مهمة القاضي عموما هي تطبيق القانون لا خلقه.

ومهما يكن من أمر فالقانون الدولي رغم ذلك لا يخلو كلية من اقترانه بالقضاء، فهناك هيئات التحكيم الدولي و محكمة التحكيم الدائمة المنشأة بمقتضى اتفاقيات لاهاي 1889، و المحكمة الدائمة العدل الدولي 1920 ومحكمة العدل الدولية 1945، فضلا عن المحاكم الإقليمية مثل محكمة العدل الأوربية، المحاكم الإقليمية الحقوق الإنسان: الأوربية – الأمريكية – الإفريقية، المحاكم الدولية الجنائية: نورمبرغ – طوكيو – يوغسلافيا۔ رواندا – المحكمة الدولية الجنائية الدائمة، و إن كانت السمة التقليدية للقضاء الدولي هي ارتضاء الدول فإن هذا الأخير بدأ يتجه تدريجيا إلى الإجبار في ممارسة اختصاصاته، ذلك شأن محكمة العدل الأوربية ، و المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، و المحاكم الدولية الجنائية المؤقتة.

حقيقة القانون الدولي العام

مما تقدم يمكن الوقوف على حقيقة القانون الدولي في ضوء واقع هذا الأخير الذي يؤكد أن قانونية قواعده أمر لا يرقى إليه أدنى شك، و يفترض أن تكون موضع احترام المجموعة الدولية ككل، و شاهدنا في ذلك:

– عدم منازعة الدول في إلزامية القانون الدولي بل خضوعها له من خلال دساتيرها التي تعلي من شأنه و تجعل له الأسبقية على قوانينها الداخلية، بما نشأ عنه مبدأ قانوني هو سمو القانون الدولي على القوانين الداخلية

– عدم مجاهرة دولة ما صراحة بانتهاكها للقانون الدولي أو عدم تقيدها به، بل محاولتها دائما إضفاء المشروعية على سلوكها و إقناع المجتمع الدولي بأنه يتفق مع هذا القانون.

– تأكيد المنظمات الدولية على وجوب احترام القانون الدولي (عصبة الأمم 1919 في مقدمة ميثاقها الأمم المتحدة في ديباجة ميثاقها و مواده 01 و 02 و غيرها…).

و عليه نصل إلى أن القانون الدولي هو قانون وضعي بمعنى الكلمة غاية ما في الأمر أنه قانون تنسيق وتوفيق على خلاف القانون الداخلي الذي هو قانون تبعية و خضوع أو هو (أي القانون الدولي) كما عبر عنه لوتر باخت” و “ستروب” نظام قانوني تعاقدي غير سلطوي.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!